موقع الدكتور محمد احمد النابلسي

كتاب الثلاثاء الأسود كتاب النفس المغلولة كتاب يهود يكرهون انفسهم كتاب تحليل ولسون
       

لقاء مع مؤلف الكتاب النفس الأميركية المفككة.

الدكتور محمد أحمد النابلسي

مجلة الحوادث في 10 / 11 / 2003

جريدة الألف الثالث في 25 /11 /2003

     قابله اسكندر الحايك

يشكل المجتمع الأميركي مثالا مريدا على الأمة الاجتماعية، حيث قيم المحياة الإجتماعية تخلق روابط إنسانية تتعدى العرق والدين واللغة وغيرها من مقومات الأمة القومية التقليدية . فهل تمن دراسة الشخصية الأميركية من غياب هذه العوامل؟

سؤال حملناه إلى الطبيب النفسي محمد أحمد النابلسي وهو مؤلف كتاب "النفس المفككة" سيكولوجية السياسة الأمريكية الصادر عن مركز الدراسات النفس بلبنان. وكان لنا مع النابلسي الحوار التالي:

                  هل توجد شخصية أميركية حتى نخضعها للتحليل النفسي ؟.

-    النابلسي : يملك نمط الحياة الأميركية قدرة تذويبية كبيرة، بدليل نجاح هذا النمط في تطويع المهاجرين وصهرهم في المجتمع الأميركي  وهو مجتمع له طابعه الأنجلوساكسو في الغالب، وهو يستمد قيمة الأساسية من هذا الطابع.

                  أي أن الشخصية الأميركية هي أنجلو ساكسو نية في النهاية؟

-    النابلسي: السيطرة الآنجلو ساكسونية ليست خافية في المجتمع الأميركي فالرئيس الأميركي يكون آريا أنجيليا ولم يشذ عن القاعدة سوى الآري الكاثوليكي جون كندي. وتمتد هذه السيطرة إلى ميادين الأعمال ومراكز القرار، لكن هذه السيطرة لا تجعل المجتمع الأميركي انجلوساكسونيا، لأن ثلث السكان ليسوا من الجنس الآري.

                  إذا هي شخصية خليطة تعتمد قيما انجلوساكسونية؟

-    النابلسي: إنها شخصية خليطة تفرض القيم الأنجلوساكسونية على المهاجر من أجل تذويبهم، وهذا الذوبان يتم بصورة ناجزة في الجوانب المادية ، لكنه يعجز عن تذويب حياتها المعنوية للمهاجرين، ومن هنا توزع المهاجرين على جماعات الضغط العرقية والدينية واللغوية وغيرها.

                  ولكن التجربة تشير إلى ذوبان الكلي لبعض الجماعات المهاجرة في المجتمع الأميركي؟

-    من غير الممكن تجاهل عنصرية المجتمع الأميركي، فهي تولد النبذ العنصري المتبادل ، بحيث يصبح الذوبان الكلي نوعاً " التشبه بالمعتدي" وهنا يجب أن نفرق بين فئات المهاجرة متظاهرة بالذوبان ( مثل اليهود، وبين فئات  أخرى تمنعها أصولها من تحقيق هذا الذوبان، وهو منع قد يتأتى من الشكل والملامح أو من القيم الروحية. .

                  هل يعني ذلك أن اليهود هم أكثر الجماعات تكيفاً في المجتمع الأميركي؟

-    النابلسي: يحتاج التعايش إلى قدرة تكيف من طرق كما يحتاج إلى قبول الطرف الآخر( الآريون في هذه الحالة) ومثل هذا القبول يكون أسهل بالنسبة إلى اليهود الأوروبيين.

                  هل تعتبر مادلين أولبرايت مثالا على التكيف اليهودي؟ وقد خصصت لها صفحات عديدة في الكتاب ؟

-    النابلسي: نعم فقد تحول والدها من اليهودية إلى الكاثوليكية ( ثم عاد لاحقاً إلى اليهودية) وهي أخذت اسم مطلقها أولبرايت وأخفت اسم عائلتها اليهودي ( كوبل) وبقيت تنكر يهوديتها لغاية وصولها إلى وزارة الخارجية وعندها كشفت المخابرات العربية عن يهوديتها،وهي إتهمت بطرس غالي بإفشاء هذا السر. لذلك أبعدته من منصب الأمين العام للأمم المتحدة، ويعرض كتابنا لرواية غالي حول الموضوع وكتابه خمس سنوات في بيت من زجاج) كما يعرض للكتاب يتابع  سيرة حياة أولبرايت.

