مؤتمر الطفولة الخليجي الأول

دبي 19-21 مارس 2006

سيكولوجية العنف والجنوح

أ.د. محمد احمد النابلسي

رئيس مركز الدراسات النفسية والنفسية الجسدية

info@drnaboulsi.com

   هنالك موقفان من مسألة العنف وتظاهراته ، صنف يعتقد بأن الناس يقسمون إلى طيبين وأشرار ، وصنف لا يعتقد بأنهم يقسمون إلى طيبين وأشرار. وأنا أصبحت من الصنف الثاني . فقد علمنا الاختصاص بأن الإنسان ذاته يمر بحالات عقلية مختلفة يصل اختلافها أحياناً لدرجة  حدوث انقلابات سلوكية متطرفة . فها هي الأحداث تشير إلى ارتفاع نسب الجريمة لدى المرأة أثناء فترات الحيض . وها هي الأبحاث تشير إلى اختلافات المزاج وتقلبه لدى الإنسان بحسب أيام الشهر ( دورة بيولوجية ) كما تشير الأبحاث نفسها إلى إمكانية إجراء تعديلات سلوكية جذرية لدى أي شخص عن طريق تعكير إيقاعاته البيولوجية اليومية ) مثل حرمانه من النوم أو من الضوء أو من السمع ….الخ) . دون أن ننسى التغيرات السلوكية المتطرفة التي تصاحب حالات السكر والإدمان على أنواعه . ويكفيك لذلك أن تراقب مدخناً نفذت سجائره .

            في المقابل نرى أبحاثاً أخرى تشير إلى إمكانية استغلال هذه المعارف لتجنب جنوح الاحداث أو لتربية أطفال عباقرة وتدريب رجال من نوع السوبرمان .

غير المتخصصين يمكنهم مشاهدة فيلم " البرتقالة المعدنية " الذي يشرح استخدام التقنيات السيكلوجية لعلاج المجرمين أي لتحويل المجرم إلى إنسان مسالم . فإذا ما تمت مشاهدة الفيلم فإن المشاهد يخرج بإنطباع مفاده ضرورة الإبقاء على المجرم مجرماً وعدم علاجه ، فهذا العلاج وإن كان يقوم الإنحراف إلا أنه يعتدي على إنسانية الشخص حتى يكاد يفقده إياها . وبالتالي فإن العقاب ، مهما بلغت قسوته ، يبقى أكثر إنسانية من هذا العلاج .

            فهل يستحق المجرم الشفقة ؟  القانون من جهته يقر مبدأ الأسباب التخفيفية . أما الطب النفسي فإنه يقدم عرضاً للأسباب البيولوجية والنفسية المسؤولة عن دفع الشخص لارتكاب الجريمة . ولكننا في كلتا الحالتين نلاحظ الغموض في تحديد هذه العوامل . الأمر الذي يجعل الجمهور يطرح أسئلة متكررة حول هذا الموضوع وهذه الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها فيما يلي :

1-  ما هي علاقة الوراثة بالسلوك الإجرامي ؟

        لقد تمت ملاحظة زيادة السلوك العدواني لدى أشخاص يعانون من اضطرابات عضوية معينة كمثل السلوك الإنفجاري لدى مرضى الصرع ونوبات الهياج الفصامي وبعض الإضطرابات الكروموزومية وخصوصاً تعدد كروموزومات الذكورة . كما بينت أبحاث الهندسة الوراثية عدة تشوهات كروموزومية متصاحبة مع مظاهر السلوك العدواني . ولكن تجدر الإشارة إلى أن وجود هذه الإضطرابات لا يعني ضرورة ظهور المظاهر العدوانية فهناك حاملين لها دون مظاهر .

2-  هل يلد المجرم مجرماً ؟

- قام الباحث الفرنسي " ترويا " بدراسة شجرة عائلة الأديب ديستيوفسكي فوجد فيها تعاقب مجرمين وقديسين فكان بعض أسلافه قديسين والبعض الآخر مجرمين ( حتى إن عمته قتلت زوجها بالسم ) .

- ولقد استند عالم النفس ليوبولد سوندي إلى هذه الملاحظة وشبيهاتها ليجزم بهذا التعاقب وليطرح فرضية مفادها أن الأساس البيولوجي هو واحد في كلتا الحالتين . وإنما الفرق في الخيارات القدرية التي يختارها الشخص . فالتطرف المزاجي في عائلة ديستيوفسكي كان يسخر حيناً لخدمة المثاليات فينتج قديساً وحيناً آخر ضدها فينتج مجرماً لكن هذه الفرضية تدفعنا للقول باحتمال أن يكون الشخص عينه قديساً ومجرماً في آن معاً .

3- بين المجرم والقديس ؟

            يجيب سوندي على التساؤل المطروح أعلاه بالقول بأن قابيل قتل أخاه هابيل وبأننا جميعاً أولاد قابيل لذلك فإن نزعة العنف والرغبة بإلغاء أعداءنا (أي الرغبة في القتل واعية أم لا واعية ) موجودة لدينا جميعاً لكن قسماً منا يسمو بغرائزه وبهذه النزعة فيكون هابيلياً وقسم آخر منا يستسلم لمشاعره السلبية ( حقد ، ثار غضب ، كراهية .الخ ) فتتعذى لديه الميول القابيلية . ويخلص سوندي إلى القول بأن البذور الهابيلية موجودة لدى المجرمين كما أن الميول القابيلية موجودة لدى القديسين .

4-  إيذاء الذات ( الانتحار ) ..

