خيار شمشوم النفطي الاحسان والقسر وتحرير الأسرى العودة الى خيار كلينتون
  قراءة في قصص زهير جبور  

 

خيار شمشوم النفطي

محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 11 / 2 / 2004

     من اساليب العلاج النفسي للأطفال اسلوب يدعى بـالخربشة. وفيه يشجع الطفل على تفريغ احاسيسه بالخربشات, وحدث ان شجعت طفلاً يعاني الذعر الليلي على هذه الخربشات, فرسم الطفل ما اعتبره ذئباً, وما ان انهى خربشته حتى خاف منها باعتبارها ذئباً!؟

حالة هذا الطفل مطابقة للحالة الاميركية. فعندما ارادت اميركا الخلاص من الايديولوجيات راحت تشجع الحركات الدينية الاصولية في مختلف الاديان والمذاهب, فلو راجعنا نشوء هذه التيارات المتطرفة لوجدنا الايدي الاميركية حاضرة فيها, سواء أكانت يهودية ام مسيحية ام اسلامية.

ولكن السؤال يطرح حول اسباب الخوف الاميركي من الحركات الاسلامية حصراً واهمالها بقية الاديان؟ وصولاً الى اعلان بوش عن حرب صليبية؟ لقد خربش الاميركي ذئب الاصولية الاسلامية وها هو يموت رعباً من خربشته! وتتعدد التفسيرات لهذا الرعب لكنها تسقط جميعها امام السؤال عما اذا كانت اميركا تهتم بالاسلام لولا قيام دوله على بحيرات نفطية؟ ان اضطرار الولايات المتحدة لمجاورة الاسلام, بسبب نفط الشرق المسلم, هو مصدر الخوف الاميركي الحقيقي.

مشكلة اميركا هنا تكمن في موقفها الطفولي فهي لا تريد ان تدرك ان الذئب الذي يخيفها ليس إلا خربشة من صنعها. وهو عاجز عن التجسيد في ظل الانظمة الحاكمة في المنطقة, وكلها خاضت معارك مع الاصولية باعتبارها حركة معارضة دينية. وهي لم تتحول كذلك إلا بفضل الدعم الاميركي لها. بل ان اميركا استخدمت هذه الحركات لخدمة مصالحها, ووظفتها لقتال الشيوعية وللضغط على بعض الانظمة العربية والاسلامية, حتى اذا ما فقدت اميركا توازنها بعد غياب العدو الشيوعي رشحت الاسلام ليلعب وظيفة العدو البديل, وهذا الترشيح مجرد خربشة اطفال, فالاصولية الاسلامية محدودة النفوذ والانتشار وواقعة تحت سيطرة الدول الموجودة فيها, لذلك احتاجت هذه الخربشة الى عمليات بحجم حوادث 11 ايلول سبتمبر كي تتحول الى عدو مقنع.

لقد أصبنا بوش بالذهول لما رآه منا ومن شعوبنا, التي هبت للدفاع عن صدام حسين وحملت صوره معلنة العداء لأميركا وبوش معها. وكأنها نسيت بطش صدام وطغيانه وجرائمه الجماعية عداك عن تشريده لـ20 من الشعب العراقي في بلاد الله الواسعة.

كان بوش يأمل ان يستقبل كمنقذ مخلص, وأن يستقبل جيشه بالزهور من قبل الشعب العراقي المظلوم. وهذا بسبب جهله لثقافة المنطقة وأنتروبولوجيتها, وهي عوامل كانت كفيلة بتحويل بوش الى بطل منقذ لو انها روعيت وأخذت بالحسبان, وهذا ما يعدنا به بوش اليوم. فهو يبدو اكثر تفهماً لهذه العوامل. وهو بدأ يمارس ضغوطه لضبط شارون وعدوانيته تجاه المنطقة, بل ان مصادر موثوقة تؤكد ان مخابراته تقف وراء تفجير فضائح ابن شارون في الفساد المالي. وتلك خطوة على طريق دفع شارون نحو الاستقالة او نحو انتخابات مبكرة تخرجه من الحكم. ولا يخفى على احد الدور الاميركي في تحضير اجواء اتفاقية جينيف. وكلنا يعلم مقدار الترحيب الذي قدمته ادارة بوش لهذه الاتفاقية. هذا دون ان ننسى جهود بوش المتكررة لانهاء العنف المرافق للانتفاضة. فمن مشروع ميتشيل الى مشروع تينيت ولغاية خريطة الطريق واتفاق جينيف.

هكذا يجب علينا كعرب ان ندرك بأن اهتمام بوش بنا وبمنطقتنا هو اهتمام مختلف عن كل سابقيه من الرؤساء الاميركيين, فهو اهتمام وصل الى حدود التورط الشخصي. اما عن اسلحة الدمار الشامل فإن ما تملكه اسرائيل منها يقع تحت السيطرة الاميركية الكاملة. وهكذا يصبح على العرب ان يختاروا بين تدمير اسلحتهم وبين وضعها تحت الرقابة الاميركية التي تمنع اي احتمالات مجنونة في المنطقة, فالرئيس بوش يريد تجنيب المنطقة حرباً مدمرة بين العرب والاسرائيليين, وهو قد يترك التسوية والسلام للوقت, لكنه لا يريد بحال ان تتفجر صمامات الامان في المنطقة.