                  هل تأتي صفة "المفككة للشخصية الأميركية" من اختلافات التكيف والذوبان؟

-    النابلسي : لو وضعنا جانباً عامل الرخاء الجامع لكل المواطنين الأميركيين، لوجدنا أن الخلاف يطال كافة نواحي الممارسة للنشاط الإنساني ، وبمعنى آخر فإن الجماعات العرقية الأميركية هي حبيسة أصولها وهي تعيش حالة سجن حقيقية من الناحية الاجتماعية .

                    لكن التمييز العنصري ممنوع في القانون الأميركي.

-    النابلسي: نادراً ما يمارس هذا التمييز بشكل صراعي ومباشر، لكنه يمارس على شكل نبذ متبادل بين الجماعات ،وهذا النبذ يضمن تفوق الجنس الأبيض( الآري) عن طريق استبعاد الملونين، وتهميشهم، وهذا ما يتأكد خلال توزيع الثروات والمناصب والحصص الاجتماعية.

                  يشير الكتاب إلى فوضى داخلية أميركية مهددة لمستقبل أميركا، فهل هذا التهديد حقيقي؟ أم هو ينطوي على بعض المبالغة؟

-    النابلسي: لنأخذ الحالة الأميركية الراهنة ( فترة بوش الإبن منذ مطلع 2001 ولغاية الآن) حيث نجد حوادث شغب عنصري في مدينة سنسياتي الأميركية أوائل نيسان 2001 وهي قمعت بطريقة قاسية كما نجد تصاعد التيار المعادي للعولمة، داخل أميركا، لنصل إلى إضراب عمال الموانئ الأميركية، (أوكتوبر 2002)  والذي كلف أميركا ملياري دولار يوميا مروراً بالأزمات الاجتماعية  والاقتصادية وهذا كله يشير إلى حقيقة الفوضى  الداخلية الأميركية .

                  ولكن كتابكم يهمل فترة بوش إهمالا تماما؟

-    النابلسي: في رأينا الشخصي أن أميركا بوش تمر في حالة تشبه نوبات الهيذيان، والتحليل لا يتدخل في هذه الحالات لذلك وجدنا أنه من الضروري تجنب هذه الفترة، فأهملناها لتلافي الخلط بين ما هو حلمي ( أحلام) وما هو  هذياني فالحلم يقودنا إلى العقل الباطن والشخصية، في حين لا يقودنا الهذيان إلى أي مكان سوى فوضى الفكر.

        يضم الكاتب مقالات منشورة خلال فترة كلينتون وفيها تبدون تعاطفاً كبيرا مع الرئيس وهو عكس موقفكم من الرئيس الحالي،ماذا عن هذه المفارقة ؟ 

-    النابلسي: بداية فإن التحليل يحظر مبدأ التعاطف وعليه فإن علينا أن ندرك ذاتية الشخص الذي ندرسه كي نكون موضوعيين بحق،ومن خصائص كلينتون المميزة صفات يمكنها أن تجلب النجاح الأكيد لأصحابها، وهذه الصفات هي :

1-                    القدرة على التعاطف مع الآخر.

2-                    قدرة جلب تعاطف الآخر ( مكملة للأولى).

3-                    المرونة النفسية والقدرة على التعامل مع المتغيرات.

4-                    الإستقلالية ( عدم التعبئة)

وهذه الصفات لا وجود لها عند ووكر بوش، وفي رأينا  أن غيابها مؤثر في فشل بوش المتعدد الصعد.

        لكن الكتاب يتوقع أن تكون السنوات التالية لكلينتون سنوات شديدة  الصخب بالنسبة لأميركا وهذا التوقع لا علاقة له بشخصه خليقة كلينتون سواء كان بوش أو غيره.

-    النابلسي: اعتمد كلينتون سياسة إدارة الأزمات ولم يتصدى لحلها فهو كان يرى أو الوقت هو المسؤول عن حل هذه المشاكل وهو قادم ضغوط المحافظون ( من إدارة ريغان وبوش السابقتين ) لاعتماد الحلو العسكري لهذه الأزمات وبكل بساطة فقد قادم كلينتون تحويل الولايات المتحدة إلى الفاشية العسكرية، وهو ما استسلم له بوش تماما فكانت كارثة بوش الحالية .

