الدليل التشخيصي للثـورات العربية

 

بعد تراث الاحبـاط العربي من الثورة العربية الكبرى حتى احتلال العراق ،عبر مسلسل الهياج الاميركي في المنطقة والتهديدات الاميركية المطلقة في جميع الاتجاهات وضد كل الدول العربية، تحول المواطن العربي الى إنسان ملهوف يبحث عن الامان في وجه هذه التهديدات. خاصة مع ارفاقها بالاعلانات المتكررة لوفاة العـروبة ونهايتها.

ولربما كان اشتراك الشعوب العربية بتوصيف الشعوب الملهوفة هو العامل المشترك الوحيد بين الاحتجاجات العربية المختلفة في كل شيء لارتباطها بالتناقضات الداخلية لكل بلد على حدة.

من هذا المنطلق اختار الباحث النفسي السياسي محمد احمد النابلسي عنوان "ثورات ملهوفة" لكتابه الصادر حديثاً عن دار الفارابي ببيروت. وفيه تتبع الكاتب إمتداد موجات الغضب العربي وقابليته للانتقال بالعدوى من بلد الى آخر. مخصصاً فصلاً خاصا لمناقشة العوامل المشجعة لانتقال هذه العدوى بعنوان "قابلية الدول العربية لحضانة الثورات" رابطاً هذه الحضانة، وبالتالي قابلية انتقال عدوى الغضب، بالعوامل الاقتصادية والمعيشية كما بانماط اجهزة الحكم وبناها الهيكلية. وبالتالي فان عوامل الحصانة في مواجهة موجات الغضب الشعبي تتلخص في ارتفاع المستوى المعيشي والدخل الفردي كما في مستويات انسجام مكونات الشعب في الدولة المعنية. ولفت المؤلف الى ان الدول التي تعتمد قانون توريث الحكم (ملكية أو أميرية او مشيخية) اكثر حصانة في مواجهة الغضب الشعبي كون حكامها لا يصلون الى سدة الحكم وفق آليات جماهيرية. ما يجعل المطالب الشعبية بعيدة عن المساس برأس السلطة في تلك الدول.

وهذه الاختلافات البنيوية في انظمة الحكم وفي المعايشات الذاتية لجمهورها يفرض التمييز بين التحركات الشعبية العربية. فلو صح اطلاق مصطلح الثورة على التحركين التونسي والمصري المؤديين لازاحة الرؤساء وطرح مباديء اعادة تشكيل النظام السياسي فان المصطلح لا ينطبق على باقي التحركات الشعبية العربية. وذلك ليس فقط لعجزها عن اسقاط الأنظمة وانما لفروق لا يمكن للباحث النفسي السياسي تجاهلها. فهذه التحركات مختلفة في ظروف انطلاقتها وسلوكها الاحتجاجي كما في محركاتها وآليات استمراريتها.

محاور تشخيص المناعة السياسية للدول

وهنا يتحول كتاب النابلسي الى دليل تشخيصي يرصد اجهزة المناعة السياسية ويصنف اضطراباتها موزعاً اياها الى كيانات مفككة (طائفياً او عرقياً أو مذهبياً او غيرها) واخرى انهيارية تعاني من تهديدات تطال هويتها الوطنية او شخصياتها الفرعية الانتماء. وكيانات هوسية (هوس التطرف الديني او العرقي او المذهبي) واخيراً كيانات هيستيرية يستند اضطرابها السياسي الى الصراع على السلطة.

محاور التشخيص التفريقي

يلفت الباحث الى امكانية تراوح بعض الدول بين اكثر من فئة تصنيفية بحيث تتحول من انهيارية الى مفككة ومن بعدها الى هوسية او هيستيرية. ولعل تجربة الباحث في متابعته للحرب الاهلية اللبنانية، وان لم يتطرق اليها، هي دليله العملي الى هذه المراوحة. حيث انتقلت الحرب اللبنانية من التفككية (الطائفية) الى الانهيارية (الخوف على الهوية) ثم الى الهوسية (التطرف السياسي والديني وداخل المذهبي) لتنتهي بالهيستيرية (الصراع على السلطة لغاية انتقال الحرب الى داخل الفئة الواحدة).

بمعنى آخر فان الباحث يستند الى تجربة فائقة الغنى في هذا المجال البحثي حيث خبر جولات الصراع اللبناني على كافة الفئات التصنيفية لضعف المناعة السياسية. وعبر هذا التجوال فان المؤلف يشير الى ضرورة مرونة التشخيص وعدم جموده. اذ يمكن لتفاعلات المظاهر الامراضية ان تجبرنا على تغيير التشخيص. وهو ما تؤكده محاولات اذكاء الفتنة القبلية في تونس والفتنة الطائفية في مصر بعد الثورة.