قد يكون بوش مربكاً في تعامله مع شعوب المنطقة, وهو ارتكب اخطاء كبيرة خلال الحرب العراقية. لكنه فعلها بنية حسنة, وهو يظن انه يحمل الديمقراطية والسعادة الى المنطقة وشعوبها.
غالبية العرب يرفضون كل ما تقدم اعلاه وربما يسخرون منه. لكن هذا الرفض يجب ألا يدفعنا الى تعويق عملية اعادة انتخاب بوش. ولتكن ليبرالية اميركا الداخلية الحكم بيننا وبينه, فالداخل الاميركي اقدر على محاسبة بوش وأقسى, ولنتذكر ان الصحافة الاميركية كانت الاقسى في نقد بوش, من التشكيك بفوزه ولغاية التشكيك بأهداف حربه العراقية ومبرراتها. وقد تكون نبرتنا اعلى في نقده لكنها نبرة تستقي معلوماتها من الصحافة الاميركية, حيث لا نملك مصادرنا الخاصة, ولنتذكر ايضاً ان الديمقراطية الاميركية اسقطت الرئيس نيكسون بعيد انتخابه مرة ثانية.

فلنجرب بوش مرة ثانية ولنقدم له ما ينقذ صورته الداخلية الانتخابية. اقله خشية من مجيء رئيس جديد لا يسعفه ذكاءه وتجربته السياسية لفهم ابعاد مشروع بوش في المنطقة, مما سينعكس علينا بكارثة اكبر من كوارثنا المتخيلة راهناً, وإذا كنا لا نثق بالديمقراطية المصدرة الينا فلنثق اقله بالديمقراطية داخل اميركا. فهي ستحاسب بوش على كل اخطائه وتحاكمه عليها. فإذا ما تبين سوء هذا الرئيس فإنه سيدفع ثمن ذلك غالياً حتى بعد اعادة انتخابه, فهو لم يعد يحتاج الى وقت طويل كي يتم مشروعه ولنعطه الوقت لذلك. ومن يعش يرَ...

