شارون والسقوط الأخير  طهرانية بوش وكاثوليكية كيري  حـرة... وتأكـل بثدييهـا
   رؤيتي من أجل أميركا أفضل   

 

                                               شارون والسقوط الأخير
محمد أحمد النابلسي / الكفاح العربي  10 / 3 / 2004

    إدارة بوش ليست بعيدة عن تفجير الفضائح المتتالية في وجه رئيس وزراء إسرائيل شارون، الذي استغل منصبه بصورة مخالفة لمصالح التوجهات غير العادية لبوش وفريقه. على أي حال فإن شارون مدين لبوش في بقائه بمنصبه لغاية  الآن وذلك لانشغال بوش بمشروعه الشرق أوسطي بحلقاته الأفغانية والعراقية والفوضى الجغرافية السياسية النابعة منهما، وقام شارون بدو شايلوك اليهودي بأمانة منقطعة  النظير، فهو التقى بوش تكرارا وبين له قدراته على تقديم الخدمات لبوش  ولمشروعه ، ولم يشعر بوش بحاجته إلى شارون بقدر شعوره بها غداة الحرب العراقية، ففي حينه كانت إسرائيل الحليف الاستراتيجي الوحيد لأميركا بوش وهذا يصب في خانة حسنات شارون الأميركية. في المقابل طلب شارون إثمانا باهظة لخدماته، عداك عن قائمة الإحراجات التي  تسبب بها لأميركا وهي في عمق ورطتها العراقية ،ومن هذا المواقف نذكر الآتية:

1-               تسريب الأنباء عن الدور العسكري الإسرائيلي  في حرب العراق.

2-                الإعلان عن الوجود الاقتصادي اليهودي في العراق. .

3-               التعجل في الإعلان عن إعادة تشغيل خط الأنابيب العراقية في مصفاة حيفا.

4-               تصريحه بملكية معلومات عن نقل الأسلحة العراقية إلى سوريا.

5-      قدرته على تحقيق مصالح إسرائيلية  ومكاسب كبيرة جعلت اليمين الأميركي المتطرف يتهم بوش بخدمة إسرائيل على حساب أميركا.

6-               اعتراض شارون المحرج على خريطة الطريق بما جعلها غير قابلة للتنفيذ ، ومثلها تقرير ميتشيل ومشروع تينيت.

7-      معارضته القاسية لمصطلح بوش القائل بأن إسرائيل هي دولة يهودية ، وهو مصطلح أطلقه الرئيس الأميركي في قمة شرم الشيخ.

8-      دفعة بمسئولي السياسة الخارجية الأميركية باتجاه دعم اتفاقية جينيف ، هربا من رفض شارون لاقتراحات أي تسوية مع الفلسطينيين وهي التي تتحول إلى حاجلة أميركية تزداد إلحاحا بتصاعد المقاومة العراقية.

9-               إمداده لإدارة بوش بمعلومات مورطة بسبب انعدام دقتها.

10-    بدء شارون باعتماد سياسة المماطلة  وكأنه ينتظر نهاية بوش بعد انشغاله بانتخابات خاسرة، ومن هذه المماطلة مشروع شارون للإنسحاب الآحادي الجانب المقرون بمشروع جدار الفصل.

11-    إصرار شارون على استبدال المبدأ الجمهوري، بوش خصوصا، باعتبار إسرائيل تابعا وليس شريكا، وتحالفه مع اليمين الدين المعارض بحدة لهذه المبدأ.

12-    الإلحاح على المعونات الأميركية لاقتصاد الانتفاضة الإسرائيلي فيحين يعاني الاقتصاد الأميركي أزمته الكبرى. هذا ويعود الموقف الأميركي من شارون لأسباب عقائدية ذلك أن الطائفة الطهرانية، التي ينتمي إليها بوش تدعم إسرائيل التوراتية  من دون حدود ومن هنا تسميتها بالمسيحية الصهيونية) لكنها في المقابل تسعى للخلاص من يهود أميركا بتصديرهم إلى إسرائيل. ومن هنا  حساسية شارون من اليمين الديني اليهودي أمام مصطلح الدولة اليهودية الذي يعادل رغبة بوش بتسريع تصدير اليهود الأميركيين إلى إسرائيل .

إضافة إلى الوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة  ، يقلص وظيفة إسرائيل لغاية إلغائها، وهذا تحديدا سبب تفضيل بوش لشيمون بيريز ، فهذا الأخير يملك مشروعا لتكامل إسرائيل في شرق أوسط أميركي جديد، وذلك على عكس شارون والأصوليين اليهودي الدائرين في فلكه.لقد كان رفض شارون وتهربه من التحالف مع حزب العمل، بيريز، تحديدا ، سبا من أسباب الغضب الأميركي على شارون ، ولتوضيح الفارق بين شارون وبيريز نعود إلى الحلول المقترحة من كليهما بصرف الأنظار عن تعقيدات  الموقف العراقي، ومنها موقف القانون الدولي من أعضاء تحالف الحرب العراقية وبريطانيا خصوصا ، وهي دول  معرضة للمساء له القانونية  وكونها موقعه على اتفاقية المحكمة  الجنائية الدولية، بهذا الخصوص قام شارون باختراع مسرحية الجدار الفاصل وطرحه في المحاكم الدولية من قبل الفلسطينيين، لإلهاء هذه المحاكم عن حلفاء بوش، أما بيريز فهو مستعد لبحث العودة إلى طاولة المفاوضات مع طرح مشروعات مؤسسات إقليمية جديدة، أو تعديل القديمة حيث اقترح بيريز ضم إسرائيل إلى جامعة الدول العربية ؟ وبالتالي فهو متكامل مع مشروع إلغاء طابع المنطقة الثقافي الحضاري واستبداله بطابع مؤسساتي جديد يلغي هذا الطابع، كما أن بيريز يوافق بحماسة منقطعة النظير  على حلول مثل اتفاقية  جنيف ومثل هذه التوجهات تعطي الشرعية لاحتلال العراق وتزيل جذريا  احتمالات تعرض الحلفاء للمساءلة القانونية الدولية، وخصوصا بعد أن تمكنت الولايات المتحدة من إصابة جامعة الدول العربية في مقتل وذلك عبر تمرد قائمة من الدول العربية عليها، وأيضا عبر الإعلان الأميركي عن عجز هذه الجامعة وانعدام فاعليتها. لقد أغدق شارون الوعود على بوش بخصوص أصوات اليهود الأميركيين اللوبي الصهيوني لكن الوضع الراهن يدفع  بشارون للتخلي عن هذه الوعود، بما يحاوله ناخبا معاديا لمعركة بوش المقبلة، ويبدو أن الإضرار التي ألحقها بوش بإسرائيل شارون كبيرة، بحيث يصدق القول بنجاح بوش ف يجعل أميركا تفقد أصدقاءها بمن فيهم إسرائيل نفسها. 

