موقع الدكتور محمد احمد النابلسي
 
قراقوش...قرابوش عين الصاحب سيكولوجية النيران الصديقة
  حين يستيقظ الاوربيون  

قراقوش ... قرا- بوش

 الكفاح العربي في 5 / 11 / 2003 محمد احمد النابلسي

       إبتلي المصريون بالحاكم الجائر قراقوش الذي إشتهر بلامعقولية أحكامه وطرافتها وأذاها. وهو دخل التاريخ والتراث المصري من باب السخرية اللاذعة بقدراته الفكرية والسياسية. وهو الباب ذاته الذي دخل منه الرئيس جورج ووكر بوش. الذي يستحق بجدارة لقب قرابوش. لقد حكم بوش على اميركا بخوض حروب متتالية ضد العالم ومنظماته وشعوبه. وبدأها من النقاط الأضعف وأهمل النقاط الأصعب. فجر بلاده الى مأزق لن يكون الخلاص منه بسهولة الدخول فيه. حيث كان إحتلال العراق سهلاً والبقاء فيه عسيراً. لكن الأمور لا تجري بالسهولة ذاتها في بلدان مثل كوريا الشمالية والصين وروسيا...الخ. وقرابوش يعنيها جميعها في احكامه العدوانية.

بعد احتلال العراق أصبح قرابوش قادراً على إصدار أحكامه الخائبة في ذلك البلد. ولنا أن نتوقع بعضها بناء على سلوك قرابوش العراقي. حيث من المنتظر أن يصدر هذا الحاكم الأحكام التالية بعد تطبيقه الفعلي لها:

  1. يحظر على العراقيين استهلاك النفط العراقي وعليهم شراء حاجاتهم النفطية عن طريق الشركات النفطية الأميركية.
  2. يحظر على العراقيين تناول أية وجبة سريعة ما لم تكن معدة في مطعم يملك إمتيازاً أميركياً. وعليه يمنع قرابوش أكل الفلافل والبيتزا وما شابه...
  3. يحظر على العراقيين إقامة الإحتفالات التي لم يسمع بها قرابوش من قبل. وذلك تحت طائلة إعدام المحتفلين في حفلات الختان والأعراس وغيرها....
  4. يحظر على العراقيين السير على مقربة من الجنود الاميركيين ومقراتهم تحت طائلة الإعدام....
  5. يحظر على العراقيين التظاهر مهما كانت الأسباب تحت طائلة الإعدام...
  6. يحظر على العراقيين المطالبة بحقوقهم أو برواتبهم أو بحقوق أطفالهم أو تراثهم أو عروبتهم أو إنتمائهم أو بغيرها من الحقوق تحت طائلة الإعدام...
  7. يحظر على العراقيين إظهار اي تعاطف مع جيرانهم وجوارهم وفي ما بينهم...
  8. يحظر على العراقيين ممارسة أية أجواء تراثية أو فولكلورية يمكنها التذكير بخصوصياتهم الثقافية والحضارية. وذلك تحت طائلة محاكمتهم كإرهابيين....
  9. يحظر على العراقيين تناقل أية أخبار تتعلق بجرائم قرابوش أو بخسائره في بلدهم. وذلك تحت طائل المحاكمة بحسب أهمية الأخبار....
  10. يحظر على العراقيين الإحتجاج على مجلس المعارضة المتأمركة وطرح أية بدائل عملية له. وذلك تحت طائل العقاب الجماعي...
  11. يحظر على العراقيين إغلاق أبواب غرف نومهم في وجه الجنود الأميركيين. تحت طائلة الإعدام الميداني...
  12. يحظر على العراقيين مجرد التفكير في الدفاع عن أرضهم أو عرضهم أو مثلهم تحت طائلة الإعدام لمجرد الإشتباه...
  13. يحظر على العراقيين المطالبة بأية رقابة على أموال بلدهم المنهوبة....
  14. يحظر على العراقيين التطلع الى أية مساعدة عربية أو إسلامية ما لم تمر عبر قنوات قرابوش....
  15. يحظر على العراقيين التعاطي مع مرجعياتهم الزمنية والروحية مهما كانت تحت طائلة اتهامهم بمعاداة قرابوش....
  16. يحظر على العراقيين الإعتراض على الإستغلال والنهب الإسرائيلي لبلدهم تحت طائل إتهامهم بمعاداة السامية ومباديء قرابوش...
  17. يحظر على العراقيين محاولة الإدلاء بأية معلومات تدحض الإدعاءات والشائعات الأميركية وتفضحها...
  18. يحظر على العراقيين تخطي خلافاتهم الداخلية والإلتقاء على معاناتهم في ظل حكم قرابوش...
  19. يحظر على العراقيين إستعمال الكتب المدرسية القديمة تحت طائل إتهامهم بالولاء لنظام صدام حسين....
  20. يحظر على العراقيين إرسال أطفالهم الى مدارسهم قبل إتمام أمركة منهاجها الدراسية...
  21. يحظر على العراقيين الإلتفاف حول أية زعامة أو شخصية عراقية تحت طائل إعتقال هذه الشخصية أو إغتيالها...
  22. يحظر على العراقيين المطالبة بكماليات مثل الماء والكهرباء وإمتلاك وسائل إتصال حديثة وذلك تحت قهر الإفقار وضغوطه...
  23. يحظر على العراقيين إعاقة عمل الكلاب الأميركية في تفتيش النساء العراقيات.
  24. يحظر على العراقيين إتخاذ أية خطوة جامعة عبر عرقية أو دينية أو مذهبية من شأنها إعاقة القدرة الأميركية على إشعال الفتن الداخلية العراقية.
  25. يحظر على دول الجوار العراقي بذل أي جهد وقائي للفتنة الداخلية العراقية. وذلك تحت طائل إتهام هذه الدول بدعم الإرهاب.
  26. تعتبر المقاومة العراقية أحد فروع الارهاب الرئيسية. وهي في طريقها للإعلان من قبل قرابوش كبؤرة عالمية للإرهاب.