عودة الرئيسية

الاحسان والقسر وتحرير الأسرى

الدكتور محمد احمد النابلسي/ الكفاح العربي في 5 / 2 / 2004   

       مع اقتراب الانتخابات الاميركية تحرك الحزب الجمهوري لدعم مرشحه الرئيس الحالي بوش. وذلك بغض النظر عن الخلافات داخل الحزب وتياراته المتوزعة وفق درجة المحافظة في الحزب, فقد اعتمد الرئيس الحالي على اموال اثرياء الحزب ونفوذهم لتمويل حملته الانتخابية, وهو سلمهم قيادة وقيادة ادارته في مقابل هذه الاموال, وهكذا سيطر كبار الاثرياء على السياسة الاميركية وأبعدوا من سواهم عن القرار, وسجلت الصحافة الاميركية هذه التحولات على طريقتها الخاصة, فهي تجرأت ولغاية 11 ايلول سبتمبر على اثارة النقاط الآتية:
1 ضرورة تعديل الدستور الاميركي ومعه قانون الانتخابات لسد الثغرات التي يمكنها ايصال رئيس لا يملك اغلبية الصوت الشعبي.
2 التشكيك بوجود تزوير في العملية الانتخابية مع تضافر تحيز عائلي
اخو الرئيس حاكم فلوريدا وأبوه رئيس سابق وضغوط مالية وتمويل مشكوك فيه.
3 عدم استقلالية شخصية الرئيس وتبعيته لعائلته
امه باربارا خصوصاً والاقوياء من مساعديه ومموليه.
4 الانقلاب المعلن على الاستقرار الاقتصادي الذي حققه كلينتون, من دون ملكية مشروع بديل واضح. بل ان مشروع بوش كان يبدو فاشلاً مسبقاً لكونه يجمع بين الخفض الضريبي وبين زيادة الانفاق العسكري.
5 تجاهل بؤرة الصراع العربي الاسرائيلي وخلق بؤر صراع جديدة مع تبني مشروع متطرف لاعادة صوغ المنطقة, وهو مطروح منذ ايام بوش الاب, ويقضي بتقسيم عنقودي للدول العربية, وهو يسهل حصول السلام وفق الشروط الاسرائيلية. كما انه يسهل السيطرة الاميركية على نفط المنطقة.
6 ان الرئيس الجديد
بوش هو دمية في يد نائبه ديك تشيني, الذي مارس سلطة علنية لم يسبق لنائب رئيس اميركي ان مارسها علناً.
7 ان الجمهور الاميركي اصبح يشك بديمقراطية بلاده التي اوصلت بوش للرئاسة.
8 ان الرئيس لا يولي الاهمية اللازمة للوضع الداخلي ولأوضاع الطبقة المتوسطة.
9 فساد جهاز المخابرات الاميركية وبروزه بعد ظهور سلسلة من فضائح اختراقه.
10 الكساد الاقتصادي الذي رافق انتخاب بوش, ومقارنة سياسته الاقتصادية بسياسة والده الفاشلة على الرغم من مكاسب حرب الخليج الثانية.
وجاءت حوادث 11 ايلول
سبتمبر لتجعل من كل هذه الانتقادات موضوعات فرعية. حيث حل الخوف من امكانية تكرار تلك الحوادث. وهو تكرار قررت الصحافة الاميركية عجز الاقتصاد الاميركي عن تحمله وهكذا حل الرعب الاميركي مكان البحث الموضوعي وأصبحت اميركا في حالة حرب, وطاب لرئيسها ان يتحول الى رئيس مقاتل. وهو لم يكتف بفشله في افغانستان بل اتبعه بفشل آخر في العراق.
لا احد يشك بقدرة اميركا على هزيمة البلدان الضعيفة واسقاط حكامها, وأيضاً قدرتها على ايقاع عشرات آلاف الضحايا من المدنيين فيها, عداك عن زرع اراضيها باليورانيوم الخامد. فكل ذلك ليس موضع شك ولكن الشك يطاول الانتصار, فهل حقق الاميركيون النصر في افغانستان والعراق؟
حول هذا السؤال المحوري ستدور الحملة الانتخابية المقبلة في اميركا. وهو الموضوع الذي يراهن عليه الحزب الديمقراطي. فإذا ما استمر الوضع بحالته الراهنة فإنه لن يوجد اي نصر اميركي يمكن لبوش ادعاءه. فها هو الارهاب يزداد وتتضاعف تهديداته لتقض مضاجع الاميركيين خلال الاعياد. وها هي المقاومة العراقية تستمر على الرغم من اعتقال صدام حسين ومحاولات التهوين الرسمي الاميركي بقدرات هذه المقاومة.
ان هذا النصر غير المكتمل مرشح لأن يطيح رئاسة بوش ويهددها حتى في حال تجديدها. ومن هنا تدخل عقلاء الجمهوريين لترميم اخطاء الصقور المتراكمة. ولقد بدأ جايمس بيكر عملية الترميم هذه من خلال حشد التأييد الصامت البعيد عن اضواء مجلس الامن, وهو يحشده من الدول الاقوى على شكل اعفاء العراق الاميركي من بعض الديون.
وهذا ما وافقت عليه كل من فرنسا وألمانيا واليابان وروسيا وقبلهم دول التحالف, وذلك بحيث تمكن بيكر من جلب اعتراف الاقوياء بالوضع الاميركي في العراق. ولهذا الاعتراف ثمن دفعته اميركا بصورة تفاهم وليس تحت ضغوط. بما يعني بداية خروج بوش من النفق العراقي عبر هذا التأييد الذي احتاج الى مرونة ودبلوماسية لا تتوافران لدى الصقور.
ولكن ما هي خطوة بيكر الآتية لانهاء المأزق الشخصي لبوش في العراق؟ قد نجد الجواب في استراتيجية التفاوض التي اعتمدها بيكر في حرب الخليج الثانية. وتتضمن طمأنة دول الجوار العراقي. وهنا يعتمد بيكر سياسة الترهيب والترغيب بعد تحديد اهدافه وحاجاته من هذه الدول. وفي الحالة العراقية فإن المطلوب هو جلب الاعتراف لمجلسي الحكم الانتقالي من قبل محيط العراق, ومعه وقف اي دعم يتسرب للمقاومة العراقية اضافة الى التعاون الامني الذي يسهل اختراق الشارع العراقي.

في المقابل يمكن لبيكر ان يعد بتعويض الخسائر الناجمة عن اغلاق العراق وبإعادة فتحه على محيطه. كما انه لن يتمسك بأعضاء المجلس ممن لا يحظون بقاعدة شعبية كافية. وهو ايضاً مستعد للاعتراف بالقوى والتيارات الفاعلة في المجتمع العراقي ولكن بشروط تمكن اميركا من ضبطها والتحكم في احتمالات تمردها.
بهذا تتبدى لنا صعوبة مهمة بيكر مع دول الجوار العراقي بسبب حماقة سياسة الصقور وحماقات هذه السياسة المتسلسلة, والتي تبدأ من توجيه تهديدات علنية لهذه الدول بما يقطع الطريق على التفاوض مع التلويح بها. وتمر باستعداء اصدقاء اميركا واجبارهم على قبول اوضاع تحرجهم امام جمهورهم. اما المارقون فقد دفعهم الصقور لسلوك سياسة حافة الهاوية. والحافة هذه اكثر خطورة على اميركا منها على من تعتبرهم مارقين. وذلك بدليل التهديدات التي عكرت اجواء الاعياد الاميركية. فالتهديد الاميركي لهذه الدول يقابله تهديد ارهابي متصاعد لأميركا, وهذا يجب ألا يقودنا الى النتيجة الحمقاء التي خرج بها الصقور والقائلة بعلاقة المارقين بالارهاب. فهذا الاخير يهدد دول المنطقة اكثر مما يهدد اميركا. وهذا اذا ما نجح الاميركيون في فهم واستيعاب دلالة مصطلح الارهاب. فالمقاومات العربية ضد الاحتلال لا تهدد دول المنطقة بل هي تدعمها. فهل يستوعب بيكر شرعية هذه المقاومات, من حزب الله حتى حماس, ويذهب ليفتش عن الارهاب بعيداً عن هؤلاء المقاومين؟ فالتفاهم مع دول الجوار العراقي يمر بهذا الاستيعاب. والمارقون يفضلون السير على حافة الهاوية عوضاً عن التخلي عن ثوابتهم الوطنية, وهذا ما سيطرحه الجمهور الاميركي ويعيد طرحه بعد تحرير الاسرى على يد حزب الله ومن دون منة من احد. فهل يستمر السلوك الاميركي صقورياً فيضطر لتقديم تنازلات دون ان تكون لأميركا منة على أحد؟

