موقع الدكتور محمد احمد النابلسي

التحليل السياسي

المقالات السياسية

إعادة تصدير اليهود العرب

إعادة تصدير اليهود العراقيين

 

 

إعادة تصدير اليهود العراقيين

   محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 27 / 9 / 2003

       بدأ الإنفتاح العراقي المتهالك على السوق والسماح لكل الجنسيات بالمشاركة في السوق بما يتضمن تلميحاً الترحيب باليهود في تلك السوق. وهو ما درج الكثيرون على إنكاره. بالرغم من تسرب الإسرائيليين وبضائعهم الفاسدة الى السوق العراقية بصورة لا يمكن إنكارها.

هذا الإختراق الإسرائيلي القسري للعراق يطرح السؤال عن إنتهازية فرض هذا الإنفتاح في وقت يلهث فيه العراقي وراء أمنه؟‍. كما يطرح السؤال حول دور اليهود الباقين في العراق وعددهم ستة وعشرون شخصاً فقط في تسهيل هذا الإختراق الإسرائيلي؟.

الوضع العراقي غامض وعصي على مناقشة تفاصيله فائقة التعقيد. لكن رغبة إسرائيل في إعادة تصدير اليهود العرب هي خطة مبرمجة ومعدة سلفاً. حيث تبدو عملية إعادة تصدير اليهود العراقيين مقدمة هذا التصدير. وتجنباً من للدخول في جدليات راهن الحاجات العراقية وتنابذ المؤتلفين والمحتلين فإنن نعود الى مقالة نشرتها الكفاح العربي بتاريخ: 22 / 5 / 1998 تحت عنوان:

تمهيداً لإعادة تصدير اليهود العرب /   قراءات مزوّرة لتاريخ اليهود في الوطن العربـي. واليكم النص الحرفي للمقالة:

   كان آل المزراحي آخر العائلات اليهودية الطرابلسـية الكبيرة، وكانوا يشـتغلون في التجارة ويتمتعون بقبول ونفوذ واسـعين، حتى توصل افراد هذه العائلة الى احتكار العديد من السـلع والمواد الصناعية. وفجأة تدخل العائلة في مضاربة تجارية ضارية وبدت وكأنها تحاول دفع منافسـيها الى الافلاس، فاحتكرت السـوق احتكاراً كاملاً لأكثر من شـهرين لأنها كانت تبـيع بأسـعار أدنى من أسـعار الكلفة. وفجأة أيضاً تهرب العائلة الى اسـرائيل عن طريق تركيا، ليتبـين بعد ذلك انها لم تسـدد ثمن البضائع التي باعتها نقداً، وبأنها باعت املاكها وتمكنت من تحقيق صفقة افلاس احتيالي هربت بعدها الى اسـرائيل وتمتعت بحمايتها...

  اردت ان ابدأ بهذا المثال، الذي يعرفه الطرابلسـيون المعاصرون للعائلة في السـتينيات، لأعطي فكرة عن اليهود الذين تريد اسـرائيل اعادة تصديرهم الى الدول العربـية بحجة انهم عرب وانهم لم يتركوا بلادهم الا تحت ضغط العداء لليهود ولاسـرائيل.

  لقـد نظرت اسـرائيل منذ بداياتها نظرة احتقار الى اليهود العرب وعاملتهم وكأنهم اغيار )أي غير يهود ـــ مع ما يكنه ذلك من احتقار(. فهم فقراء يتكلمون العربـية وميالون الى السـمرة، وفـوق هذا كله يحملون معهم عادات اجتماعية عربـية. وكلها صفات تجعلهم أقرب الى الأغيار. حتى ان بعض الأدباء العرب اليهود وصفوا في كتاباتهم مشـاعر الذل التي احسـوا بها بسبب هذه المعاملة. فعندما كانت العائلة اليهودية ـــ العربـية تصل الى اسـرائيل كان افرادها يعرون من ثيابهم وترش اجسـادهم بالمبـيدات الحشـرية، وهذا مثال على اسـتقبال اليهود العرب في أرض ميعادهم!

  هذا التميـيز لا يـزال قائماً وبشـدة )وان كان يمارس راهناً على الفالاشـا بصورة أكثر تركيزاً بسبب بشـرتهم السـوداء(. لذلك فإن اسـرائيل تعد من بـين حسـنات السـلام حسـنة التخلص من هؤلاء واعادتهم الى بلدانهم، خصوصاً ان توحدهم مع المعتدي )الأوروبـي والأميركي( دفعهم بالاتجاه الوحيد المتاح لهم وهو اتجاه التطرف الديني ـــ العنصري. هذا التطرف الذي سـيحولهم الى أدوات ثمينة لاسـرائيل في حال عودتهم الى بلادهم العربـية.