وبمتابعته لقواعد التشخيص التفريقي يصل المؤلف الى التفريق بين مستويات المناعة السياسية داخل دول مجلس التعاون الخليجي رغم تقارب ظروفها وبيئاتها.

محاور تشخيص الثورات الافتراضية

 حفاظاً على شمولية الرؤية التي يتطلبها التصنيف خرج الباحث من جدلية مصطلحات الثورة والحراك والتحركات والتظاهرات وغيرها ليجمعها في مصطلح "الثورة الافتراضية". بما اتاح للباحث التعامل مع مختلف التحركات الشعبية من منطلق موحد. معتمداً في هذا التشخيص على المحاور التالية: 1 - البنية الانثروبولوجية الاساسية للدولة المعنية و2 - السـلوك السياسي الاعتيادي للدولة المعنية و3 - اعادة التموقع الجيوسياسي للدولة المعنية و4 - علائم السلوك السياسي الراهن للدولة و5 - نمطية العلاقة بين الجمهور والنظام الحاكم. حيث يمكن لكل محور من هذه المحاور ان يتسبب باطلاق ثورة افتراضية داخل الدولة صاحبة الحساسية تجاه هذا المحور.

بهذا يكون الباحث قد نجح باقتراح تصنيف يشخص الوضع السياسي بابعاده الثلاث على طريقة التصوير بالرنين المغناطيسي. ومراجعة هذه المحاور التصنيفية توضح القواعد والاسس لاستراتيجية الوقائية من الاضطرابات السياسية في البلدان المعنية. لكن النابلسي لم يترك هذه الاستراتيجية بدون توضيح حيث انتقل مباشرة الى عرض اقتراحاته للاستراتيجية الوقائية للأمن الداخلي العربي.

الاستراتيجية الوقائية للأمن الداخلي العربي

ليست الثورات الافتراضية بالتهديد الوحيد لامن الدول العربية الداخلي اذ تشمل التهديدات كافة مصادر وبؤر تهديد الامن الداخلي للدول المعنية. اما عن خطوات هذه الاستراتيجية المقترحة من قبل المؤلف فهي التالية:

1 - إحتـواء مشـاعر الاضطهاد الشعبي و2 - إستيعاب ميول الانتقـام الداخلية و3 - تحصين الشرائح المستهدفة من الخارج. و4 تعزيز العوامل المناعية السياسية واهمها: تعزيز الرفاه الاقتصادي ودعم اللحمة في مواجهة العـدو المهدد وتوسيع المشاركة الشعبية في القرار.

غني عن القول ان المنحى التطبيقي لهذه الخطوات يتطلب التقنين والتكييف بحسب الظروف الخاصة بكل بلد على حدة. حيث يتطلب التطبيق دراسات ثنائية التوجه. بمعنى انها تتحرى حيثيات الشكاوى والمطالبات الشعبية وتحديد اولوياتها كما تتحرى في المقابل سبل المقاربة الرسمية للجمهور وخطط الاصلاح المبنية على اساس المعطيات المتوافرة حول الأولويات الشعبية.

وفي السياق يتوقف المؤلف عند التهديدات الخارجية للأمن الداخلي العربي. حيث تعيش المنطقة العربية منذ عقود حالة من التهديد الخارجي المستمر. كما تخللتها بضعة حروب شكلت انقلابات في التوازنات الجيوسياسية لهذه المنطقة. لذلك يفرد المؤلف فقرة بعنوان فـي مواجهة الحروب والتهديدات العسكرية.

فـي مواجهة الحروب والتهديدات العسكرية: يرى النابلسي أن الشعوب تشترك مع الطفل في موقفها من السلطة بوصف الاخيرة بديلة للأب. وبالمقارنة نجد ان السلطات العربية وقعت في مأزق اشكالي فيما يتعلق بدورها "الأب الحامي" تجاه شعوبها. وذلك عقب احتلال العراق تحت شعار "الصدمة والترويع". وان تمكنت كل دولة من اعتماد منهجها التبريري الخاص لمجريات الامور منذ 2003 وحتى اليوم.