 عودة الرئيسية

بيكر يدفع اميركا الى العقلانية في مقابل تكريس مكاسب الجنون:
 هل تعود الولايات المتحدة الى خيار كلينتون؟

محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 9 / 2 / 2004

بعض العقلانية تعود الى السياسة الخارجية الاميركية مما يزيد غموض اللحظة السياسية الاقتصادية الراهنة, فالاقتصاد الاميركي لم يعد يعيش على دمه بل ادمن العيش على دماء الأخرين منذ 11 ايلولسبتمبر العام 2001. في ذلك الاثنين اعيد افتتاح البورصة الاميركية ليبدأ ضخ الاموال الخارجية فيها حفاظا على النظام الرأسمالي من الانهيار. وهكذا تحول الاقتصاد الاميركي الى مصاص دماء دراكولا عالمي, خصوصا بعد تساقط الشركات الاميركية الكبرى مثل احجار الدومينو معلنة إفلاسها الواحدة تلو الاخرى.
كان الجنون هو النتيجة المنطقية لهذا التحول, فتفجرت نوبات الجنون الاميركي في كل الاتجاهات دون ان توفر عدواً او صديقاً, وكانت الاطراف الأضعف أولى الضحايا على مألوف تراث البشرية, الآن يدخل جايمس بيكر على خط السياسة الخارجية الاميركية. وهو يبدأ دخوله بانجاز هام على المحور الاوروبي, حيث انتزع من فرنسا والمانيا وعوداً بخفض الديون العراقية.
هذا التحول يتخذ اهمية مميزة مع قبول جايمس بيكر مهام ترميم اخطاء ادارة بوش. وهو الذي عارض الحرب العراقية بدون تغطية دولية. كما عاد ورفض التعاون مع بريمر في العراق. حتى بدا, هو ومعه فريق بوش الاب وعلى رأسهم سكو كروفت, وكأنه معارض حاد لادارة الابن, ومن هنا عدم امكانية تجاهل المسؤوليات التي قبلها بيكر بعد سقوط صدام في ايدي الاميركيين.
ان عملية اعتقال صدام نفسها تبدو من صناعة بيكر. فهي كانت ضرورية لمباشرة بيكر عمله الدبلوماسي على طريقته المعهودة, وهي طريقة خاصة ومعروفة لدى متابعي التحركات الدبلوماسية الاميركية خلال حرب العراق الاولى.
بناءً على ما تقدم نجد ان كل المفارقات والتغييرات التي رافقت واعقبت اعتقال صدام هي من صنع دبلوماسية بيكر. وهذا الرأي الشخصي يتدعم مع خفوت صوت رامسفيلد والصقور لغاية الاختناق منذ ظهور جايمس بيكر على المسرح, وهو ظهور دعمته اصابة كولن باول بسرطان البروستات التي افسحت المجال امام بيكر.
لكن عقلانية بيكر لا بد لها من الاصطدام بالصخرة الاقتصادية. فهو تمكن من اضفاء بعض المرونة التي شجعت التنازلات المرافقة لاعتقال صدام. ومنها توقيع ايران على البروتوكول الاضافي وتراجع اسرائيل عن تهديداتها لايران. وكذلك اعلان تخلي ليبيا عن اسلحتها غير التقليدية وغيرها من المواقف التي تعيد بعض الواقعية الى العلاقات الدولية, وان كانت هذه الواقعية تحتاج الى صدقية اميركية لا تزال مفقودة لدى ادارة بوش لغاية الآن.
ولكن ماذا يمكه لبيكر وفريقه ان يفعل على الصعيد الاقتصادي؟ فهل يمكن لدبلوماسية تحقيق انجازات اقتصادية جديرة بدعم الاقتصاد الاميركي المتأزم؟
إن فشل بيكر, ومعه فريق بوش الأب, في تقديم علاجات اقتصادية كان السبب في سقوط الأب امام كلينتون العام 1994, وهذا الفشل مدعاة للشك بمواهب بيكر الاقتصادية. وإن نجحت عملية اعتقال صدام في دعم مؤشرات داوجونز والدولار بحيث بدا وكأن العافية يمكن ان تعود للاقتصاد الاميركي خلال ايام معدودات. وهو انطباع يرفضه العارفون بعمق الازمة الاقتصادية الاميركية وجديتها.
لهذه الاسباب سيجد بيكر نفسه يسعى لحل المعضلة الاقتصادية عبر مساومة الدول النفطية على ايجاد حلول تضمن استقرارها في مقابل تقديمات وتنازلات اقتصادية لمصلحة الولايات المتحدة. وفي خليفة هذه الدول السعودية وفنزويلا. وهما الدولتان اللتان حافظتا على علاقة احتمال من طرف واحد مع صقور بوش. إذ قامت فنزويلا بزيادة انتاجها النفطي خلال حرب العراق. وذلك لتغطية الخوف الذي قد ينجم عن امكانية وقف تدفق النفط العربي. وكان المقابل الاميركي وقف حوادث الشغب ضد شافيز خلال الحرب فقط. ومن ثم عودة هذه الحوادث فور انتهاء الحرب. اما السعودية فقد حافظت على تعهداتها الاميركية بالرغم من قائمة التهم الاميركية الملفقة ضدها الامر الذي يجعل امكانية تفاهم بيكر مع هذه الجهات اسهل ويجعله أقدر على الحصول على تفاهم نفطي معها, وهو أحد الحلول النادرة لانقاذ الاقتصاد الاميركي.