  وبما ان اسـرائيل متخصصة بالأسـاطير، وهي نفسـها وليدة اسـطورة، فإنها تسـعى لخلق اسـاطير خاصة باليهود العرب، وذلك عن طريق توظيف التاريخ والقراءة الانتقائية لمخطوطاته. اذ تحجب المخطوطات التي تظهر حقائق لا تناسـب المصالح الاسـرائيلية لتبرز ما هو مناسب منها ولتقرأه على طريقتها ولتوظفه لمصلحتها. ومن الطبـيعي ان تـتركز هذه الجهود في البلدان المجاورة والداخلة أسـاسـاً في اسـطورة اسـرائيل الكبرى.

  اما عن التاريخ المعاصر لليهود العرب فإن أدباءهم يتولون كتابته مع ما يمكن للأدب تقديمه من مسـاعدة على النظر الانتقائي للحقائق، بحجة الحبكة وضرورات السـرد وغيرهما.

  في المقابل، فإن كل ما يملكه القارئ العربـي عن هذه الموضوعات يقف عند حدود أقل من عشـر دراسـات اكاديمية، وبعض الكتيّـبات السـردية والمرويات الشـعبـية.

  وقد صدر أخيراً عن دار الفضيلة في مصر تحقيق لمخطوطة المقريـزي تاريخ اليهود وآثـارهم في مصر وهي، بالشـكل الذي أخرجت فيه، أقرب الى خدمة الاتجاه الاسـرائيلي منها الى تحقيق يراعي العودة الى الزمن التاريخي للمخطوطـة.

  والواقـع ان خطـورة توظيف التاريخ بهذا الشـكل تسـتأهل الوقوف عندها للاطلاع على مدى حجـم هذه الخطورة وميادينها، خصوصاً ان لا مبالاتنا في هذا المجال تدفع بعض الباحثين العرب الى اعتماد مراجع صهيونية احياناً، بحيث يسـتحيل عليهم تنقيتها من شـوائب القراءة الانتقائية المغرضة، مما يسـتدعي مناقشـة النقاط الآتية:

1 ــ اسرائيل محامي الدفاع:

  تطرح اسـرائيل نفسـها كممثلة للمصالح اليهودية العالمية، في حين تمنح حـق اللجوء اليها لليهود الفارين من وجـه العدالة في بلدان أخرى، حتى باتت ملاذاً لبعض المجرمين الدوليـين من اليهود.

  اما عن الممارسـة الفعلية لهذا الدور فقد باشـرتها اسـرائيل منذ بداية معاهدة السـلام مع مصر، حيث اثارت العديد من النـزاعات القضائية المطالبة بما تسـميه حقوق اليهود ومن بـينها ما يسـمى بـــ مقام أبو حصيرة حيث يتجمع اليهود لإحياء مولده بممارسـات تخدش حياء المجتمع المصري وتقاليده. ومن الطبـيعي ان تـتصرف اسـرائيل بالاسـلوب نفسـه مع الدول التي تقيم معها العلاقات. لذلك فهي تسـعى لايجاد سـند تاريخي لادعاءات جديدة، خصوصاً انها تملك مخطوطات محتكرة من قبلها. كما اننا نجهل محتويات غالبـية المخطوطات الموجودة بـين أيدينا وفي المكتبات العالمية، مما يتيح لإسـرائيل قراءتها خارج زمنها التاريخي. كما يتيح لإسـرائيل تدعيم أسـاطيرها التاريخية ومن بـينها الاصرار على مقولة الأرض بلا شـعب. كما يتيح لها المطالبة بحقها في اعادة تصدير اليهود العرب.