قد يكون تهالك بوش على حرب العراق سبب إهماله للاستبدال المبكر لشارون والمجيء  ببيريز مكانه، لكنه كان خطأ كبيرا، وهو مرشح لجعل بوش يفقد انتخابه المقبلة، إلا أن الفضيحة الأخيرة لشارون مع تننباوم) تشير إلى احتمال تخصيص بوش لجهود خاصة من أجل الخلاص من شارون وإخراجه من منصبه قبل الانتخابات الأميركية، فلو نجح بوش في ذلك  فإنه سيحصل على بديل جيد لشارون السيئ فصعود اليسار الإسرائيلي  في هذه الفترة سيدعم التجديد لبوش، وهو سيمنحه نسبة جيدة من أصوات اليهود الأميركيين ،ويبدو أن سقوط شارون بات وشيكا، فالجيش الأميركي موجود في منطقة، وهو وجود يلغي الكثير من حاجات أميركا لإسرائيل.

عودة الى عناوين المقالة الاسبوعية

                                            طهرانية بوش وكاثوليكية كيري
محمد أحمد النابلسي / الكفاح العربي 5 / 3 / 2004

 اجتاز جورج ووكر بوش الصعوبة الأولى على طريق إعادة انتخابه فقد استطاع حزبه الجمهوري التأثير في خيارات خصمه الديمقراطي. إذ تم استبعاد المرشحين الأقوياء، وخصوصا ويسلي كلارك وهوارد دين لمصلحة الديمقراطي الأضعف جون كيري. وتم هذا الاستبعاد بوسائل ضغط متعددة منها تقنين التمويل والتوجيه الدعائي غير المباشر والتدخل المخابراتي وغيرها من وسائل الضغط ، التي أوصلت كيري للترشيح عن الحزب الديمقراطي.  نقاط ضعف كيري كثيرة تمكن بوش من منافسته بسهولة نسبية. وذلك رغم استعدادات الديمقراطيين للانتخابات المقبلة. ومن نقاط ضعف كيري كونه كاثوليكيا حيث لم يسبق للأميركيين انتخاب كاثوليكي باستثناء جون كينيدي . وهذا الأخير فاز بفارق ضئيل من الأصوات وقضى اغتيالاً قبل إتمام ولايته، وهذا يظهر مدى الإعاقة التي يشكلها مذهب الرئيس.  وهذه المذهبية تشهد تصاعدا مهما في عهد بوش المنتمي إلى المذهب البروتستانتي الطهراني. وهو الأكثر خلافا مع الكاثوليكية من بين البروتستانت. وصحيح أن كاثوليكية كيري تجذب أصوات اللوبي الكاثوليكي ( الأميركي اللاتيني خصوصا) وأن ترشيحه هو بمنزلة الاعتذار الديموقراطي عن اختيار  اليهودي لييبرمان نائبا للمرشح آل غور، وهذا يعني استرداد أصوات الكاثوليك والأميركيين اللاتيني التي فقدها آل غور. ولكن الصحيح أيضا هو أن كيري سيخسر النسبة الكبرى من أصوات اليهود التي نالها آل غور. وهذا سيحسن نصيب بوش من هذه الأصوات. وبالإضافة إلى العائق المذهبي فإن كيري يعاني بعض المشكلات الخاصة التي يمكن أن تتحول إلى فضائح خلال الانتخابات ، إذ إن لكيري بعض المغامرات  خارج فراش الزوجية. إضافة إلى مفاجآت أخرى تلمح إليها الصحافة اليمينية الأميركية.   