مهما يكن فإن اللجوء لخبرة فريق الأب لم يتم سوى تحت وطأة الشعور بالمأزق والتيه في المستنقع العراقي. وذلك بعد ارتكاب الصقور لقائمة طويلة من الاخطاء المميتة في العراق. وبما ان اصلاح هذه الاخطاء هو هدف بيكر وفريقه فإن تعدادها سيكون مفيداً ومنها:
1 تعيين بول بريمر حاكماً للعراق. وهو غير مؤهل لهذا المنصب في ظل المقاومة العراقية.
2 استدراج ادارة بوش الى الورطة العراقية. بحيث كمنت المقاومة العراقية لتظهر بصورة تدريجية تصاعدية مع زيادة التورط الاميركي. فكانت جملة الاخطاء الاميركية المتعاقبة. حيث اعلان الاحتلال وتعيين حاكم اميركي للعراق وبعدها تعيين مجلس حكم موقت الذي اكمل الورطة.
3 حل الجيش العراقي. وهو قرار احمق بكل المقاييس.
4 إعادة تكوين جهاز أمن عراقي. وهو اكثر حماقة من سابقه.
5 تجاهل الكتلة السياسية الاكبر في الساحة السياسية العراقية, وهي المتمثلة بالحزب الحاكم الذي يضم خمسة ملايين عضو. عداك عن المؤسسات والمنظمات التابعة للنظام.
والآن كيف يمكن لبيكر, او لعاقل غيره, إصلاح هذه الاخطاء؟
والجواب الأقرب هو العودة الى المقارنة مع دول اوروبا الشرقية, وهي مقارنة صالحة لحل هذه المشاكل. وإن لم تكن صالحة في حالة شن الحرب على العراق ودول المنطقة.
هذه المقارنة تبين ان إعادة تنظيم دول اوروبا الشرقية اعتمد اساساً على الاحزاب الشيوعية الحاكمة فيها. وهي لم تطارد هذه الاحزاب وذلك على غرار ما جرى في العراق. بحيث يصبح اصلاح هذا الخطأ بإعادة تفعيل الحزب بعد إدخال تعديلات شبيهة بتلك المدخلة الى الاحزاب الشيوعية الاوروبية.
اما بقية الاخطاء فإن اصلاحها يرتبط بإقالة بريمر والتخلص من مجلس الحكم الانتقالي وابداله بصيغة اكثر تمثيلاً للحالة العراقية. ومن ثم إعادة الاعتبار لعدد من كبار ضباط الجيش العراقي السابقين, حيث من المتوقع ان يلعب وزير الدفاع السابق سلطان هاشم دوراً كبيراً في هذه الاصلاحات.
على هذا النحو يمكن للعقلاء الاميركيين اصلاح اخطاء تهور الصقور ومغامراتهم العراقية غير المحسوبة. مما يؤهل العراق لأن يصبح دولة متحولة على غرار دول اوروبا الشرقية المتحولة, التي تحولت لخدمة المصالح الاميركية دون ان تقدم اي خدمات لشعوبها. اللهم إلا تطويعهم للعب دور الجنود المرتزقة في خدمة الطموحات الاميركية, والاميركيون, عقلاء ومجانين, يملكون ورقة ضاغطة لفرض هذا التحول على العراق, وهذه الورقة هي التهديد بتقسيم عنقودي للعراق مع تفجير صراعات مذهبية وعرقية تنسف جغرافيته نسفاً كاملاً.
ولا يحتاج هنا للتذكير بالأثر السلبي لتحول العراق على هذا النحو, وهو اثر يضر بكل الجوار العراقي ويهدده, فهذا السيناريو الاصلاحي يقيل اميركا من عثراتها العراقية, ويستصدر صحكوك الغفران لنوبة الجنون الاميركية في العراق. بما في هذا الغفران من إعفاء اميركا من جرائم الحرب المرتكبة في العراق وتهديد استقرار جيرانه وابتزازهم. وبمعنى آخر فإن سعي العقلاء سيكون باتجاه التلويح بالعودة الى العقلانية في مقابل تكريس مكاسب الجنون, ولعل اكبر هذه المكاسب عودة بوش الى البيت الابيض, وعندها ستتحول مكاسب الجنون الى استراتيجية الفترة الثانية لبوش. وملامح هذه الاستراتيجية هي:
1 متابعة مشروع الدرع الصاروخي الذي يحول اسلحة العالم الى اسلحة وهمية