2 ــ العودة الى الزمن التاريخي:

  ان الحضارة العربـية هي حضارة متسـامحة، وقد أتاحت لليهود فرص العيـش الكريم في كنفها من دون تميـيز أو تفريـق. وقد نال العلماء اليهود في تـراثنا العربـي ما يسـتحقونه من احترام وتقديـر. ولعل الطبيب والفيلسـوف ابن ميمون خير دليل على ذلك. فقد رأس ابن ميمون الطائفة اليهودية في مصر ما بـين 1187 ـــ 1204 ـــ وهو عاصر صـلاح الديـن الأيوبـي وكان مقرباً منه. في المقابل فإن الصهيونية تـتنكر لهذا التسـامح في حضارتنا، وتجهد لاقتطاع هذه الحلقات اليهودية من تـراثـنا ـــ اسـتناداً الى مقولة تفـوق العنصر اليهودي وضرورة ابراز هذا التفوق. مثال ذلك ما فعله الكاتب الفرنسـي هيرببـيرت لوبوريه )Le Porrier. H( في كتاب نشـره في سـلسـلة إقـرأ الفرنسـية تحت عنوان طبيب قرطبة. اذ أشـار في مقدمته الى اضطراره للتصرف المحـدود بنص المخطوطة )وهي عبارة عن رسـالة يوجهها ابن ميمـون الى أحد تلامذته(. وبهذا التصرف المحـدود حاول الكاتب اقتطاع حلقة ابن ميـمون من تراثـنا والخروج به الى العالمية في ثـوب صهيوني، متنكراً لواقعة مديونية ابن ميمـون في بقاء ذكره الى التسـامح الحضاري الذي عاش فيه، وليس الى وضعية الضحية المضطهد التي حاول الكاتب ابرازه فيها.

  ان مثل هذه الواقعة تضع تسـامحنا الحضاري ـــ التراثي في مأزق، مما يجعلنا مضطريـن للتعامل بمنـتهى الحـذر والحسـاسـية مع المحطات اليهودية في تراثـنا، وكذلك مع التاريخ المعاصر لليهود العرب، حيث يجبرنا مبدأ العودة الى الزمن التاريخي على التفريق بـين مرحلة ما قبل قيام اسـرائيل وما بعدها، وحيث ترسـيخ هذا المبدأ يمر بضرورة تسـجيل الممارسـات الانفجارية المعادية للمجتمع التي مارسـتها جماعات اليهود العرب بعد قيام اسـرائيل، ومنها حكاية آل مـزراحي.

2 ــ التوظيف السـياسـي للتاريخ:

  امام آلاف التوظيفات السـياسـية الاسـرائيلية المغرضة لتاريخ اليهود العرب، نجد من الضروري التذكير ببعض اهم الدراسـات العربـية في المجال:

  أ ـــ اليهود في مصر من الفتح العربـي حتى الغـزو العثماني )قاسـم( دار الفكر 1987 .

  ب ـــ اليهود والحركة الصهيونية في مصر )غنيم وأبو كف( دار الهلال 1969 .

  ج ـــ صحافة اليهود في مصر )سـهام نصار( 1991 .

  د ـــ اليهود في مصر بـين قيام اسـرائيل والعدوان الثلاثي )عبد الحميد( 1991 .

  هـــ ـــ الحياة الاقتصادية والاجتماعية لليهود )47 ـــ 56( )عبد الحميد( 1991 .

4 ــ في مواجهة التوظيفات الخاطئة للتاريخ:

  رأينا ان الهدف الاسـرائيلي من هذا الاهتمام بتاريخ اليهود في الوطـن العربـي هو هدف متعدد الصعد، اذ يهدف الى التوطئـة لاعادة تصديـر اليهود العرب وإثارة قضايا واشـكالات قانونية تـتعلق بمصالحهم والايحاء بأنهم شـكلوا عبر التاريخ أقلية انـتروبولوجية مسـاهمة ومشـاركة في نسـج المنطقة )بما يدعم طروحات الشـرق الأوسـط وحوض المتوسـط(. هذا طبعاً بالاضافة الى اسـتغلالها التقليدي في دعم الاسـاطير المؤسـسـة لإسـرائيل نفسـها.

  والواقـع ان اثـارة هذا الموضوع تأتي متأخرة جداً، لكن هذا التأخير لا يلغي الحاجة الى اتخاذ خطوات أسـاسـية لمواجهة هذه التوظيفات الاسـرائيلية. ومن أهمها في رأيـنا:

  أ ـــ ضـرورة قيام مشـروع بـين جامعات الدول المعنية مباشـرة )على الأقل(، بمشـاركة أقسـام التاريخ واللغة الشـرقية والاجتماع، لتصويـر المخطوطات المتوافرة والاطلاع عليها ودراسـتها مع فهرسـة وأرشـفة المخطوطات التي لا تـزال بحوزتـنا.