كثيرون يفهمون وجود دوافع تشجع الشخص على ممارسة العنف ضد الغير لكنهم لا يفهمون بحال ممارسته هذا العنف على ذاته . لذلك فإنهم يميلون إلى اعتبار العنف الموجه نحو الذات نوعاً مختلفاً من العنف التقليدي الموجه ضد الغير . لكن هذا الاعتبار خاطئ . فإيذاء الذات يقع في لحظة لا يكون فيها الشخص راضيا عن نفسه . وبعنى آخر فإنه يكون عرضة للإنشطار بين الأنا وبين الذات المعنوية  والجسدية . وهذا الإنشطار يحول الذات آخر مرشح لأن يتلقى غرائز الأنا العنيفة .

في العودة إلى الأديان تجد تركيزاً على تحريم إيذاء النفس ( خاصة الانتحار) حيث  الروح أمانة الخالق وليست ملكاً لصاحب الجسد لذلك نجد من المفيد أن نعرض التصنيف السيكاتري لحالات إيذاء الذات وهو التالي :

أ‌)  سلوك عدواني محدد تجاه الذات ( مثل تعذيب الذات رفض الطعام .. الخ) .

ب‌) سلوك انتحاري  - تمثيلي ( بهدف جلب الأنظار وتعويض عدم الاهتمام ) .

  ج) الحالات نظيرة الانتحارية(عندما يكون الانتحار غير مقصود مثل التسمم اللاإرادي وغيره )

    د) حالات الانتحار كنوع من أنواع التضحية بالذات لأسباب مثالية .

    ه) حالات الانتحار الفعلية .

5- تصنيف حالات العنف

يصنف الطب النفسي حالات العنف في الخانات التالية :

أ‌-  حالات عنف صريحة وتقسم إلى :

·  عنف جسدي (  كدمات رضوض . تكسير .. الخ ) .

·  عنف معنوي ( كلامي شتائم .. الخ )

·  سلوك هجاني مصاحب للأذى .

·  مواقف سلبية مؤذية ( رفض الطعام أو الكلام )

ب‌- حالات عنف مستترة وتقسم إلى :

·  عنف مستتر بمحاولات السخرية والتحقير .

·  عنف مستتر بمحاولات الحماية .

·  عنف مستتر يصعب استشفافه ويظهر فجأة .

6- العنف لدى المرضى النفسيين :

            صحيح أن احتمال ارتكاب أعمال العنف يرتفع عند المرضى النفسيين لكن هذا الإرتفاع لا يصل إلى درجة خوف الجمهور من هؤلاء المرضى . ولدى هؤلاء أيضاً نلاحظ تقسيماً سيكاتريا لحالات العنف وهذا التقسيم بحسب رأينا هو :

أ‌-   حالات  عنف صريحة :

·  الرغبة في الشجار والعراك الجسدي .

·  هوس المحاكم ( يميل مرضى البارانويا إلى رفع الدعاوى القضائية لأتفه الأسباب ) .

·  محاولات إيذاء الذات .

·  محاولات إيذاء الآخرين .

ب‌-  حالات عنف مستترة :

·  اتهامات هذيانية موجهة للمحيط والمتعاملين مع المريض .

·  رفض الفحص والعلاج ( عدوانية تجاه المعالج )

·  محاولات السخرية والتحقير .

ج- حالات عنف متوقعة في الأمراض التالية :

·  السلوك الصرعي الإنفجاري ( إيذاء الذات والغير ) .

·  النوبات الفصامية الحادة ( إيذاء الذات والغير ) .

·  النوبات الإكتئابية ( إيذاء الذات غالباً ) .

·  اضطرابات الشخصية الحادة ( عنف معنوي غالباً ) .

             بهذا نأمل أن تكون قد اختصرنا موقف الاختصاص من موضوع العنف والجريمة لكننا لم نتطرق إلى الأبعاد الأخلاقية للموضوع . فقد تعرض اتباع الديانات السماوية لممارسات عنيفة متنوعة منذ ظهور هذه الديانات وكان من الطبيعي أن يقاوم هؤلاء  الأتباع العنف الموجه ضدهم بأساليب صريحة أو مستترة حتى بات مبرراً طرح السؤال عن تصنيف إنساني للعنف .. بمعنى آخر هل ترفض الإنسانية العنف رفضاً كلياً ؟ أم أنها تبرره في حالات معينة ؟ وما هي هذه الحالات ؟.

ولكن ماذا عن الإمكانيات الوقائية والعلاجية للأطفال الجانحين؟.

6- الإمكانيات الوقائية والعلاجية للأطفال الجانحين

     يلجأ الطب النفسي الى مراقبة الإضطرابات الإدراكية وعلاجها كسبيل للوقاية من تعثر الطفل. بل هو يستخدمها كوسيلة لتنمية ودفع القدرات العقلية لدى الأطفاب وصولاً الى الحديث عن تربية أطفال عباقرة.

ولعل أبسط تعريفات القوى الإدراكية وأوجزها، هو التالي: إن القوى الإدراكية هي تلك القوى الذهنية التي يمكننا قياسها وتقييمها وتتوزع القوى  الإدراكية على النحو التالي:

1- الانتباه                         5- الإدراك.

2- الذاكرة                        6- الخيال.

3- التفكير                         7- الإرادة.

4- الوعي                         8- الاتصال وغيرها.

 هذا الوعي، وتعتبر القوى الإدراكية أساسا لقدرة الشخص على التعلم والمعرفة. ومن الطبيعي القول بأن اضطراب أي من هذه القوى الذهنية يؤدي إلى اضطرابها جميعاً بدرجات متفاوتة، ومعها اضطراب المعرفة والقدرة على التعلم.