        مشكلة قرابوش أنه لا يتمتع باطلاقية حكم قراقوش الأصلي. فهو بحاجة لإستجداء ناخبيه المضطهدين بأحكامه حتى يعيدوا إنتخابه. والمواطن الأميركي لم يعد يتحمل جرعات التخويف البوشية من الإرهاب. إذ أفقده هذا الخوف مشاعر الأمان ونعمة الرخاء وزيادة العجز الإقتصادي المهدد لمستقبل الفرد الأميركي ولنمط حياته. لذلك يريد هذا المواطن الهرب من أحكام قرابوش وظلمه وإستقوائه بالإرهاب. مما يفسر تراجع شعبية قرابوش الى ما دون النسبة التي أوصلته للحكم في الانتخابات الماضية. وهي نسبة مشكوك بصدقيتها. فهل يحرق قرابوش بلداً آخر في مكان ما من هذا العالم كي يعيد الخوف الى قلب مواطنيه.

للإنصاف فقط نذكر أن عارفي قراقوش ينقلون عنه خفة الدم ويؤكد عارفو بوش على ثقل دمه. وهو فارق يستدعي الإنتباه في هذه المقارنة.

 

عــــين الصـــاحب

محمد احمد النابلسي – الكفاح العربي في 24 / 10 / 2003

        لو حاولنا تحديد مسؤولية قصف مخيم عين الصاحب, شمال دمشق, لوجدنا ان المرشح ويسلي كلارك هو المسؤول عنها, فقد ركز هذا المرشح الجنرال على عبثية حرب بوش على العراق وعلى كذب ذرائعها. فكان بذلك عامل ضغط اساسي في دفع بوش للعمل على تضمين تقرير كاي حول الاسلحة العراقية فقرة خاصة بسوريا. وهذه الفقرة هي تكرار لشائعة اطلقها شارون ابان حرب العراق, اذ صرح في حينه عن ملكيته لمعلومات غير مؤكدة عن تهريب الاسلحة العراقية الى سوريا, وها هو التقرير يكرر شائعة شارون. هذه الفقرة اتاحت لبوش الالتفاف على كذبة الاسلحة العراقية بتأكيده وجودها ولو في سوريا. لكن هذا الهرب الى الامام وضع بوش في مأزق جديد, فكيف يمكن التعامل مع سوريا في حال استقبالها الاسلحة العراقية؟.
    الورطة الاميركية في العراق تجعل التفكير ممنوعاً في اي تصعيد مع سوريا, فالكونغرس لن يسمح بتكرار المهزلة العراقية على يد بوش نفسه وهو في آخر سنيه الرئاسية مجرد بطة عرجاء. عداك عن فقدان الانسجام في الفريق الرئاسي وعودة كولن باول الى صدارة هذا الفريق. كما ان هذا التقرير يوسع شقة الخلاف بين الادارة وبين وكالة المخابرات, التي تحملت مسؤولية تحريف معلوماتها عن تسليح العراق لكنها لن تكرر ذلك مرة جديدة وفي الاتجاه السوري!.
في هذه الاجواء اصبح من المناسب اعطاء شارون فرصة يستعيد فيها صورة الضبع التي بنى زعامته على اساسها, خصوصاً ان رضى شارون مطلوب في الانتخابات الاميركية المقبلة, ذلك ان ضربة شارونية من نوع مخيم «عين الصاحب» تنقذ بوش من حرج البحث عن وسيلة مناسبة للتعامل مع سوريا بناء على فقرة تقرير كاي. كما ان هذه الضربة تساعد شارون على تكريس هروبه من خريطة الطريق ومن اوسلو ومن وعد انهاء الانتفاضة خلال مائة يوم. وذلك بعد ان سربت اوساطه امكانية استقالته المفاجئة. وهو تسريب من نوع مساومة بوش على الصوت اليهودي في الانتخابات المقبلة. حيث استقالة شارون تعفيه من وعوده الانتخابية تجاه بوش. وبما ان هذا الاخير قرر تركيز قدرات ادارته لهدف تجديد انتخابه فإنه رأى في السماح بضرب عين الصاحب انقاذاً لجانب مهم من حملته المقبلة.