أما على الصعيد الوطني فإن كيري من مقاتلي حرب فيتنام المعارضين لتلك الحرب. وبالتالي فإنه بعيد عن الهالة العسكرية التي يتمتع بها الجنرال ويسلي كلارك الذي خاض حرب كوسوفو وربحها دون أن تعلن حرباً. ودون أن تحتاج إلى موافقة مجلس الأمن أو حتى الكونغرس. وهو أمطر يوغوسلافيا بمخزون الذخيرة الأميركي على حساب الاتحاد الأوروبي. مما أنعش صناعة الأسلحة الأميركية من دون تحميل الخزينة الأميركية أية أعباء. وبعد قصف كوسوفوا رفض كلارك أي إنزال بري للجنود الأميركيين. مما اضطر الفرنسيين لإنزال جنودهم  هناك لتعجيل نهاية الحرب والتخلص من أعبائها المالية. وبذلك كان يمكن لكلارك أن يحاكم بوش وصقوره بتهمة عدم الاختصاص وتوريط أميركا في الحرب العراقية. وهو ما بدأه كلارك منذ شباط ( فبراير ) 2003 عندما سخر من صقور بوش بقوله أن هؤلاء المتحمسين للحرب لم يشاركوا بأي معركة في حياتهم بل هم هربوا من الخدمة العسكرية ( تلميح لهروب بوش منها). كما شكك كلارك في حينه بكل المعلومات التي اتخذتها إدارة بوش ذرائع لحرب العراق، بما في ذلك تشكيكه بوجود أسلحة دمار شامل عراقية. وبذلك يمكننا أن نتصور مستوى المنافسة الذي يمثله كلارك، وأن نفهم حماسة الجمهوريين لإبعاده عن طريق بوش. كالعادة يسخر ساكن البيت الأبيض، الراغب بالتجديد، مكتبه البيضاوي لخدمة إعادة انتخابه (وهو فساد معترف به ومشرع أميركياً). ولهذا المكتب قدرته المميزة سواء لجهة الضغط أو المعلومات أو التمويل أو التحكم في قوى الضغط / اللوبي. وبهذه القدرات يبدو كيري خارج المنافسة إذا ما استمرت الأوضاع على حالها الراهنة. لكنها استمرارية مستحيلة إذ أن تورط بوش من استمطار العدوات يجعل جهات خارجية عديدة تصر على التدخل كناخب مهم في الانتخابات المقبلة. بما يذكرنا بالدور الإيراني في إسقاط كارتر وإنجاح ريغان عبر ورقة الرهائن الأميركيين في طهران. ومن الجهات الخارجية من يدعم بوش ويمول حملته بمبالغ ضخمة لا يحلم بها كيري. ومنها من يبذل المستحيل لإسقاط بوش، وهو في وضع فائق الهشاشة على الرغم من مظاهر القوة المحيطة به. فالاقتصاد الأميركي لا يحتمل اثنين أسود جديد في بورصاتة. ومثل هذا الاثنين  يسقط بوش لو جاء بعد عملية واحدة كبيرة في العراق خلال تلك الفترة. بحيث يمكن لزعيم عشيرة عراقي أن يقرر، ابتداء من نهاية آب أغسطس المقبل، ما إذا كان بوش سيبقى في البيت الأبيض أم سيخرج منه!.

إذ يكفي أن يقرر هذا الزعيم ضرب بعضا أنابيب النفط أو ضرب تجمع عسكري أميركي يوقع خسائر تتجاوز المائة قتيل أو تنفيذ عملية اغتيال ضد شخصية أميركية موجودة في العراق ليكون في أحد هذه القرارات إيذان بإخراج  بوش عنوة من البيت الأبيض.

نحن لا نبالغ بهذه الأمثلة فقد سبق للأميركيين أن خرجوا من الصومال بقرار عشائري، وهم خرجوا من لبنان بعملية انتحارية واحدة. كما أنهم يختبئون في قاعدتهم باغرام في أفغانستان ولا يجرؤون على مغادرتها.

هذه الهشاشة الأميركية هي مسؤولية بوش وفريقه. فلو قدر لها الظهور واضحة أمام الناخب الأميركي فإنها ستودي ببوش وتلقيه خارج البيت الأبيض. أما لو تمكن بوش من كبت هذه المظاهر وإخفائها فإنه سيعود للرئاسة بفارق أصوات كبيرة يعوضه  ذل خسارته للصوت الشعبي في الانتخابات السابقة. وهي التي أوصلته للبيت الأبيض وسط شكوك واستهجان واتهامات الصحافة الأميركية له بالتزوير وبالغباء.

يبقى أن ننتظر تعاقب الأحداث لأن هذه الانتخابات هي أكثر الانتخابات تأثراً بالناخب الخارجي في تاريخ الولايات المتحدة. وكما أشرنا أعلاه فإن هذا الناخب يمكنه أن يكون فرداً. أولم يشن السيد بوش حروبه ضد الأفراد بثمن سقوط عشرات ألوف الضحايا المدنيين الأبرياء؟!. لقد أغدق شارون الوعود على بوش بخصوص أصوات اليهود الأميركيين/ اللوبي الصهيوني لكن الوضع الراهن يدفع بشارون للتخلي عن هذه الوعود. بما يحوله الى ناخب معاد لمعركة بوش المقبلة. ويبدوا أن الأضرار التي ألحقها بوش بإسرائيل شارون كبيرة، بحيث يصدق القول بنجاح بوش في جعل أميركا تفقد أصدقاء بمن فيهم إسرائيل نفسها.          

عودة الى عناوين المقالة الاسبوعية

                                                             حـرة... وتأكـل بثدييهـا
محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 17 اذار 2004