من هذه المعطيات تنبع الأهمية القصوى لدراسة ومراقبة هذه القوى الإدراكية وتحديدا الانتباه والذاكرة والتفكير. وقبل بحثنا في كل هذه النقاط على حدة، نود عرض النظرية الأكثر انتشارا لنمو القوى الإدراكية لدى الطفل. ونعني بها نظرية بياجيه piaget.

يقسم بياجيه مراحل التطور الإدراكي لدى الطفل إلى المراحل التالية:

1-                   المرحلة الحسية- الحركية Sensorio – motrice.

وتمتد هذه المرحلة من الولادة ولغاية سن الحادية عشرة. والفترة من الولادة وحتى السنة والنصف وتشهد تطور ذكاء من نوع خاص، هو الذكاء الذي يساعد الطفل على استيعاب العالم الخارجي، واستيعاب الحركة الأشياء. وهذه المرحلة تساهم في تثبيت معرفتين أساسيتين ومؤثرتين في كافة مراحل تعلم الطفل، وهما:

أ‌-           ديمومة الأشياء: في البداية يرى الرضيع العالم على أنه مجموعة من الأشياء التي تظهر وتختفي. ولكنه يكتشف لاحقا ديمومة الأشياء، حتى ولو غابت عن نظره فيبدأ البحث عنها.

ب‌-          تنظيم الأشياء في الفضاء: وهذا ما يتيح للطفل تحديد موقع جسده في الفضاء مما يساعده على الحفاظ على توازن جسمه أثناء المشي. وتبدأ هذه المعرفة حين يلمس الطفل أحد أعضاء جسده عن طريق الصدفة، فيعمد بعدها إلى اكتشاف سائر جسده. ثم يدب على يديه وقدميه ( البعد الثاني)  ومن بعدها يحاول المشي ( البعد الثالث) والمرحلة الحسية- الحركية تهيمن على السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل.

2-                   مرحلة العمليات المتماسكة Operations Concretes.   

وتبدأ في سن ال 6-7 سنوات وفيها يتم تنسيق المعارف والمعلومات ، المستندة إلى الذكاء التصوري، بشكل منطقي. وتشهد هذه المرحلة استيعاب المفاهيم الكمية المادة وزن الأشياء وحجمها) والمفاهيم العددية الفضائية والزمانية.

3-                   مرحلة العمليات المتطورة: Operations Formelles .

وتشمل سنوات ما قبل المراهقة، ففي هذه المرحلة، يستطيع الطفل أن يحرر الأفكار من المحتويات الواقعية، لتصبح أفكارا صرفة. وبهذا ينمو الحدس والقدرة على تبين احتمالات حدوث الأشياء في المستقبل على أنها نتيجة طبيعة للوضع الراهن.

بعد هذا العرض ، نأتي للحديث عن أهم القوى الإدراكية المساهمة في عملية التعلم لدى الطفل ونبدأ ب.

1-                   الانتباه Proxexieأو  Attention :

إن المفهوم النفسي للانتباه هو القدرة على توجيه وتركيز النشاطات النفسية حول موضوع معين. ويرتبط الانتباه مباشرة بمزاج الشخص، وطريقة تفكيره هي التي تحدد اتجاه الانتباه) وقدرته على الفعل، مستوى وعيه وذاكرته. ويمكننا تقسيم الانتباه إلى :

ب‌-         الانتباه العفوي أو اللاإرادي: وهو الانتباه الذي يوليه الشخص لتحديد موقعه. ويتمثل هذا الانتباه بالبحث عن أجوبة لأسئلة من نوع: أين أنا؟ ماذا حصل؟ ما هذا ؟ ألخ.

ت‌-                 الانتباه الإرداي : ويتوجه إلى هدف الفهم الأعمق للمحيط ، وتحليل هذا المحيط وصولا إلى القدرة على تأمين الاحتياجات والأهداف.

ث‌-                 الانتباه ما بعد الإرادي: وهو تحول الانتباه الإرادي مع التكرار، إلى انتباه لا إرادي والآن نأتي إلى استعراض اضطرابات الانتباه وهي:

أ‌-                     انخفاض الانتباه: ويظهر في حالات الإرهاق، الانهيار، عقب التعرض للرضوض أو الآلام أو الالتهابات، التسمم، الشيزوفرانيا، وغيرها.

ب‌-          ارتفاع الانتباه: ويظهر بشكل طبيعي عندما نستنفر حشرية الشخص، وعندما نواجه بالجديد من الأشياء. كما يتبدى ارتفاع الانتباه بشكل مرضي في حالات الهذيان العظامي، وفي حالات الهوس. وفي هذه الحالات يتلقى الشخص إثارات كثيرة، بحيث يعجز عن تحليلها وعن تركيز على أحدها أو على فكرة معينة. فهو ينتبه ويحس بكل ما من حوله ، ولكنه عاجز عن التركيز على أي من هذه الأشياء.

ت‌-                 انعدام الانتباه: والمقصود هنا هو انعدام الانتباه الإرادي. الذي يتمثل في حالات العتة والتخلف العقلي الحاد.

ث‌-         جمود الانتباه: ونعني به تركز الاهتمام والانتباه في موضع، أو مواضيع معينة مما يؤدي إلى لا مبالاة الشخص أمام المواضيع الأخرى. وهذه الحالات نلاحظها في بعض حالات الصرع Epilepsie.

إذا كنا في مجال الحديث عن ملكية الانتباه لدى الطفل، فإننا نلخص وسائل تحسين الانتباه لديه على النحو التالي:

1-                   استثارة فضول الطفل عن طريق تشجيعه على طرح الأسئلة.

2-                   إلغاء العوامل أو الأمراض التي من شأنها أن تشتت انتباه الطفل.