    ان ما يفعله بوش اليوم اخطر من هياجه الهوسي لحظة تسلمه الرئاسة الاميركية! وهو اكثر جنوناً من قرارات ما بعد 11 ايلول
/سبتمبر. فهو يريد البقاء في الرئاسة بأي ثمن كان, حتى لو كان ذلك على حساب اهمال تحول العراق الى فيتنام عربية. فالرئيس بوش لا يبالي بذلك لو خرج من الرئاسة, بل هو يريد ترك العراق هدية مفخخة لأي رئيس قد يحل مكانه في البيت الابيض. وعلى ضوء هذا الركود الاستراتيجي قدم بوش هدية «عين الصاحب» لشارون لابقائه حصاناً يراهن عليه لكسب الصوت اليهودي!؟
           ان القراءة الاسترجاعية للظروف الممهدة لضربة عين الصاحب تبين لنا سلسلة من التسهيلات الاميركية الممهدة لهذا الاعتداء الاسرائيلي. حيث رأينا عودة مفاجئة لتقرير طرح قانون محاسبة سوريا. ومعها استقدام عون لتقديم شهادة معادية لسوريا في احد مستودعات لجان الكونغرس. ثم جاء التعليق المفاجئ لمحادثات تبادل الاسرى
(الالمانية) بين حزب الله وحكومة شارون. ومعها تسريب خبر يوحي بأن هذا التعليق يرتبط بتدخل سوري على خط حزب الله, ومعه خبر آخر حول ضغوط مصرية وعرفاتية لعدم الاستجابة الاسرائيلية لاطلاق مروان البرغوثي, في مقابل اصرار حزب الله على ذلك. كما تبين القراءة الاسترجاعية وجود ضغوط اميركية على الاتحاد الاوروبي للتعجيل في اعلان حماس والجهاد منظمات ارهابية. وبذلك تم وضع سوريا في دائرة الضوء الاعلامية للحرب على الارهاب. بما يعادل تمهيد الطريق امام اعتداء شارون على «عين الصاحب». وهو اعتداء انقذه من ضعف موقفه التفاوضي في قضية الاسرى, كما من عجزه امام الانتفاضة وعملياتها الاستشهادية, ولكن ماذا جنت كل هذه الاطراف من الاعتداء على سوريا؟
     السكوت السوري يتحول دائماً الى صمت رهيب, وهو حول ضربة شارون الى التسخيف ووضعها في اطارها الموضوعي, ولا شك ان اسرائيل وأميركا كانتا اكثر زهواً وارتياحاً لو تجاوزت سوريا سكوتها عن هذا الحل الذي لا يخرج عن اطار التحركات الصبيانية الساذجة للهروب من الاختناق الاسرائيلي الداخلي. وأيضاً من رعب بوش من خسارة انتخاباته. حتى امكن القول ان هذه الضربة اعطت اثراً عكسياً للأثر المرجو منها. فإذا ما اخذنا الهوس المشترك بين بوش وشارون امكننا توقع محاولات تصعيد اسرائيلية جديدة, وهذا ما بدأ عملياً من الجانب الاميركي الذي بدأ يطرح اشكاليات تتعلق بالداخل السوري, متناسياً عجز المخابرات الاميركية عن اختراق الداخل العراقي المحتل. لكن بوش لا يستطيع التخلي عن احادية تفكيره وشارون يجهد لاستغلال هذه الآحادية, وبذلك يتجاهل الاثنان امكانات الحصانة السورية, حيث السكوت لا يعني العجز وحيث آليات الدفاع في المجتمع السوري عصية على الاختراق ولامبالية تماماً بتهديدات الحصار الاميركي. فقد ورث النظام السوري تركة تتضمن قدرات الاكتفاء الذاتي, ومعها حنكة عدم الهرولة في اي اتجاه كان ومهما كانت المغريات. وهي امور تبقي سوريا عامل توازن رئيسياً في المنطقة. وهو دور قد يؤهلها لتكون ناخباً مهماً في الانتخابات الاميركية المقبلة.