افتراضية لا يمكن استخدامها ما يكرس احتكار اميركا للقوة واحتوائها للنفوذ العسكري العالمي.
2 تعديل القانون الاساسي للأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها من المنظمات الدولية. مع إعادة هيكلتها لتصبح اكثر انسجاماً مع المصالح الاميركية.
3 اكمال احتواء الصين عبر ثمانية وعشرين قاعدة على تخومها المباشرة بما يخرج الصين من السباق على موقع القطب البديل للاتحاد السوفياتي.
4 السيطرة المباشرة على منابع النفط بوصفه سلعة استراتيجية. بما يستتبع التحكم الاميركي المطلق ببورصة النفط العالمية.
5 تكريس اي معارضة او مقاومة للمصالح الاميركية على انها منظمات ارهابية مستباحة اميركياً.
6 تكريس النموذج الديمقراطي الاميركي
الرأسمالي عالمياً. مع القضاء على النماذج الديمقراطية الباقية. وخصوصا نموذج الديمقراطية الشعبية الباقية معالمه في ما تبقى من الدول الشيوعية. وتحديداً الصين وكوبا وكوريا الشمالية.
7 تفكيك الكيانات القائمة على أسس ايديولوجية. سواء كانت دينية او قومية او عرقية او فكرية.
8 احتواء الاتحاد الاوروبي بتفجير تناقضاته, وذلك عبر تشجيع قياداته القوية واليمينية المتطرفة. فصعود هذه التيارات من شأنه تعميق حدة التناقضات بين الدول الاوروبية.
9 تعديل ميثاق حلف الاطلسي بحيث يتم تكريسه كمسؤول اوحد عن الأمن الاوروبي. بما يعادل تحويل اوروبا الى مجرد ضاحية اميركية.
10 رفض مبدأ قبول شركاء استراتجيين للولايات المتحدة, وإبداله بمبدأ التبعية لأميركا وفق النموذج البريطاني في حرب العراق.
وهنا يطرح السؤال الاصعب وهو: هل يتجاهل الديمقراطيون هذه المعطيات في حال فوزهم على بوش؟ ام انهم سيكون اكثر تهافتاً من بوش نفسه على تطبيق هذه الاستراتيجية؟ خصوصا بعد ما يتبدى من تراجع المتمردين امام هذه الطموحات الاميركية؟
هذا السؤال يطرح بالحاج مع ظهور إحصاءات تبين تفوق المرشح الديمقراطي جون كيري على بوش لو اجريت الانتخابات اليوم!؟ وتزداد اهمية هذا السؤال بعد جملة تسريبات منها احتمال استعانة الديمقراطيين, إن فازوا, بشخصيات مثل دولفويتز وبيرل وغيرهم.
بذلك نعود لمراجعة الخيار الاستراتيجي الديمقراطي. وكلينتون خير ممثل له. فقد أجاد كلينتون تجنب الصدام مع مجلس الأمن ومع الكونغرس. إذ خاض حرب كوسوفو وكسبها دون ان يعلن عن ضرورة تغيير هيكلية الامم المتحدة او كسب مقاعد الكونغرس بأي ثمن. ويومها دفعت اوروبا الثمن حيث خسر اليورو 40
من قيمته. وتحمل الاتحاد الاوروبي نفقات إعادة اعمار كوسوفو. واكثر منها الصدام والعداء مع القومية الصربية. وهكذا تمكن كلينتون بمرونته ودبلوماسيته من تحقيق المكاسب ودعم المصالح الاميركية على حساب الآخرين وليس على حساب اميركا.
ولنا ان نتوقع عودة اميركا لخيار كلينتون في حال فوز المرشح الديمقراطي. ولكن كيف يطبق هذا الخيار على العراق وعلى المنطقة عموما؟!
نتوقع ان يعجل الديمقراطيون انسحابهم من العراق ودعوة الاطراف الدولية للمشاركة في العراق مشاركة كاملة. وذلك لغاية استقرار الوضع العراقي وفق معادلة ترضي دول الجوار كما ترضي الجماعات العراقية المختلفة مع الحفاظ على وحدة العراق.
في المقابل سيلجأ الرئيس الديمقراطي لاصدار بوليصة تأمين خاصة ومكلفة للدول النفطية الساعية لاقرار النظام فيها. وبذلك تأخذ اميركا باليد اليسرى ما اعطته باليد اليمنى وتخرج بمكاسب اقتصادية غير منتظرة, ألو يتفق الاميركيون على كون كلينتون انجح الرؤساء الاميركيين على الصعيد الاقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية؟
الشهور المقبلة وما تحمله من تطورات انتخابية سوف تقرر اتجاه السياسة الاميركية في منطقتنا. وهي باختصار خيار ما بين سياسة كلينتون وسياسة بوش الأب, فأي الخيارين سنواجه مطلع العام المقبل؟