3-                   استثارة فضول واهتمام الطفل عن طريق تكثيف المثيرات ( التعليم السمعي البصري، بالكومبيوتر ألخ.

4-                    ابتاع طريقة الإفاضة في التعليم والحفظ مناقشة المواضيع في مجموعات تضم 10 تلاميذ على الأكثر.

5-          ضرورة النظر للانتباه على أنه واحد من القوى الإدراكية بحيث يؤثر ويتأثر بمجموع هذه القوى . فالطفل الذي يعاني من اضطراب الوعي، او الذاكرة، وهو طفل يعاني حتما من اضطراب الانتباه والعكس صحيح.

6-                   اعتماد مبادئ تعزيز الانتباه، ونلخصها:

-          الثواب والعقاب.

-          المناقشة.

-          طرح الأسئلة الهادفة لاختيار مدى الاستيعاب ( بالتالي الانتباه).

-          تلقي أسئلة الطفل والإجابة عليها.

-          التكرار وإعطاء الأمثلة التطبيقية.

-           محاولة مخاطبة حواس الطفل ومشاعره، بحيث يتمرن الطفل على توظيف هذه الحواس والمشاعر في ملكة الانتباه.

-     وفي نهاية حديثنا، لا يمكننا إلا أن نلفت إلى أهمية التحسينات الجديدة في الثمانينات التي أدخلت على نظرية بياجيه. ونلخصها على النحو التالي:

شهد الذكاء الإنساني وبخاصة مستوى ذكاء الطفل، قفزات هائلة في النصف الأخير من هذا القرن. وفي تفسيرهم لهذه القفزات، وجد العلماء الإنسانيون ، أن هذه التطورات ، إنما تنشأ عن تطور وسائل الاتصال، وظهور وسائل جديدة متطورة لهذا الاتصال.

ومن البراهين التي يسوقها العلماء، أن تطورات الذكاء هذه إنما رافقت ظهور الراديو والتلفزيون، وهذا الظهور الذي تراق مع تعجيل النمو الذهني لدى الأطفال وتوسيع آفاق إدراكهم. وكانت البراهين دامغة، بحيث دفعت بالمربين إلى طلب مساعدة الاختصاصيين في مختلف الفروع الإنسانية، من أجل ابتكار برامج إذاعية  وتلفزيونية تعليمية ( هنا نشير إلى أهمية البرامج العربية التي يعدها التلفزيون الكويتي) وقد حققت هذه البرامج نتائج هامة، ليس فقط فيما يتعلق بتطور ذكاء الطف، وإنما أيضا في مجال محاربة الأمية في الدول النامية.

وفي هذا المجال، لا يمكننا تجاهل الدور الهام الذي تلعبه الصور المتحركة، وبرامج الخيال العلمي في هذه المجالات. ولعل أهم الإيجابيات في هذه الوسائل، هو كونها تجلب كامل انتباه الطفل، وكونها تجيب على عدد كبير من أسئلة الأطفال فتدفعهم إلى طرح عدد من الأسئلة الجديدة. إضافة إلى مساعدة هؤلاء الأطفال على فهم بعض المبادئ وتبسيطها.

ومع بداية الستينات، شهدت الاتصالات تطورا جديدا هاماً أغري العلماء باستغلاله من أجل  تحقيق قفزات تطويرية جديدة الذكاء الإنساني. ومن أهم هذه المحاولات معهد بياجيه في سويسرا. ففي الأساسي تتركز نظرية بياجيه على مبدأ المخططات العقلية التي تتعقد إدراكات الطفل. ويرى بياجيه أن قدرة الإنسان على التعلم إنما يرتبط بعاملين أساسيين هما.

-          مدى تطور المخططات العقلية الإدراكية للشخص.

-          مدى قدرة الشخص على تعديل هذه المخططات حتى تتلاءم مع استيعابه للعالم الخارجي.

وفي دراسة أجراها الباحث papert seymour  على أطفال جعلهم يتعلمون عن طريق الكومبيوتر تبين له هؤلاء الأطفال هم أقدر على التفكير بالفكرة، وذلك بسبب قدرة الكومبيوتر على إعطاء الإجابات التي تلزم هؤلاء الأطفال ( تختلف من الطفل إلى آخر) يستوعبوا المعلومات بشكل موضوعي. ويتوصل الباحث إلى نتيجة مفادها أن الكومبيوتر ينمي قدرة الطفل على التفكير وبالتالي ذكاءه.

وعلى هذا الأساس يتم تطوير نظريات بياجيه عن طريق استخدام طريقة التعليم بالكومبيوتر في علاج عدد من الاضطرابات الطفولية مثل ألعاب Atari مثلا) وتحديدا في علاج اضطراب الانتباه لدى الطفل. فهذه الألعاب تجبر الطفل على تركيز كامل انتباه كي لا يخسر، وبالتالي فإنها تدربه على استخدام هذا الانتباه. وهذا التدريب صالح لجميع الأطفال إذ ينمي قدرتهم على الانتباه.

أما بالنسبة لاختبارات الانتباه فهي عديدة ، ونحن نفضل من بينها الاختبار التالي لأنها يجمع بين اختبار الانتباه والملاحظة وتنظيم التفكير ويسمى هذا الاختبار بمكعبات كوخ.

2-                   الذاكرة:

إن المفهوم النفسي للذاكرة هو كونها ملكة التسجيل الواعي للتجارب المعاشة. وهذا التسجيل الذي يتم بشكل إشارات عصبية على صعيد اللحاء الدماغي.

والذاكرة، كما الانتباه، تقسم إلى الذاكرة العفوية والذاكرة الإرادية. والذاكرة الإرادية بشكل مباشر وقوي بملكة الانتباه الإرادي.