  ب ـــ ضرورة اجراء دراسـات لسـد الثـغرات التاريخية وتحديـداً خـلال العهد العثماني وخلال بداية القرن وأيضاً بعد قيام اسـرائيل.

  ج ـــ ضرورة التصويـر الأدبـي لأشـكال معاداة اليهود العرب لمجتمعاتهم بعد قيام اسـرائيل.

  د ـــ العمل على التصدي لمحاولات اقتطاع الحلقات اليهودية من التراث العربـي والتشـديد على أن اليهود كانوا جزءاً من الأمـة ولم يكونوا أقليات انـتروبولوجية متـناثرة. ولعل خير دليل على ذلك التميـيز الذي يواجهه اليهود العرب في اسـرائيل.

الكفاح العربي في 22 / 5 / 1998 - د. محمد احمد النابلسي.

 

تمهيداً لإعادة تصدير اليهود العرب
قراءات
مزوّرة لتاريخ اليهود في الوطن العربـي.

   كان آل المزراحي آخر العائلات اليهودية الطرابلسـية الكبيرة، وكانوا يشـتغلون في التجارة ويتمتعون بقبول ونفوذ واسـعين، حتى توصل افراد هذه العائلة الى احتكار العديد من السـلع والمواد الصناعية. وفجأة تدخل العائلة في مضاربة تجارية ضارية وبدت وكأنها تحاول دفع منافسـيها الى الافلاس، فاحتكرت السـوق احتكاراً كاملاً لأكثر من شـهرين لأنها كانت تبـيع بأسـعار أدنى من أسـعار الكلفة. وفجأة أيضاً تهرب العائلة الى اسـرائيل عن طريق تركيا، ليتبـين بعد ذلك انها لم تسـدد ثمن البضائع التي باعتها نقداً، وبأنها باعت املاكها وتمكنت من تحقيق صفقة افلاس احتيالي هربت بعدها الى اسـرائيل وتمتعت بحمايتها...

  اردت ان ابدأ بهذا المثال، الذي يعرفه الطرابلسـيون المعاصرون للعائلة في السـتينيات، لأعطي فكرة عن اليهود الذين تريد اسـرائيل اعادة تصديرهم الى الدول العربـية بحجة انهم عرب وانهم لم يتركوا بلادهم الا تحت ضغط العداء لليهود ولاسـرائيل.

  لقـد نظرت اسـرائيل منذ بداياتها نظرة احتقار الى اليهود العرب وعاملتهم وكأنهم اغيار )أي غير يهود ـــ مع ما يكنه ذلك من احتقار(. فهم فقراء يتكلمون العربـية وميالون الى السـمرة، وفـوق هذا كله يحملون معهم عادات اجتماعية عربـية. وكلها صفات تجعلهم أقرب الى الأغيار. حتى ان بعض الأدباء العرب اليهود وصفوا في كتاباتهم مشـاعر الذل التي احسـوا بها بسبب هذه المعاملة. فعندما كانت العائلة اليهودية ـــ العربـية تصل الى اسـرائيل كان افرادها يعرون من ثيابهم وترش

جسـادهم بالمبـيدات الحشـرية، وهذا مثال على اسـتقبال اليهود العرب في أرض ميعادهم!

  هذا التميـيز لا يـزال قائماً وبشـدة )وان كان يمارس راهناً على الفالاشـا بصورة أكثر تركيزاً بسبب بشـرتهم السـوداء(. لذلك فإن اسـرائيل تعد من بـين حسـنات السـلام حسـنة التخلص من هؤلاء واعادتهم الى بلدانهم، خصوصاً ان توحدهم مع المعتدي )الأوروبـي والأميركي( دفعهم بالاتجاه الوحيد المتاح لهم وهو اتجاه التطرف الديني ـــ العنصري. هذا التطرف الذي سـيحولهم الى أدوات ثمينة لاسـرائيل في حال عودتهم الى بلادهم العربـية.

  وبما ان اسـرائيل متخصصة بالأسـاطير، وهي نفسـها وليدة اسـطورة، فإنها تسـعى لخلق اسـاطير خاصة باليهود العرب، وذلك عن طريق توظيف التاريخ والقراءة الانتقائية لمخطوطاته. اذ تحجب المخطوطات التي تظهر حقائق لا تناسـب المصالح الاسـرائيلية لتبرز ما هو مناسب منها ولتقرأه على طريقتها ولتوظفه لمصلحتها. ومن الطبـيعي ان تـتركز هذه الجهود في البلدان المجاورة والداخلة أسـاسـاً في اسـطورة اسـرائيل الكبرى.