  عودة الرئيسية

سيناريو الحلم وسوريالية الواقع في قصص زهير جبور

      كان كشف فرويد لآليات الحلم إضافة هامة للتراث النفسي الإنساني. فقد شرح فرويد آليات الحلم ورأى فيه مزيجاً من البقايا النهارية (أحداث النهار السابق للحلم) والأفكار العملياتية (المتعلقة بالنشاط اليومي الروتيني) ومحتويات اللاوعي من عقد طفولية ورغبات مكبوتة وغيرها.
أما عن كيفية المزج فقد حدده فرويد بما يسميه بـ:(سيناريو الحلم)، حيث يقوم الحالم بإعادة تركيب محتويات الحلم ليخرجها على شكل قصة مفهومة ومتماسكة قريبة الى الواقع، وليس الى الحقيقة، إذ أن هذه الأخيرة تبقى كامنة في اللاوعي.

هذه المقدمة ضرورية لقراءة للمجموعة القصصية الجديدة للأديب والقاص السوري زهير جبور، فمحتويات هذه القصص أشبه بمحتويات الحلم. لذلك يترك جبور لقرائه حرية بناء السيناريوهات الخاصة بهم لقصصه الحلمية. فهو يقول: ... هذه قصة غير مرتبطة بالتاريخ، وما جاء فيها من أحداث وأفكار مجرد هلوسات. ويجوز لمن يشاء أن يحذف منها ما يريد. وهي بالمناسبة تشوه بعض الحقائق فعذراً من الكتبة.
وهكذا فإن لقصص هذه المجموعة طابعاً سوريالياً بالرغم من واقعيتها القاسية والعصية على هضم الوعي. فبالرغم من حرية القارئ في اختيار السيناريو الذي يناسبه لفهم القصة فانه سيصطدم ببعض محتويات لاوعيه معروضة عليه بواقعية قاسية بعيدة عن التجميل والتحوير، وهذه المفارقة يمكنها ان تدفع ببعض القراء للهرب من قراءة هذه القصص بحجة فظاظة عرضها وبعض عباراتها، والواقع ان القاص يبدو فظاً لدرجة الوقاحة لكنها وقاحة الإصرار على ملامسة الحقيقة مهما بلغت حدة قساوتها وستر اللاوعي لها وتمويهها بالتبريرات العديدة المكثفة.

سخرية (دالية)

ولنقرأ القصة الأولى في المجموعة وفق سيناريو أقترحه من دون إنتظار ان يوافقني عليه قراء المجموعة. فقد إحتفظ لهم المؤلف بحريتهم في إختيار السيناريو الملائم لهم، فلا هو فرض عليهم سيناريو معين ولا سمح لآخرين بفرض مثل هذا السيناريو. لكن من يعرف زهير جبور يعرف بأنه يطل برأسه من خلف كل قصة ضاحكاً ضحكة مجلجلة يضمنها سخرية أشبه بسخرية سلفادور دالي وهو يعرض لوحاته تاركاً للمتأمل ان يرى فيها ما يحلو له!...

قصة المجموعة الاولى تحمل عنوان، (بنت كمكمين)، وتتضمن ملمحا اسطورياً حول الملك الذي قتل أطفال مملكته لأن العراف أخبره أن احدهم سيطيح بعرشه عندما يكبر، وهو ملمح طوره جبور لأن ملك اليوم لم يعد يكتفي بقتل الاطفال بل هو يريد تعقيم الشعوب ليمنعها من التناسل أصلاً. وعملية التعتيم هذه تجري اليوم بصور مختلفة، من زرع الارض باليورانيوم الخامد الى وضع الهورمونات والادوية المعقمة في المأكولات ولغاية هدم البيوت لحرمان الشباب من مكان يتناسلون تحت سقفه، والحجة في كل ذلك القنبلة الديموغرافية وترجمتها وجود أعداد من البشر لا حاجة لها!?