وظائف الذكرة.

يمكننا تلخيص هذه الوظائف بتقسيمها إلى :

 1- الحفظ                         2- التثبيت                        3- التذكر.

وعملية التذكر تبدأ من الحدث الحاضر إلى الأحداث المشابهة الأقدام، فالأكثر قدما أي أن الإنسان يتذكر معلومة اليوم ثم معلومة الأمس ثم المعلومة التي حفظها منذ شهر فالأقدم ألخ.

ولكن الأحداث المرافقة بالإثارات الحسية القوية والفائقة القوة، تحتفظ بمكانة خاصة لها ( مثل ذكريات الحرب والأسر والاعتقال والحزن أو الفرح الزائد ألخ وعلى وجه الإجمال نستطيع القول بأنه كلما كان المثير المرافق للحدث أقوى، كلما كان حفظه أسهل وأرسخ.

 والذاكرة هي من أهم القوى الإدراكية قابلية للتطور. فعن طريق تدريب الذاكرة نستطيع التوصل إلى نتائج مذهلة، شرط أن يراعي في هذا التدريب الحالة الإدراكية الخاصة للمتعلم.

الذاكرة والدماغ:

منذ أقدم العصور الإنسان يدرس الذاكرة ويعمل على تحسينها، وقد شبهها الأطباء الأغريق بمصقل من الشمع يخط عليه الزمن تجارب الإنسان. ولكن العلوم الطبية الحديثة تمكنت من تحديد عدد من التفاصيل العلمية الدقيقة حول كيفية عمل الذاكرة ومن هذه التفاصيل نذكر:

-          الذاكرة قصير الأجل: وهي تعتمد على المناطق الدماغية التالية: الهيبوكامب

-          الأجسام الثديية والنواة الأمامية للمهاد البصري التالاموس.

-     الذاكرة الطويلة الأجل: وهي تعتمد على المناطق الدماغية السابقة الذكر، إضافة إلى مشاركة الهيبوتالاموس والمناطق الدماغية الحسية. هذا وقد توصل العلماء إلى تحديد دور المنطقة الدماغية المسماة ب Cirus cinfulers  في انتقال المعلومات من الذاكرة القصيرة الأجل إلى الذاكرة الطويلة الأجل.

-     1- تضخم الذاكرة: ويمكن ملاحظته لدى إناس طبيعيين. أما الحالات المرضية لتضخم الذاكرة فنجدها لدى مرضى الهوس والعظام البارانويا ) كما يمكن أن يحدث تضخماً لذاكرة. بشكل عابر، لدى التعاطي المخدرات والعقاقير المنشطة أو لدى تعرض الشخص لخوف مبالغ خطر الموت إلا أن هذا التضخم لا يلبث أن يتبعه انخفاض للذاكرة.

-     2- انخفاض الذاكرة: وينجم عن التعب والإرهاق النفسي والأوضاع النفسية المترافقة مع اللامبالاة انهيار كآبة، وكذلك عن مجمل الحالات التي تؤدي إلى انخفاض الانتباه تسمم، آلام، التهابات شيزوفرانيا ألخ .

-          3- فقدان الذاكرة : ويقسم إلى.

-          أ- فقدان الذاكرة الرجعي: اضطراب القدرة على تذكر المعلومات القديمة.

-          ب- فقدان الذاكرة الراهن: اضطراب القدرة على حفظ المعلومات الجديدة.

-          ج-فقدان الذاكرة التثبيتي: وهو النسيان التدريجي الكامل للمعلومات القديمة.

-          د- فقدان الذاكرة الانتقائي: بحيث يطال فقدان الذاكرة أحداثا أو معلومات معينة دون غيرها.

-          هـ- فقدان الذاكرة النفسي: وهو الذي يأتي بعد تعرض الشخص لانفعال نفسي عنيف وهو قابل للتراجع.

-          و- فقدان الذاكرة العصبي: وهو الناجم عن الإصابات العصبية.

4- النسايات الكاذبة: وهي الذكريات الكاذبة: بحيث يتقد الشخص، مخلصا بأنه يتذكر أحداثاً تحدث فعلا. ومن هذه النسايات نذكر.

-أ- نسايات عتة الشيخوخة: ينسى المسن فترة من حياته ويعيش في الماضي.

أ‌-                     نسايات الانتخاب: ينسى المريض مثلا اسم مخترع ما، ويعتقد بأنه هو المخترع الخبول، المعتوه.

خطوات تحسين الذاكرة:

ونلخص هذه الذاكرة على النحو التالي:

1-                   استبعاد الاضطرابات والأمراض التي من شأنها أن تؤثر على الوعي، أو الانتباه أو الذاكرة.

2-                   تعويد الطفل على استخدام حواسه ومشاعره، وإشراكه في عملية الحفظ.

3-                   الإفاضة: يقسم الأطفال إلى مجموعات من 10 أطفال ويطلب منهم إعادة شرح ما تذكروه.

4-                   تدريب الطفل على الربط بين المعلومات.

5-                   اتباع أساليب القراءة الجيدة.

6-                   تنظيم عملية التذكر ( اعتمادا على إقامة المقارنات بين المعلومات القديمة وتلك الواردة.

7-          التشجيع على عقد المقارنات والعلاقات الطريفة بين المعلومات الجديدة وبين أحداث لا تمت لها بصلة. وهذا ما يسمى بالعلاقة الخطرة، التي يمكن استخدامها في مساعدة الذاكرة. وذلك على غرار تشبيه الشريط المتدلي بحبل   الأرجوحة ، هذا التشبيه الذي يجعل من المستحيل على الطفل أن ينسى وجود هذا الشريط، حتى ولو بعد سنوات وقس عليه.