سيكولوجية النيران الصديقة والانتحار.

محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 12 / 11 / 2003

حوادث الإنتحار والنيران الصديقة من الحوادث المألوفة خلال الحروب، ويحدد الطب النفسي العسكري أسباب هذه الحوادث كما التالي :

1-               شدائد الحرب: حيث، يمتزج إرهاق الحرب مع اضطراب نمط الحياة اليومية مواعيد الأكل والنوم والعادات اليومية الأخرى).

2-               الانفعالات الشديدة وفي مقدمتها الخوف على أنواعه ومشاعر الفقدان ( القتلى من رفاق الحرب) والحنين إلى الحياة العادية.

3-      التصفيات القصدية: وهي من نوع القتل العمد الذي يتم بدوافع انتقامية أو بسبب سرعة الاستثارة والغضب أو غيرها، والتي يتم الالتفاف عليها باعتبارها خطا.

4-               الاعدامات الميدانية : التي تنفذ لأسباب مختلفة وتدرج تحت عنوان النيران الصديقة.

5-      الوفيات المكتومة: وهي تفسر وقوع القتلى على أنه نتيجة حادثة أو نيران صديقة، ويتم اللجوء إليها في حال وقوع عدد كبير من القتلى أكثر من المتوقع أو في حال وقوع ضباط كبار أو شخصيات هامة قتلى .

إلا أن حوادث الإنتحار والنيران الصديقة في حرب العراق تبدو مختلفة عنها في بقية الحروب. فكثافة هذه الحوادث حولتها إلى ظاهرة بارزة في الحرب الأميركية على العراق، حتى أن قتلى النيران الصديقة والحوادث يكاد يساوي عدد قتلى الحرب، وفي هذا مبالغة  واضحة خاصة في ظل التكتم الأميركي على الأعداد الحقيقية للقتلى من الحلفاء والعراقيين.

ومتابعة الأنباء المتوافرة حول ظاهرة الانتحار والنيران الصديقة، في الحرب العراقية تبين لنا وجود أسباب إضافية لهذه الظاهرة حيث نلاحظ.