       بعد تفجيرات الخميس ( 11 / 3 / 2004 ) إختفت برامج الإثارة والتسلية من التلفزيون الأسباني مع إستبدالها بمتابعات إخبارية لأخبار الضحايا. وهذا الإهتمام ذكرني بفترة إقامتي في فرنسا عندما كان لها مخطوفين في لبنان. حيث كانت نشرة الأخبار الفرنسية تبدأ كالتالي: مضى كذا يوم وكذا ساعة على خطف الفرنسيين في لبنان... بالتداعي وبالمقارنة نجد أن كوارثنا العربية الراهنة تذهب بآلاف الضحايا دون أن تفكر تلفزيوناتنا بالإقتصاد في إسفاف الإثارة في ستار اكاديمي ومعادلاته. أو على الأقل بأن توفر علينا بعضاً من وقاحة قائمة طويلة من المذيعين الذين يخلطون بين الجرأة وبين الوقاحة. مع ذلك يحسب لهذه التلفزيونات أنها وضعت لنفسها بعض الحدود المطاطة فأبعدت قائمة من المذيعين والمذيعات ممن هم فوق طاقة الإحتمال بالنسبة للمشاهد الطبيعي. وأعترف أني لم أكتشف هذه الحسنة في تلفزيوناتنا إلا من فترة قريبة. وتحديداً عندما ظهر وجه ،قدرنا غيابه وتغييب وقاحته، على إحدى الفضائيات العربية وظهر هذا الوجه طبعاً أوقح مما عهدناه. لكن هذه الحسنات المميزة لتلفزيوناتنا برزت بصورة سامية مع إطلاق فضائية الحرة أميركياً. إذ صعقتنا هذه الفضائية بوجوه نسيناها وتصورنا أنها وجدت لنفسها عملاً يريحها ويريحنا من عدائها لمجتمعها ومن ساديتها في التعاطي مع المشاهد وتحديها لعقله وذكائه. وبما أن هذه الصفات مطلوبة أميركياً فقد أوقظ حملتها من جحورهم ليمارسوا كراهيتهم لذاتهم ولبلادهم ومجتمعاتهم. ويبدو أن الحرة تقيم مباريات لإختيار الأكثر عداء لمجتمعهم والأكثر وقاحة في إعلان هذا العداء. ممارسات الحرة متنوعة ومؤسسة لحملة تزمير وتطبيل جديدة لتسويق هذه النوعيات وتقديمها على الإعلاميين المهنيين. ففي حين تناضل صحافتنا المكتوبة للبقاء ،ومعها كتابها، تنهال العروض السخية على مذيعين يملكون صفات لا علاقة لها بصفة الإعلامي المهني. فالمهم هو الدخول في بيت الطاعة الأميركي وإستدراج آخرين الى هذه الطاعة. والحرة في ثقافتنا لا تأكل بثدييها لذلك فإننا لن نقتنع يوماً بهذه الحرة وهي تأكل بثدييها وبثديي صديقتها إسبانيا وربما أثداء صديقاتها الأخرى لاحقاً !؟. إلا أن هذه الحرة لا تخلو بدورها من حسنات. فمذيعيها يبدون كوميديين أمام الشخصيات التي يستضيفونها. فغالبية هذه الشخصيات مشاركة ،بصورة أو بأخرى، في المشروع الأميركي في المنطقة. لكنهم أصحاب خبرة تجعلهم يقتصدون في إعلان ساديتهم وخروجهم على أصولهم. وهي خبرة لم يكتسبها بعد مذيعو الحرة !؟. الأمر الذي يسبب الإحراج وربما الفضيحة لضيوف الحرة بمن فيهم الأكثر تأمركاً. قد لا يكون الذنب مقتصراً على المذيع فمسؤول الحرة السيد موفق حرب ينحو هذا المنحى في مقابلاته مع الفضائيات العربية. وربما كان لشخصيته الكاريزمية ( ؟!) أثرها الإيحائي على هؤلاء الأتباع بإعتباره مثالهم الأعلى. الأهم أن الأميركيين يريدون إبراز الإعلاميين ولو كانوا مجرد مذيعين يقرأون ما يكتب لهم ويملى عليهم. وتأكدت هذه الإرادة الأميركية بنفي جهة مقربة من البيت الأبيض لنبأ إعتبار أحمد الجلبي رجل بوش في المنطقة. مع تسريب هذه الجهة لإسم موفق حرب بديلاً للجلبي في هذه المهمة. لكن تسريبات أخرى أشارت الى طموحات شبيهة لدى قائمة من العرب الأميركيين و/ أو المتأمركين. وعلى رأسهم  الناطق بإسم الخارجية الأميركية في العراق السيد نبيل خوري وتطول القائمة. فأصدقاء آل بوش من العرب كثيرون أكثر مما يتوقع البعض. وبعضهم يباهي فيعرض خدماته لتسهيل الإتصالات وربما للوساطة. بعد هذه الحرة لن نكون أحراراً في سماع الآراء التي نعتبرها صادرة عن نوايا حسنة. فالحرة ستغيب هذه الأصوات لصالح التطبيل والتزمير لأصحاب النوايا الأسوأ والأكثر سوءاً. لذلك نقول بأن قراءة كتاب فرانسيس ساوندرز ( مسؤولة سابقة في المخابرات الأميركية) المعنون "من يدفع للمزمرين / المخابرات في سوق الثقافة " خاصة وأنه ترجم الى العربية. وهو يتطابق تماماً مع توجهات الحرة ومع إشهار الحاقدين على أنفسهم ودفعهم لواجهة الشهرة. وذلك بحيث تبدو الحرة ، وراديو سوا من قبلها، وكأنه بحث الولايات المتحدة المفلسة في دفاترها القديمة. وهو بحث لا يقصر التزمير على الحرة أو على الإعلام الأميركي لوحده بل يتعداه الى كافة وسائل الإعلام المتاحة. سواء بضغط على القيمين عليها أو بإختراق بعض العاملين فيها. فلم يعد يسمح للجزيرة مثلاً بإستضافة شخصيات بعينها تحت طائلة إعتيار إستضلفتها فعلاً معادياً لأميركا. بما يفسر غياب وجوه عديدة عن شاشة الجزيرة وبقية الشاشات العربية الخاصة. هذه الفضائية الحرة تعكس بصورة جديدة الجهل الأميركي التام لثقافة المنطقة. فبدايتها فاشلة بكل المقاييس. وحسبها أنها أقلعت مع الهامشيين والمرذولين فبدت كمأوى الأحداث المنحرفين لتخسر فرصة الإنطباع الأول وهي فرصة يتيمة. كما تبدو أميركا بعيدة عن الإستفادة من التجارب السابقة. فقد أغلقت إسرائيل فضائيتها العربية معترفة بفشلها. وأيضاً فشلت اميركا في تخليق قرضاي عراقي بسبب إعتمادها على الهامشيين والمرذولين. وهي قد تجد لنفسها التبرير بأن هؤلاء وحدهم هم المقبلون على التعاون معها. أقله بصورة ظهور علني على شاشة هدفها إهانة ثقافة المنطقة والنيل منها. بقية من إحترام لأميركا تجعلنا نشك بقدرتها على تقليد الوحشية الإسرائيلية. وهذه البقية لا علاقة لها براهن العدوان والتهديد الأميركي للمنطقة وشعوبها. فالباقي من إحترام أميركا يتعلق بتاريخها في الحريات الذي أصابته الإدارة الحالية بأعطاب مميتة. وهذا الشك بمستوى العدوانية الأميركية المحتملة هو الذي يدعونا لتذكير أميركا بمأزق إسرائيل مع المقاومة اللبنانية ومن ثم الإسلامية ومع الإنتفاضة وغيرها من المآزق التي لم تنفع معها وحشية إسرائيل. فهل تريد الولايات المتحدة تعريض سياستها الى مزيد من المواجهات الصعبة ؟. وهل إكتفت إدارة بوش من رفع درجة العداء لأميركا حتى اللون الأحمر بسبب رعونة سياساتها ؟. أم أنها تريد المتابعة حتى النهاية؟. إن ما بقي من قوة ونفوذ وقليل من الإحترام يسمح لأميركا بإقفال قناتها الحرة وقنواتها السياسية المرذولة مع إيجاد صيغ مناسبة لذلك. أما المتابعة حتى النهاية فهي قد تعني فقدانها لهذه البقية الباقية من إحترامها وإهراق ماء وجهها. والحديث موجه لهذه الإدارة لأنها باقية في البيت الأبيض بقاء لم يضمنه ستالين من قبل. كماعبر أساليب وضغوط لم تخطر ببال هذا الأخير...