وفي القصة يبدأ التعقيم بالنساء وينتهي بتعقيم الرجال. فالمهم ألا يتناسل هذا الشعب ويتوالد، فهل يغمز جبور الى اميركا واسرائيل أم تراه يقصد السلطة بالمطلق? هل يرمز الملك كمكمين الى الملك بمفهومه السلطوي الاسطوري أم أنه يقتصر في رمزه على الملك الطاغية في سعيه لإلغاء رعاياه وإبادتهم تدريجاً?
ثم ماذا عن إبنة هذا الملك، بطلة القصة، التي تفترس النساء وتقنعهن بإلغاء غريزة الأمومة لديهن?، هل هي رمز للمرأة المسترجلة الداعية لحقوق المرأة ام للرجل المخنث المتخلي عن ذكورته، وبعدها ما هو التغيير الطارئ على بنت الملك عندما أجرت عمليات حولتها من امرأة قبيحة الى جميلة فاتنة?. وما هو مغذى تحولها عن بنات جنسها بعد إكتسابها جمال المرأة?. فاذا ما أيقظ التجميل أنوثتها فلماذا تحولت لأذى الرجال?. بل هل يقصد جبور بهذا الاذى إفتراس الانثى للذكر?. فبالرغم من سيادة العكس فإن موقف إفتراس المرأة للرجل وإغتصابه ليس نادرا!?.

المهم بعد كل شيء ان ذلك الشعب قد منع من الإنجاب سواء بتعقيم الإناث أو الذكور، فهل هذا العقم هو المسؤول عن الأوضاع المذرية لذلك الشعب?. فهل شذوذ بنت الملك هو سبب عزوف الإناث عن الزواج وتحولهن الى العنوسة?. أم هو شذوذ سياسي يرمز لتدخل عائلة الحاكم ومساهمتها في تعويق المحكومين? فهل وصل جبور للغمز من قناة زوجة ريغان التي كانت تتدخل في سياسة العالم عن طريق المنجمين والعرافين?! ام ان المؤلف يسخر من وصول بوش للسلطة لمجرد كونه إبن أبيه دون صفة او محسنة أخرى.

معارضة في فنادق (خمس نجوم)!

      بعد كل هذا هل يبقى لنا أن نقرأ قصة زهير جبور كما هي من دون سيناريو ومن دون البحث عن اما خلف اللغة فيها (Metalinguisic)? هل يحتمل ان يكون جبور قد أراد أن يحكي لنا قصة إمرأة بشعة وشاذة ذات نفوذ?. أم أن القصة تعكس صورة هوامية لإمرأة ما يكرهها في لاوعيه?. ولماذ تراه يصر على التلميح الى الدور الأنثوي في الظلم والأذى?. وهو يخلف السائد حتى في هذه الإشارة إذ غالباً ما ينظر للمرأة على أنها رمز للرقة والحنان والبعد عن العنف والاذى. وهذه المخالفة لا يمكنها أن تكون عبثية، فهي تجلب له عداوة المدافعين عن حقوق المرأة لأن طرحه يشوه صورتها?!
وقد يدافع جبور عن نفسه بأنه يعادي بنت الملك لكنه يدافع عن بقية النساء والفتيات. إلا أن هذا الدفاع لا يعطي فكرة عن واقع ما يرمي اليه القاص. فهو يتخطى الجنس والحاضر الى المستقبل. إذ يطرح جبور إشكالية إستمرارية النوع ومستقبل شعب مهدد بالفناء عن طريق العقم!?. فاذا ما تخطينا الترميز وبناء القصة الحلمي فإن هذا التهديد أصبح واقعاً يهدد شعوباً وأمماً عديدة.
لكننا لو تركنا خيارات التأويل والسيناريو جانباً وعدنا الى شخص زهير جبور لوجدناه يربط الكارثة بامرأة. فإبنة كمكمين هي معقمة النساء والرجال معاً. وهي بالتالي سبب الكوارث سواء ببشاعتها أم بجمالها. فهل لهذا علاقة بعقدة الأم فائقة القوة أم تراه الخوف من المرأة?.
مهما يكن السيناريو الذي تقرأ من خلاله هذه القصة فإن الإشارة الى معارضة الخارج هي إشارة مباشرة وموفقة. فهي فكرة الملك الذي أرسل كاتب الكتبة لتأسيس هذه المعارضة. في موقف تختلط فيه السادية والمازوشية. حيث لذة الحكم تزداد بازدياد الطامعين والمعارضين الموجودين تحت السيطرة الفعلية للملك، الذي يستمد لذة مزدوجة من خلال متعة الحكم والألم المحتمل للمعارضة.
هذا ولا يعفي جبور المعارضة من سخريته، فهي تمارس المعارضة في فنادق خمس نجوم وفي ترف تجد له الممولين، حتى لو كان الممول هو الملك نفسه. ومثل هذه المعارضة لا يركن اليها في تخليص الشعب من العقم ومن ظلم الملك وإبنته...

عزيزي القارئ لك ان تقرأ زهير جبور كما تريد ووفق الحبكة التي تختارها. ولعلك بحاجة لأن تقرأه في زمن العقم الراهن.

د. محمد احمد النابلسي

عضو الجمعية العالمية لإمراضية التعبير

الانوار في 11 شباط 2004      عودة الرئيسية