1-      إدمان الكحول وتعاطيه أثناء القتال، وجدت زجاجات ويسكي فارغة في الطائرات والعربات الأميركية، حيث من الطبيعي أن يزداد احتمال الخطأ عندما يكون المقاتل في حالة السكر.

2-      إدمان المخدرات على أنواعها ثم عقاب عدد من الضباط الأميركيين لاتجارهم بهذه المواد، كما أنه من المعروف أن تعاطي المخدرات شائع بين الشباب الأميركي ولا يستثني الجنود منهم، وهؤلاء يقاتلون وهم تحت تأثير المخدر بما يدعم تكرار حوادث النيران الصديقة.

3-      جهد القيادة الأميركية لإخفاء أكبر عدد ممكن من القتلى الحرب،وذلك بسبب حساسية الأميركيين على الضحايا البشرية لعدم رغبتهم بتكرار التجربة الفيتنامية .

4-      عدم جهوزية الجنود الأميركيين للقتال في العراق حيث تتداخل الظروف المناخية مع الحرب العصابات مع الجهل التام بثقافة البلد ألخ من الظروف المهددة للجندي الأميركي وهي تجعله في حالة خوف دائم وإرهاق نفسي ، الأمر الذي يدفعه للاستعجال في إطلاق النار لمجر شعوره الذاتي بالخطر.

5-      عدوانية المحيط العراقي، حيث دفع العراقيون ثمنا باهظا للحرب الأميركية على بلادهم وهو ثمن راهن ومعيش تهون أمامه الذكريات الصدمية للنظام السابق.

6-               الإرهاق الناجم عن عدم تبديل الفرق الأميركية المقاتلة وبقاءها في ساحة القتال مدة أكبر من قدرتها على الاحتمال.

7-      تصاعد المقاومة العراقية وتنامي انتظامها وقيامها بعمليات يومية مع ملكيتها لإمدادات كافية من الأسلحة اللازمة لحرب العصابات التي تخوضها.

8-               الفوضى الأمنية الخارجة على السيطرة الأميركية.

9-               نقص التنسيق بين القوات الأميركية وأصدقائها في العراق.

10-     الصراعات على المغانم حيث سجلت عمليات فساد واسعة في الجيش الأميركي بدءا من سرقة البيوت لغاية سرقة الآثار، مرورا بتجارة المخدرات وغيرها من مظاهر الفساد وهذه العمليات الفاسدة تتخللها عادة الصراعات والتصفيات الجسدية.

11-           حوادث التميز العنصري والطبقي بين الجنود الأميركيين وبخاصة التمييز على المقاتلين رغبة في الحصول على الجنسية الأميركية.

12-           الجنود المتورطين في أعمال المافيا والتجسس لجهات غير أميركية داخل العراق وهم عرضة للقتل والتصنيف في فئة النيران الصديقة.

هذه الخصائص المميزة للنيران الأميركية الصديقة ولحالات الانتحار تؤكد أن الوجود العسكري الأميركي في العراق هو وجود مهتز، إذ تعتريه كل آفات الشيزوفرانيا الأميركية ،وهي التي يعالجها الرخاء في الداخل الأميركي. لكنها تفتقد للعلاج وتعاود الانتكاس في حالة غياب الرخاء كما يحدث في العراق وهنالك تتفجر التناقضات الأميركية بصورة صارخة  وهي قد تصل إلى حدود القتل القصدي بين الجنود الأميركيين بدوافع هذه التناقضات التي نكتفي بذكر الظاهر والمعلن منها:

1-               أن نسبة 20% من المقاتلين في الجيش الأميركي ليسوا أمريكيين .

2-               أن غالبية الجنود الأميركيين في العراق ينتمون إلى الطبقات الأميركية الفقيرة.

3-      أن الجيش  الأميركي لا يملك عقيدة قتالية تدفعه للتضحية بحياته لأجلها،وهذا ما تبينه مقابلات ال CNN  مع الجنود الأميركيين والتي تم منعها لاحقا.