  اما عن التاريخ المعاصر لليهود العرب فإن أدباءهم يتولون كتابته مع ما يمكن للأدب تقديمه من مسـاعدة على النظر الانتقائي للحقائق، بحجة الحبكة وضرورات السـرد وغيرهما.

 في المقابل، فإن كل ما يملكه القارئ العربـي عن هذه الموضوعات يقف عند حدود أقل من عشـر دراسـات اكاديمية، وبعض الكتيّـبات السـردية والمرويات الشـعبـية.

  وقد صدر أخيراً عن دار الفضيلة في مصر تحقيق لمخطوطة المقريـزي تاريخ اليهود وآثـارهم في مصر وهي، بالشـكل الذي أخرجت فيه، أقرب الى خدمة الاتجاه الاسـرائيلي منها الى تحقيق يراعي العودة الى الزمن التاريخي للمخطوطـة.

  والواقـع ان خطـورة توظيف التاريخ بهذا الشـكل تسـتأهل الوقوف عندها للاطلاع على مدى حجـم هذه الخطورة وميادينها، خصوصاً ان لا مبالاتنا في هذا المجال تدفع بعض الباحثين العرب الى اعتماد مراجع صهيونية احياناً، بحيث يسـتحيل عليهم تنقيتها من شـوائب القراءة الانتقائية المغرضة، مما يسـتدعي مناقشـة النقاط الآتية:

1 ــ اسرائيل محامي الدفاع:

  تطرح اسـرائيل نفسـها كممثلة للمصالح اليهودية العالمية، في حين تمنح حـق اللجوء اليها لليهود الفارين من وجـه العدالة في بلدان أخرى، حتى باتت ملاذاً لبعض المجرمين الدوليـين من اليهود.

  اما عن الممارسـة الفعلية لهذا الدور فقد باشـرتها اسـرائيل منذ بداية معاهدة السـلام مع مصر، حيث اثارت العديد من النـزاعات القضائية المطالبة بما تسـميه حقوق اليهود ومن بـينها ما يسـمى بـــ مقام أبو حصيرة حيث يتجمع اليهود لإحياء مولده بممارسـات تخدش حياء المجتمع المصري وتقاليده. ومن الطبـيعي ان تـتصرف اسـرائيل بالاسـلوب نفسـه مع الدول التي تقيم معها العلاقات. لذلك فهي تسـعى لايجاد سـند تاريخي لادعاءات جديدة، خصوصاً انها تملك مخطوطات محتكرة من قبلها. كما اننا نجهل محتويات غالبـية المخطوطات الموجودة بـين أيدينا وفي المكتبات العالمية، مما يتيح لإسـرائيل قراءتها خارج زمنها التاريخي. كما يتيح لإسـرائيل تدعيم أسـاطيرها التاريخية ومن بـينها الاصرار على مقولة الأرض بلا شـعب. كما يتيح لها المطالبة بحقها في اعادة تصدير اليهود العرب.

2 ــ العودة الى الزمن التاريخي:

  ان الحضارة العربـية هي حضارة متسـامحة، وقد أتاحت لليهود فرص العيـش الكريم في كنفها من دون تميـيز أو تفريـق. وقد نال العلماء اليهود في تـراثنا العربـي ما يسـتحقونه من احترام وتقديـر. ولعل الطبيب والفيلسـوف ابن ميمون خير دليل على ذلك. فقد رأس ابن ميمون الطائفة اليهودية في مصر ما بـين 1187 ـــ 1204 ـــ وهو عاصر صـلاح الديـن الأيوبـي وكان مقرباً منه. في المقابل فإن الصهيونية تـتنكر لهذا التسـامح في حضارتنا، وتجهد لاقتطاع هذه الحلقات اليهودية من تـراثـنا ـــ اسـتناداً الى مقولة تفـوق العنصر اليهودي وضرورة ابراز هذا التفوق. مثال ذلك ما فعله الكاتب الفرنسـي هيرببـيرت لوبوريه )Le Porrier. H( في كتاب نشـره في سـلسـلة إقـرأ الفرنسـية تحت عنوان طبيب قرطبة. اذ أشـار في مقدمته الى اضطراره للتصرف المحـدود بنص المخطوطة )وهي عبارة عن رسـالة يوجهها ابن ميمـون الى أحد تلامذته(. وبهذا التصرف المحـدود حاول الكاتب اقتطاع حلقة ابن ميـمون من تراثـنا والخروج به الى العالمية في ثـوب صهيوني، متنكراً لواقعة مديونية ابن ميمـون في بقاء ذكره الى التسـامح الحضاري الذي عاش فيه، وليس الى وضعية الضحية المضطهد التي حاول الكاتب ابرازه فيها.