 عودة الى عناوين المقالة الاسبوعية

عنوان الكتاب: نداء الخدمة/ رؤيتي من أجل أميركا أفضل 

تأليف :جون كيري

     ماذا يمكن لمنافس بوش أن يقدم للناخب الأميركي كي يعزز حظوظه في منافسة بوش الذي يبدو مسيطراً ومتحكماً مسبقاً بنتائج الإنتخابات؟. الجواب يعرضه كتاب أصدره المرشح الديمقراطي جون كيري. وهو وسيلته للتعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي وبالخطوط العريضة لسياساته الداخلية والخارجية التي سوف يتبعها اذا ما انتخب رئيساً. وهو يبدأ بتقديم التبرير لطموحه الرئاسي. في شرح دوافعه لترشيح نفسه مدعمة بعرض للأسباب الشخصية والعامة الداعمة لرغبة الترشيح هذه. وإقتناع الناخب بهذه الدوافع هو مفتاح قبول أو رفض الناخب لهذا المرشح أو ذاك فهل كان كيري مقنعاً في كتابه؟.

يركز كيري في هذا المجال على دوره في حرب فيتينام. حيث شارك كيري فيها وجرح اكثر من مرة. وهي مشاركة تحرج بوش الذي استغل نفوذ والده لكي يتهرب من الخدمة في فيتنام. وهذه المقارنة طرحت نقاشات عديدة حولها في اميركا وهي لا تزال دائرة حتى الآن. وبوش المحرج يحاول ان يبرر موقفه دون ان يكون مقنعاً. فهو لا يستطيع ان ينكر الحقيقة التالية: وهي ان منافسه كيري هو احد ابطال حرب فيتنام. وهي حقيقة مزعجة لبوش وكيري يركز على هذه النقطة لكي يحرجه اكثر فأكثر. فمرشح الحزب الديمقراطي يريد ان يقنع الآخرين بأن من دافع عن اميركا في حرب فيتنام يستطيع ان يدافع عنها في اية حرب مقبلة. على عكس بوش الذي لا يمكن الوثوق به لكونه حاول التهرب من الخدمة العسكرية هناك.

كما يعيب كيري على بوش اشياء كثيرة في سياسته الداخلية والخارجية. فعلى صعيد السياسة الداخلية يرى كيري أن بوش قد عمل وعلى مدار اربع سنوات لصالح طبقة الأثرياء الأميركيين على حساب الطبقات الفقيرة. فالسياسة الاجتماعية، والتربوية، والصحية، والاقتصادية المعتمدة من قبل بوش كانت كلها تخدم المصالح الرأسمالية وأصحاب الشركات الأميركية الكبرى. وهو طرح يخاطب الناخب الديمقراطي التقليدي الذي تفاقمت مشاكله المعيشية وتراجع رخاءه في ظل سياسات بوش الداخلية.

كما ينتقد جون كيري النظام التعليمي الاميركي ويدعو الى اصلاحه. وأيضاً هو يدعو لاصلاح نظام الصحة الاميركي لكي يشمل الطبقات الفقيرة التي لا تستطيع ان تتداوى بشكل جيد فالغني هو وحده الذي يستطيع الاستفادة من هذا النظام الصحي الجائر.

الأهم أن الكتاب يطرح البرامج البديلة لبرامج بوش. كما يتطرق الى موضوع البيئة ( بعد إنسحاب الخضر من تأييد رالف نادر وبقاءهم بدون مرشح) فيرض لبرنامج الديمقراطيين فيما يخص تحسين احوال البيئة وخفض التلوث الزائد عن الحد وبخاصة في المدن الصناعية الكبرى. وقد اصبح هذا التلوث يشكل خطرا على صحة الناس في كل مكان وأصبح يؤدي الى اضطرابات في المناخ الكوني العالمي، والشيء الذي يؤدي الى حصول الكوارث الطبيعية من حرائق وفيضانات وسواها. وبهذه المناسبة ينتقد كيري بشدة رفض بوش التوقيع على معاهدة كيوتو الهادفة الى حماية البيئة من الغازات الملوثة. ومعلوم ان رؤساء العالم اجتمعوا في كيوتو قبل بضع سنوات واتفقوا على خفض بث الغازات من مصانعهم.ووافق كلينتون في اواخر ايامه على الاتفاقية ولكن بوش المنتخب حديثا رفضها باعتبار انها تضر بمصالح المصانع والشركات الاميركية!.