                  خرج بوش منتصراً في أفغانستان والعراق، وهو نجح في مواجهة كوارث وأزمات عديدة فأين كارثة بوش؟

-    النابلسي: الرخاء الاقتصادي هو المادة اللاصقة التي تمنع النفس الأميركية ( الولايات المتحدة من التفكك، وبوش لم يفش فقط في التصدي للأزمة الاقتصادية بل هو تصرف بما يجعل حل هذه المشكلة مستحيلا وهنا تمكن الكارثة.

                  لنترك أميركا بوش إلى ما قبلها كيف منتم ترون إمكانية خلاص أميركا التفكك بعد كلينتون؟

-    النابلسي: لقد كان الجمهوريون محقين في إتهامهم كلينتون بأنه يفتقد لاستراتيجية واضحة وأنه مدير أزمات لكن البديل ليس التحول إلى الفاشية العسكرية، وكان كلينتون قد بدأ يستفيد من حروبه الرمزية  وكان في طريقة للتوصل إلى حلول للأزمات الأفغانية والعراقية العربية الإسرائيلية والفنزويلية وغيرها، الأهم أن كلينتون لم يدفع أي ثمن استراتيجي مقابل حل الأزمات ، وهذا لامتناع الاستراتيجي هو العقلانية التي يفتقدها محافظوا بوش الجدد.

                  عرض الكتاب لمؤلف زبيغينوبريجنسكي رقعة الشطرنج،  الكبرى، وقد عارضتم رؤية المؤلف في نواح معينة فما هي ؟

-    النابلسي: يدعو برجنسكي إلى احتواء الدول الغنية في الحزام الأوراسي،وهذه الدول تتسوط عس الدبابير  الآسيوي ( روسيا، الصين ، وإيران) واحتواءها يعني الصراع مع الدبابير .

                  ماذا عن كتاب الأب وابنه والواجب لبوب غرين؟

-    النابلسي: بوب غرين صحافي في خدمة المخابرات بجناحها المحافظ وهو يمجد الطيار الذي ألقى قنبلة هيروشيما( كان صديقا لوالده) كأنه يمهد للعودة إلى فاشية عسكرية بإيحاء من المحافظين،

                  ماذا عن خروج بطرس غالي من الأمم المتحدة؟

-    النابلسي: كانت إدارة كلينتون مدركة لصعوبة  الاحتفاظ  بعربي في هذا المنصب في زمن أزمات فلسطين ولبنان والعراق، وافغانستان ألخ لذلك تخلصت من غالي:

                  ماذا عن كتاب جورج شوروش أزمة الرأسمالية أزمة الرأسمالية العالمية؟

-    النابلسي: الكتاب منشور العام 199 وتعليقنا عليه منشور في العالم نفسه، ما ذكره شوروش وما قرأنه في كتابه تحول اليوم إلى وقائع لا يمكن نكرانها أوتجاهلها .

                  نريد بعض الأمثلة حول انتقادات شوروش وتوقعاته .

-    النابلسي : في تعليقي على الكتاب ألمحت إلى هذا المضارب يحاول أن يلبس ثوب المفكر الاقتصادي والواعظ الاجتماعي، لكنني اليوم أتراجع عن هذا التلميح لأن الكتاب يكرس مؤلفه كذلك ومن أهم ملاحظات شوروش أذكر:

1-               أن النظام الرأسمالي العالمي ( الأميركي) غير قابل للعولمة لأنه يعاني من أعطال بنيوية واجبة الإصلاح.

2-               إن تحكم البيوتات المالية الكبرى بأسعار الأسهم يجعل احتمال فساد إدارتها كارثياً بالنسبة للاقتصاد الأميركي.

3-               فساد شركات المحاسبة القانونية.

4-               أزمات الشركات الأميركية الكبرى.

5-               ضرورة إيجاد آليات قانونية لضبط هذا الفساد .

                  أخيراً هل يصر الدكتور النابلسي على قرب التفكك الأميركي؟

-    النابلسي: اعتماد على نظرية الاستقراء  المستقبلي يمكن التأكيد على أن نقطة ضعف الجبار الأميركي هي اقتصاده وكانت حوادث أيلول مناسبة تطلب تضحيات  مالية كبرى من أصدقاء أميركا وهذه التضحيات نبهت الأصدقاء إلى خطورة الارتباط بالاقتصاد الأميركي، وهذا يعني  خسارة هذا الاقتصاد لخزاناته الخارجية الاحتياطية وهذه الخسارة هي  التفسير الوحيد للفوضى الإستراتيجة الأميركية الراهنة .