4-               علاقة أنماط وأنواع فساد الجنود بانتماءاتهم العرقية والطبقية وبقية التناقضات الأميركية .

      أما عن سبب اللحمة في الجيش الأميركي بغياب الرخاء فهو سبب وحيد هو الخوف من الموت ومن التواجد في العراق في وضعية تهديد للحياة من الدرجة الأولى. وهي وضعية تكاد تخرج على السيطرة مع التطور النوعي لعمليات المقاومة العراقية. والتي بلغت حدود قصف مقرات القيادة الأميركية ومقر نائب وزير الدفاع وولفويتز. مما يفقد القيادة قدرة تقنين مخاوف وانفعالات جنودها.

     وهذه الوقائع يجب أن تثبت للأميركيين أنهم  يملكون جيشاً مؤذياً ومدمراً لكنهم لا يملكون بحال جيشا مقاتلاً وليس أدل على ذلك من محاولات بوش المستميتة للهروب من العراق. ولو بثمن طلب الغوث الاسرائيلي ودفع ثمنه المستحيل. فشراكة اسرائيل في الورطة الاميركية تحول الولايات المتحدة من دولة عظمى الى رئيسة عصابة دولية تتحكم فيها اسرائيل وتفرض الإتاوات على العالم عبر القوة الاميركية.

حين يستيقظ الأوروبيون

محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 19 / 11 / 2003

    حالة التململ الاوروبي من السلوك الاسرائيلي قديمة, وربما هي تعود الى الفترة التالية مباشرة للحرب العالمية الثانية والسابقة حتى لقيام اسرائيل, فقد تم ابتزاز الدول الاوروبية عن طريق الهولوكوست, وصدرت قوانين تربط الهولوكوست بمعاداة السامية, في حين يعرف الاوروبيون ان مواطنة اليهود لم تكن كاملة في اي دولة اوروبية.

وربما كانت المانيا وفرنسا اكثر الدول الاوروبية المتضررة من ابتزاز الهولوكوست حيث دفعت المانيا تعويضات هائلة لاسرائيل, وحيث بدت فرنسا ملزمة اخلاقياً بسداد حصتها من اتجار اسرائيل بالهولوكوست.

ومع سقوط جدار برلين بدأ التململ الاوروبي يتحول الى السخط. اذ ترافق سقوط الشيوعية مع بروز يهود الدول الاشتراكية السابقة. مما يؤكد النفوذ اليهودي ­ الاوروبي. وهو المدعوم اسرائيلياً وأميركياً.
وربما كانت النمسا اولى الدول الاوروبية التي مارست سخطها على اسرائيل بانتخابها للزعيم القومي هايدر. وكان هذا الانتخاب اختباراً صعباً لا للنمسا ولأوروبا معها, فقد اضطر الاتحاد الاوروبي لمخالفة ميثاقه وتجاوزه للتدخل في شأن داخلي لاحدى دوله, واضطر النمسويون للتراجع بضغوط اميركية ­ اسرائيلية.

وعلى الرغم من التجاهل الرسمي والاعلامي لهذه الواقعة فإنها رسخت شعوراً أوروبياً عاماً بأن ديمقراطية اوروبا لا تختلف عن ديمقراطيات تشيليليندي وغيرها من ديمقراطيات العالم الثالث, حيث الرؤية والمصالح الأميركية لهما حق النقض الفيتو على الارادة الشعبية وعلى اتجاهات الرأي العام, وهذا الشعور يفسر صعود اليمين المتطرف في انحاء اوروبا, من فرنسالوبان وحتى ايطاليابرلسكوني, هكذا وصل سخط الرأي العام الاوروبي مداه ليتفجر بمناسبة الحرب الاميركية على العراق. وفيها دور اسرائيل كحليف استراتيجي اوحد لأميركا. والوجه الآخر لهذا الدور هو المشاركة الاسرائيلية العلنية في الحرب الاقتصادية التي تشنها اميركا على الاتحاد الاوروبي, وهذه الشراكة تفسر تساوي اميركا وإسرائيل بالحصول على 53 من آراء الاوروبيين ممن اعتبروا الدولتين مهددتين للسلام العالمي, واللافت في النتائج هو زيادة تقدير الخطر الاميركي ­ الاسرائيلي في البلدان التي تشهد نشاطاً يمينياً. ومنها هولندا التي قدر مواطنوها تهديد اسرائيل للسلام بنسبة 88 وكذلك في البلدان المتجهة يمينياً. ان مثل هذه النتائج لا تقع في نطاق المفاجأة لأن المواطن الاوروبي يدفع ثمن السلوك العشوائي الاميركي ويدرك تهديد هذا السلوك لمستقبل بلاده واقتصادها. إلا ان جديد الاستفتاء هو قدرته على ابراز بعض المواقف السياسية غير المتشكلة, او التي هي في طريقها للتشكيل على صورة افكار ومواقف سياسية واضحة وهي:

1.­ تقدم اميركا وإسرائيل في رأس قائمة الدول المهددة للسلام العالمي اي الدول الارهابية, وتليها ايران والدول الاخرى في لائحة اميركا.

2.­ ان حرب بوش ضد الارهاب هي مجرد صراع على استعراض قدرات الاذى الاميركي.
3­ ان توظيف اسرائيل للحفاظ على اجواء الحرب في المنطقة هو اعلان اميركي ­ اسرائيلي مشترك عن الشراكة في الارهاب.

4.­ ان مواقف الاتحاد الاوروبي غير منسجمة تماماً مع توجهات الرأي العام, وهذا ما بدا واضحاً عبر تظاهرات بريطانيا واسبانيا وإيطاليا المعارضة لمشاركة تلك البلدان في الحرب على العراق.
5­ ان عبثية حروب بوش ولا جدواها تهدد الاقتصاد والاستقرار العالميين دون ان تقدم اي مبررات موضوعية لهذه العبثية.

6.­ الاستهتار الاسرائيلي بالرأي العام الاوروبي, وذلك انطلاقاً من القاعدة اليهودية النمطية, القائمة على صداقة القوي واحتقار الاقل قوة وابتزازهم.

7.­ ان مواقف الزعماء شيراك وشرويدر هي مواقف شعبية. وذلك على عكس مواقف بلير وازنار وغيرهم من موالي اميركا.

8.­ ان اليمين الاوروبي اكثر موضوعية من اليمين الاميركي. فالأول يساوي بين اميركا وإسرائيل في الخطورة, في حين ان الثاني يرى ان اسرائيل توظف اميركا لتحقيق مكاسب على حساب الاميركيين.
9­ ان المبالغة اليهودية المعتادة قد وصلت في اوروبا الى مرحلة تستفز غالبية الرأي العام الاوروبي.
10­ بداية ميل اسرائيل لاهمال عمليات تسويق سياساتها في اوروبا. ومعها اهمال تجميل صورة اليهود في اوروبا.

11.­ ظهور النتائج العملية لكتابات المفكرين الاوروبيين الناقدين للسلوك الاسرائيلي في الشرق الاوسط وفي اوروبا, وتضاف اليها كتابات المفكرين غير الاوروبيين ممن ينشرون كتبهم ومقالاتهم في اوروبا.
12­ بروز الطموح الاسرائيلي لاحتلال مكانة عالمية منافسة لأوروبا, وهو طموح لا يملك اي مقومات موضوعية سوى تطوع اسرائيل لخدمة السيد الاميركي في حربه الاقتصادية ضد اوروبا.
لكن هذا الاستفتاء يطرح علينا اسئلة قاسية ومنها ان بعض الدول العربية عاجزة عن اظهار وعي مماثل للوعي الاوروبي, فلو اعدنا طرح اسئلة هذا الاستفتاء في تلك الدول فإننا سنفاجأ باختفاء اميركا وإسرائيل من قائمة الدول المهددة للسلام العالمي. او اقله حصولها على نسب ادنى كثيراً من النسب الاوروبية!
أليس مستغرباً ان تكون الشعوب المتعرضة للعدوان والحروب والتهديدات اقل وعياً لخطر اسرائيل وأميركا من الشعوب الاوروبية الآمنة؟