وقد اغضب قراربوش هذا قادة اوروبا الكبار من امثال شيراك، وشرويدر، وسواهما، واعتبروا موقفه لا مسئولا بل استبداديا، فهو يريد ان يستخدم قوة اميركا العظمى لفرض أوامره على العالم. انه نوع من الاستفراد غير المقبول بشؤون العالم.

أما على صعيد السياسة الخارجية فإن طروحات الكتاب لا تقدم جديداً. وبالتالي فإنها لا تخرج كيري من إطار الخلاف التقليدي في رؤية الحزبين للعلاقة مع الخارج.

ففي الفصل الثاني من الكتاب يناقش كيري موضوع: " التحديات التي تواجهنا من اجل حماية اميركا وتعزيز قيمها ومصالحها في شتى انحاء العالم". وفيه يحاول كيري تقديم تقرير إدانة لبوش فيطرح تشخيصاً عاماً للحالة الاميركية في ظل السياسة الخارجية المغامرة لمنافسه بوش. وهو يوزع إنتقاداته لسياسة بوش الخارجية على المواضيع الخارجية المفصلية وهي : العولمة والعلاقة مع الحلفاء والمنظمات الدولية والحرب على الإرهاب وقضية الشرق الأوسط ونشر الديمقراطية.

بالنسبة الى العولمة التي تقودها اميركا حالياً فإن لكيري رؤية لجعل هذه العولمة اكثر عدالة بالنسبة لتوزيع الثروة داخل اميركا وخارجها. فمن الواضح ان السياسة التي يتبعها بوش ظالمة أكثر من اللزوم ورأسمالية بشكل لا يطاق. وهذه الرؤية مرتبطة لدى المؤلف بموضوع الديمقراطية. إذ يتساءل كيري: كيف يمكن ان ننعش الديمقراطية وحس المواطنية المدنية في المجتمع الاميركي نفسه بعد ان صادر بوش الكثير من الحريات بحجة محاربة الارهاب؟.

ويتابع كيري حول محاربة الإرهاب وموضوع الشرق الاوسط وقضية التطرف فيقول: ان الرئيس بوش يريد ان يهزم الارهاب بدون ان يقتلع الاسباب التي تغذيه او الظروف التي تؤدي اليه.

ونحن نقول (كيري) ما يلي: نحن سوف نهزم الارهاب ونهزم اسبابه وبواعثه في آن معاً. فاذا ما نظرنا الى العالم العربي الممتد من الغرب الاقصى الى منطقة الشرق الاوسط والعراق وجدنا انه يعيش ظروفا صعبة جدا وغير طبيعية على الاطلاق وهذه الظروف هي التي تولد الحركات المتطرفة. وبهذا يبدي كيري نوعاً آخر من الجهل بثقافة المنطقة. وهو جهل من نوع جديد يمكنه خلق وتوليد ممارسات أميركية جديدة معادية للمنطقة ولشعوبها. حيث يتابع كيري قائلا: بحسب علمي فإنه لا توجد انظمة ديمقراطية في العالم العربي من اقصاه الى اقصاه لاريب في ان الاردن، والمغرب، وقطر، قد حققت بعض التقدم مؤخرا على طريق الحرية والديمقراطية. ولكن معظم الدول الاخرى لا تزال تخضع لانظمة متشددة او قسرية الطابع. فما هي اسباب ذلك يا ترى؟. وهذه الإشارة تبطن إعتماد كيري لمنطلقات ديمقراطية بوش في تطبيقاتها العربية مع إعتماد النماذج ذاتها. وهي منطلقات تنسب أزمة الديمقراطية والمجتمعات العربية الى ما يشخصه كيري ب: الفقر، والجهل، والامية، فنسبة الامية مرتفعة جدا في العالم العربي وبخاصة في اوساط النساء اللواتي لا يساهمن الا قليلا في الحياة العامة، وبالطبع هناك بلدان افضل من اخرى في هذا المجال ولكن النسبة العامة لا تزال ضعيفة.

واما برامج التعليم الدراسية فلا تزال متخلفة ومليئة بالافكار العنصرية او الطائفية التي تكره ابناء الديانات الاخرى كرها شديدا. وبالتالي فيلزمها تغيير وتجديد لكي تنفتح على العصر والحداثة ولكي تعترف بوجود ثقافات وأديان اخرى في هذا العالم بالاضافة الى الثقافة العربية الاسلامية. فالعالم يتسع لجميع الاديان والثقافات اذا ما وسعنا عقولنا جيدا وفهمنا الدين على حقيقته: اي كمصدر للتعايش والتآخي بين البشر.

ثم يحاول جون كيري الحفاظ على أصوات المسلمين الأميركيين فيضيف قائلا: أنا واثق من ان الاسلام كتراث ديني عريق لا يتعارض مع الديمقراطية بأي شكل، وذلك على عكس ما يزعم الزاعمون والمغرضون فالاسلام دين كبير وعظيم وقد قدم للبشرية واحدة من أجمل الحضارات فكيف يمكن ان يقف حجر عثرة ضد التقدم والرقي؟ هذا مستحيل.

وحده الفهم، الخاطيء والمتزمت للتراث الاسلامي الحنيف يشكل عائقا ولكن ليس الاسلام كاسلام وينبغي ان نفرق بين المتطرفين وأغلبية المسلمين.