فيما تشير المتابعة التاريخية لترويع الشعوب العربية الى المحطات الاستعمارية المتعاقبة والمتوجة باتفاقية سايكس بيكو على حساب وعد الدولة العربية الكبرى. وكانت اسرائيل ثمرة هذه الاتفاقية التي اسفرت عن حروب متعاقبة رسخت ترويع العرب وبلغت قمتها في حرب الايام الخمسة العام 1967. حيث استمدت السلطات العربية بعض القوة عبر الفورة النفطية وتأثيرها الاقتصادي في دعم هذه السلطات. التي لا تزال تردد انتصارها في حرب 1973 وتستعيد وقف امدادات النفط العربي عقب تلك الحرب. وهو ما شكل قاعدة الامال العربية بالخلاص من وضعية الترويع. ويختم المؤلف هذه الفقرة بالقول: لسنا نبالغ اذا قلنا ان الشعوب العربية واقعة تحت ضغط تهديدات الترويع والارهاب والاستباحة منذ العام 2003 ولغاية اليوم. بما يشكل احد اهم تهديدات الامن الداخلي العربي. كما يشكل احد اهم ثغرات العلاقة بين السلطات العربية وشعوبها.

الشارع العربي وقناعاته الضمنية: يفرق الباحث بين حراك الشارع العربي ككل وبين تحركات اجزاء منه في بعض الدول العربية. فاذا كان صحيحاً ان العديد من الشعوب العربية تحركت لتقول كلمتها لكن الشارع العربي لم يقل كلمته بعد وهي العليا. اذ ينتظر هذا الاعلان طمأنينة الوقاية من احباطات جديدة لا تزال معادلاتها حية في اللاوعي العربي. ومنها سلسلة الانقلابات العربية في الستينيات والمواجهات المكلفة للمشاريع الاميركية والغربية في المنطقة وصولاً الى قوائم المؤمرات التي لم تجد بعد من يجروء على فضحها وهتك ستائرها.

اما ما يقال ويكتب عن إساءات توظيف هذه الاحتجاجات ومحاولات احباطها والالتفاف عليها عداك عن اختراقاتها فهي من مألوفات ردود الفعل امام أية محاولات تغيرية سياسية. وهذه التحركات الشعبية ستتحول الى حصينة يوم تتعالى على الاحقاد المحلية وتعيد توجهها نحو الأهداف المستورة لغاية اليوم بالقناعات الضمنية للشارع العربي عموماً.

انها اللحظة الجيوسياسية المناسبة لتحرير قناعات الشارع العربي من أسر ضمنيتها بسبب التهديدات الخارجية المصنعة لفيروسات النفس الملهوفة والمقهورة.

رؤية الثورات الافتراضية

ينظر المؤلف بتعاطف مع الثورات الافتراضية العربية باعتبارها انعكاسات لمعاناة شعبية مزمنة. الا ان هذا التعاطف وان غطى بتفهمه كافة التحركات الشعبية العربية لكنه لم يهمل طرح الاسئلة حول خلفية التحركات وآلياتها وتمويلها واهدافها. والاهم تهمة يسوقها المؤلف لهذه التحركات بدبلوماسية فائقة الحساسية. اذ يرى النابلسي ان المنطقة العربية تعيش لحظة جيوسياسية مقررة وان الحفاظ على استقرارها يعتبر ضرورة استراتيجية عربية. وهو استقرار تهدده التحركات الشعبية العربية وبعضها يفتقد لمبررات التوقيت في هذه اللحظة بالذات.

في المقابل يبدي المؤلف تعاطفاً ملفتاً مع الثورتين التونسية والمصرية رغم التحفظات المشار اليها في مقاطع عديدة من كتابه.

فتحت عنوان "تونس تطلق الثورات المعطرة بدل الملونة" يكتب: لقد تركتنا ثـورة الياسمين التونسية وسط ارباك انتقال الثورات والتحركات الشعبية من مرحلة اللون الى مرحلة الرائحة العطرة. وهي أيقظت لدينا ملاحظات لم ندونها في حينه لكنها تركت بصماتها في ذاكرتنا.

وتحت عنوان "مصـر تعيد للعـروبة ألقهـا" يكتب: لم يطرح متظاهرو مصر سوى قضيتهم الوطنية. رافعين شعارات موحدة هي: "الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية" باتفاق مختلف المكونات المصرية على هذه الشعارات في مشهد وحدة وطنية تسمو فوق التناقضات الداخلية ونزاعاتها.... بما يبرر تفريق الباحث ما بين قناعات الشارع العربي الضمنية وبين مجموعة مواقف الشوارع العربية المختلفة.

 

ثـورات ملهوفـة

قراءة مستقبلية للتحولات الشعبية العربية

محمد احمد النابلسي

مركز دلتا للدراسات بيروت

 

د. محمد بطحيش

عضو المركز العربي للدراسات المستقبلية