  ان مثل هذه الواقعة تضع تسـامحنا الحضاري ـــ التراثي في مأزق، مما يجعلنا مضطريـن للتعامل بمنـتهى الحـذر والحسـاسـية مع المحطات اليهودية في تراثـنا، وكذلك مع التاريخ المعاصر لليهود العرب، حيث يجبرنا مبدأ العودة الى الزمن التاريخي على التفريق بـين مرحلة ما قبل قيام اسـرائيل وما بعدها، وحيث ترسـيخ هذا المبدأ يمر بضرورة تسـجيل الممارسـات الانفجارية المعادية للمجتمع التي مارسـتها جماعات اليهود العرب بعد قيام اسـرائيل، ومنها حكاية آل مـزراحي.

2 ــ التوظيف السـياسـي للتاريخ:

  امام آلاف التوظيفات السـياسـية الاسـرائيلية المغرضة لتاريخ اليهود العرب، نجد من الضروري التذكير ببعض اهم الدراسـات العربـية في المجال:

  أ ـــ اليهود في مصر من الفتح العربـي حتى الغـزو العثماني )قاسـم( دار الفكر 1987 .

  ب ـــ اليهود والحركة الصهيونية في مصر )غنيم وأبو كف( دار الهلال 1969 .

  ج ـــ صحافة اليهود في مصر )سـهام نصار( 1991 .

  د ـــ اليهود في مصر بـين قيام اسـرائيل والعدوان الثلاثي )عبد الحميد( 1991 .

  هـــ ـــ الحياة الاقتصادية والاجتماعية لليهود )47 ـــ 56( )عبد الحميد( 1991 .

4 ــ في مواجهة التوظيفات الخاطئة للتاريخ:

رأينا ان الهدف الاسـرائيلي من هذا الاهتمام بتاريخ اليهود في الوطـن العربـي هو هدف متعدد الصعد، اذ يهدف الى التوطئـة لاعادة تصديـر اليهود العرب وإثارة قضايا واشـكالات قانونية تـتعلق بمصالحهم والايحاء بأنهم شـكلوا عبر التاريخ أقلية انـتروبولوجية مسـاهمة ومشـاركة في نسـج المنطقة )بما يدعم طروحات الشـرق الأوسـط وحوض المتوسـط(. هذا طبعاً بالاضافة الى اسـتغلالها التقليدي في دعم الاسـاطير المؤسـسـة لإسـرائيل نفسـها.

  والواقـع ان اثـارة هذا الموضوع تأتي متأخرة جداً، لكن هذا التأخير لا يلغي الحاجة الى اتخاذ خطوات أسـاسـية لمواجهة هذه التوظيفات الاسـرائيلية. ومن أهمها في رأيـنا:

  أ ـــ ضـرورة قيام مشـروع بـين جامعات الدول المعنية مباشـرة )على الأقل(، بمشـاركة أقسـام التاريخ واللغة الشـرقية والاجتماع، لتصويـر المخطوطات المتوافرة والاطلاع عليها ودراسـتها مع فهرسـة وأرشـفة المخطوطات التي لا تـزال بحوزتـنا.

  ب ـــ ضرورة اجراء دراسـات لسـد الثـغرات التاريخية وتحديـداً خـلال العهد العثماني وخلال بداية القرن وأيضاً بعد قيام اسـرائيل.

  ج ـــ ضرورة التصويـر الأدبـي لأشـكال معاداة اليهود العرب لمجتمعاتهم بعد قيام اسـرائيل.

  د ـــ العمل على التصدي لمحاولات اقتطاع الحلقات اليهودية من التراث العربـي والتشـديد على أن اليهود كانوا جزءاً من الأمـة ولم يكونوا أقليات انـتروبولوجية متـناثرة. ولعل خير دليل على ذلك التميـيز الذي يواجهه اليهود العرب في اسـرائيل.

الكفاح العربي في 22 / 5 / 1998 - د. محمد احمد النابلسي.