وفي محاولة تنظيرية إستعراضية يربط كيري بين غياب الديمقراطية العربية وبين العامل الاقتصادي فيرى أن تخلف العالمين العربي والاسلامي من هذه الناحية ساهم ايضا في تشجيع قوى التطرف والتشدد. فالعالم الاسلامي الذي يصل تعداد سكانه حاليا الى 3,1 مليار نسمة اي ربع سكان الكرة الارضية تقريبا، لا يمثل في الاقتصاد العالمي اكثر من 4%! وهذا شيء غير مقبول وغير معقول. فشرائح البؤس والفقر منتشرة في النطاق الاسلامي اكثر من اي نطاق آخر ( هنا يهمل كيري الدور الأميركي في السيطرة على الثروات الإسلامية بما فيه التدخل لمنع إستخراجها وتسويقها مع التحكم بأسعارها).

وبهذا الصدد ينبغي العلم ان وضع مصر وكوريا الجنوبية في الستينيات كان متعادلاً من حيث التطور الاقتصادي ولكن كوريا الجنوبية اصبحت الآن من اكثر دول العالم تطوراً وغنى وازدهاراً هذا في حين ان مصر لا تزال متخلفة كالسابق. فلماذا اقلعت كوريا الجنوبية وتجاوزت تخلفها وفشلت مصر؟

وبالتالي فهناك عدة عوامل متضافرة أدت الى شيوع الايديولوجية المتطرفة في العالم العربي او الاسلامي ومن اهمها الجمود الاقتصادي او الفقر، وتخلف برامج التعليم، والتزايد السكاني الهائل وأمية المرأة ...الخ.

ولهذا السبب فلا ينبغي ان يدهشنا نمو حركات المتطرف هناك فالتطرف لا يتزايد ولا ينتشر الا في ظل الازمات الاقتصادية وانسداد الآفاق. وهذا ما حصل في ألمانيا النازية اثناء صعود هتلر الى سدة السلطة. فلولا الفقر والجوع والبطالة لما استطاع شخص كهتلر ان يصل الى القمة. لولاها لما استطاعت ايديولوجيا متطرفة جدا كالايديولوجيا النازية ان تقنع اغلبية الشعب الالماني بصحة اطروحاتها.

وهنا يرتكب كيري غلطة مشابهة لغلطة صقور بوش بإهماله عنصر الإعتراف الهيغيلي. فالذي أوصل هتلر والنازية الى الحكم لم يكن الفقر بل مشاعر الإهانة التي كرستها معاهدة فرساي بتقريرها إضطهاد الشعب الألماني. وإغفال عنصر الإعتراف سيبقي القيادات الأميركية بعيدة تماماً عن فهم أعماق المشكلة وأبعادها الحقيقية بما يؤدي الى مراكمة أخطاء سياساتها الخارجية.

ومع هذا القصور في نظرة كيري لأزمات الشرق الأوسط وتوابعها فإنه يعيب على بوش إهماله للعامل الإقتصادي ويرى خطأً في سياسة بوش الذي يريد ان يقضي على الارهاب بدون ان يقضي على اسبابه المتمثلة بالعامل الإقتصادي براي كيري!.

بناء عليه يقترح جون كيري تغيير السياسة الاميركية في الشرق الاوسط. وذلك عن طريق احلال السلام بين العرب واسرائيل اولاً ثم تشجيع التنمية الاقتصادية ثانياً. وكذلك تدعيم الخط السياسي الديمقراطي والمنفتح ثالثاً. وكل هذه التطورات ينبغي ان تكون متزامنة وعندها تتراجع ايديولوجيا الحقد من المنطقة وتحل محلها ايديولوجيا المحبة والابداع الحضاري او السلام.

ويقول كيري بأنه سوف يعمل من اجل تشكيل شرق اوسط كبير قائم على السلام بين العرب واليهود، ومدعوم بالتنمية الاقتصادية من الخارج والداخل وسوف يكرس كل طاقات اميركا لنشر ثقافة السلام والديمقراطية والحرية بين شعوب المنطقة. ويقول بأن الاتفاقية التجارية التي وقعت بين الاردن واميركا في عهد كلينتون ادت الى ايجاد اربعين الف وظيفة في الاردن وينبغي تعميم ذلك على جميع دول المنطقة لمحاربة الفقر والجوع. وهذه هي الخطوة الاولى باتجاه القضاء على الارهاب.

وربما يستند كيري الى الأزمة الأميركية في العراق كي يركز بهذه الكثافة على نقد السياسة الخارجية لبوش وهي ناحية لا تهم الناخب الأميركي عادة. لذلك ينتقد كيري بوش لأنه احتقر المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة بل وحتى حلف الاطلسي اكثر مما يجب. كما انه ادار ظهره لحلفاء اميركا التقليديين من امثال المانيا وفرنسا وبلجيكا، الخ. وهذا ليس في صالح الولايات المتحدة. إذ ان اميركا بحاجة الى اصدقاء وحلفاء على الرغم من قوتها. وسياسة بوش الرعناء حرمتنا من هؤلاء الحلفاء وبالتالي فلابد من تغييرها. واذا ما وصلت الى البيت الابيض فسوف اغيرها وأتخلى عن سياسة الاستفراد بشؤون العالم، وسوف استشير الاصدقاء والدول الحليفة في جميع انحاء العالم من اجل بلورة سياسة متوازنة ومتكاملة.

فالواقع ان سياسة الحرب الوقائية التي يتبعها الرئيس بوش زادت من اعداء اميركا بدلاً من ان تنفعهم، ونحن لن نستطيع القضاء على الارهاب او تحجيمه على الاقل الا اذا شاركنا اكبر عدد ممكن من الحلفاء معنا.