وأما عن اختبار الذاكرة فيمكننا إجراؤه عن طريق  طلب إعادة سرد معلومات أو تفاصيل حدث ما. وذلك بحيث  نستطيع اختبار مدى ملاحظة انتباه وتذكر الطفل وقدرته على الربط بين المعلومات. والجدير بالذكر ، أن الذاكرة التصويرية هي أكثر تطورا لدى الطفل منها لدى البالغ. فالطفل يستطيع أن يستعيد الصورة التي يراها ، ليعود ويكتشف فيها أشياء جدية، وهذا ما يعجز عنه البالغ.

3-                   التفكير:

إن ملكة التفكير هي أرقى الوظائف الإدراكية للعقل البشري. والتفكير هو الانعكاس العام للعالم في دماغ الشخص، وذلك من خلال قدرة العقل على تمييز أساسيات وخصائص الأشياء والظواهر والعلاقات التي يمكنها أن تقوم بينها. وعن طريق ترابط هذه الأفكار تتم عملية التفكير بطريقة مباشرة بواسطة أدوات الحس ( الحواس) أو بطريقة غير مباشرة عن طريق الكلمات، والتخيلات والأحاسيس العاطفية المزاجية وذلك بحيث تتضافر مجموعة هذه الأحاسيس لتحديد مبادئ التفكير وأسسه. وانطلاقا من هذه المبادئ يتعرف الإنسان إلى الطبيعة والمجتمع والعالم الخارجي إجمالا ، ويحدد موقعه فيهم واستقلاله عنهم.

تعريف آخر مهم للقوة الإدراكية الراقية التفكير وهو التالي: إن التفكير هو الملكة التي تؤدي إلى تكامل وتطويع المعلومات المختصة بالعلاقة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، مما يؤدي إلى التعلم غير المباشر. فالتفكير إذا يؤدي إلى تحوير وتطوير المعرفة المكتسبة.

ونظرا لحساسية هذه الملكة وتطورها، فإن اضطرابتها عديدة وتطال صعدا مختلفة ويمكننا تبويب هذه الاضطرابات إلى :

أ‌-                     اضطرابات تطال مجرى التفكير وتقسم بدورها إلى:

1-                   اضطرابات إيقاع التفكير وتقسيم إلى:

-          تسارع إيقاع التفكير.

-          تباطؤ إيقاع الفكير.

-          2- اضطرابات محتوى التفكير،وتقسيم إلى:

-           اجترار الأفكار

-           الانخفاض التدريجي لمحتوى التفكير ( مع فترات سكوت تتخلل الحديث ) Mental Fading.

-           الحواجز الفكرية ( وهي تجبر المريض على إيقاف حديثه).

-          جمود الفكر( صعوبة التفكير خاصة لدى المخبولين).

-          الإصرار القهري على التفكير باتجاه معين.

-          ب- اضطرابات تطال إنتاجية التفكير، وتقسيم إلى:

-          1- فقر التفكير.

-           التفكير الفائض( تتابع الأفكار بحيث يعجز المريض عن التحكم بها).

-          2- اضطرابات في نوعية التفكير وتقسيم إلى:

-           العزلة الفكرية:

-          التعقيل والتفكير المرضي تفسير الظواهر والتفكير فيها شكل مرضي.

-          الربط الخاطئ بين الأفكار.

-          الربط الآلي والسطحي بين الأفكار.

-          ربط الأفكار وتوجيهها جميعا في اتجاه معين.

-          الربط الوقح بين الأفكار.

-           عدم ترابط سياق التفكير.

-          ترابط الأفكار المتأثر بالظروف.

-          3- انعدام التفكير ( في حالات النوبة الصرعية، فقدان الوعي وبعض الحالات العقلية العضوية.

-          ج- اضطرابات تطال مجمل عمليات التفكير،تقسيم إلى :

-          1- اضطرابات تطال القدرة  على التعقيل وتقسيم إلى :

-           أفكار قهرية تسيطر على التفكير.

-          أفكار وسواسية ( ذكريات ، مخاوف ، وكافة مظاهر الأعصبة القهرية).

-          أفكار مهيمنة.

-          أفكار هذيانية أفكار الظلم، الانهيار، الوساوس، المرضية، الغيرة، هذيان، الاختراع، الدين، العظمة ، التأثير بالعالم الخارجي. ألخ.

-          2- البنية الفكرية الهذيانية ، وتقسيم إلى :

-          محدودة .

-          قابلة للتطور.

-          4- الاقتراحات العلمية لتحسين قدرات التعلم:

بعد التطورات الطبية الهائلة ، وتداخل فروع الطب مع سائر العلوم الأخرى، بات الطب عامة، والطب النفسي تحديدا، يلعب الدور الأساسي في عمليات التعلم وفي تطوير نظرياته. ونحن في نهاية هذه المقالة، وإذا أردنا أن نقدم اقتراحات عملية لتحسين قدرات العلم، فإننا نصحح بما يلي:

1-                   العلاج الطبي الدوائي لكافة اضطرابات القوى الإدراكية:

إن العقاقير النفسية التي توالى ظهورها منذ مطلع الخمسينات، ولغاية اليوم، أثبتت، بما لا يدع مجالا للشك، قدرتها على التحكم بغالبية الأوضاع، والمرضية النفسية، وبما أن الاضطرابات الإدراكية، التي تعيق عملية التعلم، إنما تنجم عن هذه الأوضاع فإنه من الطبيعي الدعوة إلى علاج هذه الأمراض، وبالتالي الدعوة إلى الضرورة استبعاد الأوضاع المرضية التي من شأنها أن تخل بقدرة الشخص على التعلم.