كما يغمز كيري من قناة فشل بوش في تثمير إنجازاته كاسقاط نظام طالبان في افغانستان ونظام صدام حسين في العراق. فيعترف بهذه الإنجازات ولكنه يذكر بان الانتصارات العسكرية لا تكفي وانما ينبغي ان نعرف كيف نحولها الى انتصارات دبلوماسية وسياسية. وهذا ما فشلت فيه ادارة الرئيس بوش حتى الآن. فقد ألبت علينا معظم دول العالم وأصبح العالم العربي والاسلامي يكرهنا جدا بسبب هذه السياسة الهجومية المغامرة.

فهل يمكننا إعتبار هذا الإنتقاد وعداً من كيري للمواطن الأميركي بتثمير إحتلال العراق؟. وإذا كان الأمر كذلك فإن كيري لا يشرح لنا فلسفته في تحقيق المكاسب الإقتصادية والسياسية مع الحفاظ على علاقات جيدة مع العالمين العربي والإسلامي. خاصة وأنه يبدو مصراً على مشاريع بوش الرئيسية من شرق أوسط كبير الى نشر ديمقراطية القوالب المغربية والأردنية والقطرية. والأهم من هذا وذاك الإستمرار في تجاهل حاجة هذه الشعوب للإعتراف ومعاملتها على أنها عودة للهتلرية.

ثم يتابع كيري إستعراضه لأخطاء بوش الإستراتيجية فيورد حقيقة كون العالم كله قد تعاطف مع أميركا بعد ضربة 11 سبتمبر الاليمة، وقد عبر رؤساء الدول كلها تقريبا عن مشاعرهم الطيبة تجاه الشعب الاميركي في محنته العصيبة وأدانوا جميعهم تقريبا هذه الضربة الارهابية التي لا مثيل لها في التاريخ. ولكن بعد اقل من سنتين من ذلك التاريخ تبخر كل هذا التعاطف الدولي ولم يعد أحد يحبنا! فما هو السبب يا ترى؟ ولماذا انعكست الآية؟.

يجيب كيري: لأن سياسة الادارة الحالية لم تكن موفقة ولا متوازنة. فهي التي خلقت لنا الاعداء الكثيرين في شتى انحاء العالم، وهي التي جعلت الاصدقاء يبتعدون عنا اكثر فأكثر. وبالتالي ،يستنتج المؤلف، فلابد من اجراء تغييرات مهمة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة اذا ما ارادت اميركا ان تنجح فعلا في حربها ضد الارهاب. لابد من التخلي عن سياسة بوش وانتهاج سياسة اخرى مختلفة جذرياً.

ثم يقول كيري متابعاً بأنه يستلهم في سياساته الخارجية نفس الخط الذي اتبعه كبار الرؤساء الأميركان من اصل ديمقراطي. وهم ولسون وروزفلت في فترة الحربين، ثم ترومان وكندي بعد الحرب العالمية الثانية.

فهؤلاء الرؤساء الاربعة فهموا ان قوة اميركا لا تأتي من عزلتها الدولية وانما من تزعمها لاكبر تحالف من اجل الحرية. لقد عرفوا ان أوروبا ضرورية لاميركا لانها تشاركها نفس القيم الليبرالية والديمقراطية. وبالتالي فلا ينبغي التخاصم معها كما فعل بوش مؤخرا.

ولهذا السبب فإن هؤلاء الرؤساء كانوا دائما يستشيرون حلفاءها الاوروبيين قبل اتخاذ اي قرار خطير. وهم الذين احترموا المؤسسات الدولية الكبرى. بل ان ولسون هو الذي اسس عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى مباشرة وذلك من اجل حقن الدماء وحل النزاعات الدولية عن طريق الاحتكام الى القانون لا الى السلاح. وكان اول من فكر بتأسيس نظام عالمي جديد قائم على مباديء الحق والعدل والقيم التنويرية والانسانية ثم جاء بعده رئيس ديمقراطي كبير اخر هو روزفيلت وأسس الامم المتحدة، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وبالتالي فالولايات المتحدة ممثلة برؤسائها الكبار كانت تحترم دائما المؤسسات الدولية حتى جاء بوش الابن وقضى على الامم المتحدة بالضربة القاضية.

ثم يردف المرشح الديمقراطي قائلا: وأنا اذا ما اصبحت رئيسا فسوف اعيد للمؤسسات الدولية هيبتها واعتبارها، وبخاصة الأمم المتحدة والواقع ان بوش يريد ان يحشرنا في الزاوية قائلا: اما دبلوماسية بدون قوة، واما قوة بدون دبلوماسية! وهذا خيار مزيف في رأينا. فنحن نعتقد بضرورة الجمع بين القوة والدبلوماسية في ان معا.

وهنا يبدو لنا كيري أكثر تعثراً وأقل إقناعاً. فعصبة الأمم كانت ثمناً زهيداً لتمرير معاهدة فرساي. والمنظمات الدولية لا يمكن تفعيلها بقرار أميركي فهذا القرار يمكنها نسفها وإلغاءها ولكنه لا يعطيها المصداقية المفقودة. وإذا كان كيري يستلهم ولسون وروزفلت فإن بوش يستلهم ريغان المنتصر في الحرب الباردة. وهكذا تخرج من قراءة الكتاب بإنطباع مفاده نجاح الجمهوريين في إيصال مرشح ديمقراطي ضعيف نظرياً ومالياً لتسهيل إنتصار بوش. ولعله من الأفضل لكيري أن يتخلى عن طموح التنظير وأن يعلن رغبته في متابعة سياسة كلينتون المستندة الى تكتيكات الجمع بين القوة والدبلوماسية أيهما اربح لأميركا...

 

الكتاب: نداء الخدمة

رؤيتي من اجل اميركا أفضل

الناشر: فايكنغ ـ نيويورك 2003

الصفحات: 202 صفحة من القطع الكبير

a call to service

my vision for a better America

john keery

viking - new york 2003

p. 202