2-                   العلاج النفسي: التكيفي:

ويهدف هذا العلاج إلى تهيئة الشخص للتكيف مع صراعاته، وذلك بحيث نقلل من تأثير هذه الصراعات في جلب انتباه اهتمام وتفكير الشخص، بحيث يمنعه ذلك عن ممارسة النشاطات الأخرى وبينها التعلم. وإذا كنا نتحدث عن الأطفال، فلا بد لنا من التذكر بالتأثير السلبي لبعض الصراعات الطفولية مثل.

التعلق الزائد بالأم:

 الغيرة المبالغة.

خلافات الأهل.

غياب أحد الوالدين، أو كليهما.

معاناة الطفل من مرض جسدي.

وجود عاهة جسدية لدى الطفل.

إصابة الطفل بأمراض الحساسية (ربو وغيره) ولهؤلاء الأطفال شخصية خاصة.

 الانعزال الطفولي ( يجب تحري أسبابه).

الاستيعاب والوعي المبكر للصراعات والأوضاع التي لا يعيها عادة الطفل .

3-                   تلطيف الأجواء العائلية وتحسينها:

يمكن للعائلة أن تعلب دورا في غاية السلبية، بحيث تعيق إمكانيات التعلم لدى الطفل، وباختصار شديد نعرض لبعض الأدوار السلبية التي يمكن للعائلة أن تعيق تعلم الطفل من خلالها.:

-          الجهل والإهمال.

-          وجود مريض نفسي في العائلة ( قد يكون الأم أو الأب أو غيرهما).

-          الخلافات العائلية.

-          القسوة على الطفل.

-          الأهل المتطلبون( يطلبون من الطفل أكثر من إمكانياته الموضوعية، فيدفعونه إلى الشعور بالنقص.

-          وجود شخص أو أشخاص منحرفين في العائلة.

-          الفقر.

-          اكتظاظ المنزل.

-           وهذه العوامل لا تعيق فقط إمكانيات التعلم، ولكنها تشجع ظهور الأمراض العقلية والنفسية لدى الطفل الذي يعيش هذه الإجراء.

بهذا نكون قد عرضنا للخطوات الرئيسية والأساسية في تهيئة الطفل لعملية التعلم، فالطفل الذي يعاني من مثل الاضطرابات  المذكورة أعلاه، هو طفل يواجه صعوبات جمة لتعلمه  مهما كانت الوسائل التي نعلمه من خلالها. وهكذا فإننا ، وبعد استبعادنا للمعيقات المذكورة أعلاه، نستطيع تحسين عمليات التعلم عن طريق تطبيق الخطوات التالية:

1-          العمل على استفزاز عمليات وقوى الإدراك لدى الطفل، وذلك عن طريق تدريبه على مشاركة حواسه وخياله ومشاعره في عملية التعلم. ومن الأساليب المعروفة في هذا المجال.

أ‌-                     الأسلوب السمعي البصري.

ب‌-                  البرامج التلفزيونية التعليمية.

ت‌-                  اعتماد الكومبيوتر ( الحاسوب) في عملية التعلم.

ث‌-                 طريقة الإفاضة في التعلم تشجيع طرح الأسئلة والمناقشات.

2-                   تحسين قدرة الطفل على استقبال  المعلومات، وذلك عن طريق:

أ‌-                     تدريبه على وسائل القراءة الجيدة.

ب‌-                  استبعاد المشوشات ( البرد أو الحرارة، النوم المريح، الضوضاء والظروف الصحية في الصف والبيت.

ت‌-                  التعليم باللعب.

ث‌-                 اتباع مبدأ الثواب والعقاب.

3-                   تحسين وسائل الاتصال بالأطفال:

من المعلوم أن لشخصية  المعلم وأسلوبه أثرا رئيسيا في إقبال الأطفال على التعلم أو تحفظهم اتجاه. وهكذا فإنه من الضروري معاملة الأطفال على أنهم أشخاص كاملون ولكن صغار. وبالتالي يجب الابتعاد عن التفكير بأسلوب أن الطفل هو نصف شخص بدليل أنه يدفع نصف تذكرة في الحفلات.

وهنا أود التذكير بقول للعالم كوهلير إذ يقول: إن امتحانات واختبارات الذكاء تقيس في الواقع ذكاء الفاحص أكثر من قياسيها لذكاء المفحوص. 

 

العلاج العائلي الجمعي ..خطوات.. والاهداف

      إن دعم العلاقات داخل الأسرة هو خطوة رئيسية على طريق تأمين أجواء طبيعية لنمو الطفل بصورة متوازنة. ومن هنا ضرورة التطرق الى موضوع العلاج العائلي الجمعي. حيث يعتبر Ackerman (وهو طبيب نفسي أميركي) بحق أبو العلاج العائلي. وهذا الدكتور يؤكد على الأهمية القصوى التي يلعبها التشخيص الدقيق في انتقاء الوسائل العلاجية المناسبة وبالتالي في الحصول على نتائج علاجية جيدة. وهذا التأكيد على أهمية التشخيص إنما ينبع من التفكير الطبي المهيمن على أكرمان بسبب دراسته وممارسته. ومثله مثل أي تشخيص فإن تشخيص الاضطراب العائلي يقتضي من المعالج معرفة العلائم التي تقرر طبيعية العائلة حتى يتمكن من تحديد وجود أو عدم وجود الاضطراب العائلي. ومن ثم يجب على المعالج معرفة أنواع الاضطرابات العائلية بغية إجراء التشخيص التفريقي وصولاً إلى تحديد تشخيص دقيق للحالة.
وقد عمل أكيرمان طيلة ربع قرن على تحديد اللوائح العيادية اللازمة لهذا التشخيص. وتوصل إلى النتائج التالية:
أ_ العوامل الواجب دراستها: من خلال المقابلة مع العائلة والموجهة للتشخيص المرضي الذي يقرر مدى حاجة العائلة للعلاج. وهذه العوامل هي:
1_ النواة الحيوية والمفهوم الثقافي لظاهرة العائلة الإنسانية. ومن ثم مدى تطابق نظرة أفراد العائلة مع هذه الأسس والتزامهم بها.
2_ المظاهر المشتركة في العائلات الإنسانية وفي عائلات الحيوانات المتطورة. ومعرفة هذه المظاهر تتيح لنا التفريق بين التصرفات الغريزية لأفراد العائلة وبين تصرفاتهم المكتسبة التي تقضي التحليل لمعرفة مدى كونها مرضية.
3_ تكيف العائلة مع المجتمع وقدرتها على التكامل فيه ولكن أيضاً موقف المجتمع من العائلة ومدى تقديماته لها.
_ دور القيم والتقاليد في حماية النظام الأسري، ومدى خروج العائلة أو أحد أفرادها على هذه القيم.
ب_ أهداف العلاج العائلي يجب أن توجه نحو:
1_ تصحيح العلاقات الانفعالية المضطربة بهدف تحسين الوضع النفسي للعائلة ككل ولأعضائها كأفراد.
2_ تدعيم الفرد وتقويته كي يستطيع مواجهة المواقف الهدامة سواء تلك النابعة من داخله أو الصادرة عن الجو العائلي.
3_ تدعيم إمكانيات العائلة في التكتل وصولاً إلى وضع عائلي طبيعي.
4_ خطوات العلاج العائلي: وصولاً إلى هذه الأهداف ينصح أكيرمان بالخطوات التالية:
1_ مساعدة العائلة للتعرف بوضوح إلى محتوى الصراعات القائمة بداخلها والأسباب الحقيقية لهذه الصراعات.
2_ الحؤول دون امتداد الصراعات العائلية لتطال جوانب جديدة من العلاقات العائلية دون مبرر.
3_ إلغاء الأحكام المسبقة والافتراضات الخاطئة تجنباً لوقوع أحد أفراد العائلة ضحية صراعاتها. فهذه الحكام والافتراضات هي التي تدفع عادةً إلى نقل الصراع.
4_ إعادة تصحيح الوضع العائلي للحؤول دون وقوع بعض أفراد العائلة موقع الظلم بتحملهم القسط الأكبر من آثار صراعاتها.
5_ نقل الصراعات الشخصية الخفية إلى مستوى التعامل الشخصي حتى تتمكن العائلة من وعيها والمعالج من تشخيصها وعلاجها. ويتم هذا النقل بدعوة أفراد العائلة للتصارح.
6_ العمل على توضيح وتكملة المشاعر المتبادلة المرافقة لتعامل أفراد العائلة مع بعضهم. كل من خلال موقعه.
7_ تضييق شقة الخلاف والفراغات الموجودة في أساليب وهيكلية التعامل داخل العائلة وذلك اعتماداً على شخصية المعالج.
ولإكمال تصور أكيرمان للموقف العلاجي نقول بأنه يرى أن على المعالج أن يعمل لبلوغ هذه الأهداف بطريقة حاسمة ومتسلطة بحيث لا يضيع الوقت في شرح التفاصيل العلاجية. وعلى المعالج، أن يركز اهتمامه على العوارض والتصرفات العارضة (الهفوات) مركزاً بشكل خاص على الدوافع الجنسية، العدائية والذوبانية في العائلة والتبعية المطلقة لها.
إلا أن المعالجة
V.satir، التي نحت منحى أكيرمان، تختلف معه من حيث أهمية المظاهرات اللاواعية (جنس، عدائية، تبعة) والدور المعطى لها. وهي تفضل اتباع وسائل أخرى غير تحليلية.
أما المعالج
G.Zuk فهو يؤكد على دور المعالج متخيلاً هذا الدور في صلب العلاج بل في صلب الصراع العائلي. إذ يدعو المعالج إلى لعب دور مزدوج هو دور الوسيط _ الحليف الذي يبعد الانفعالات عن المواقف المرضية بين أفراد العائلة. وهذا الدور يقتضي موقفاً قاسياً من قبل المعالج من شأنه أن يدفع أفراد العائلة إلى تحمل مسؤوليتهم في الاضطراب العائلي وبخاصة مسؤوليتهم في حال وجود مريض في العائلة.
وأخيراً فإن المعالج
J.Bell يركز جهوده على تحسين وسائل الاتصال بين أفراد العائلة ويرى في تسهيل هذه الاتصالات عنصراً أساسياً في العلاج.

 

المراجع للتعمق

1- الثقافة النفسية ( مجلة ) لقاء مع واضع نظرية القدر في التحليل النفسي – ليوبولد سوندي . المجلد الأول العدد الرابع 1990 .

2- الثقافة النفسية ( مجلة  ) لقاء مع البروفسورة إليزابيث موسون . المجلد الأول 1990.

3- الثقافة النغفسية ( مجلة ) الأسس الإحيائية للسلوك ( ملف) العدد الثالث عشر المجلد الرابع 1994 .

4- الثقافة النفسية ( مجلة ) تربية الأطفال العباقرة المجلد الأول العدد الأول 1990.

5- الثقافة النفسية ( مجلة ) اختبار سوندي المجلد السابع . العدد السادس والعشرين 1996.

6- الثقافة النفسية ( مجلة ) السياسة وأخلاقيات الطب النفسي المجلد الخامس العدد العشرين 1992 .

 عودة للرئيسية