المعارضة اللبنانية أزمة تصنيف أم توصيف؟.

لماذا يهرب الأميركيون يا سعادة السفير؟.

الخيبة الاميركية في العراق
عودة الجنرال غورو الى صلاح الدين اللبناني الاستراتيجية القادمة للولايات المتحدة. الاقطاب الخفية والمستقبلية في المياه العالمية
     

 

المعارضة اللبنانية أزمة تصنيف أم توصيف؟.

الدكتور محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اللــــواء وقناة العربية الفضائية في 18 يناير 2005

          في ظل تقاطع المؤشرات الإقليمية تناثرت المواقف السياسية اللبنانية حتى أصبح تصنيفها عصياً على المتابعة. خاصة في غياب عناصر هذا التصنيف.أو أقله في ظل التداخل المربك لهذه العناصر وفي طليعتها:

1-                 قانون محاسبة سوريا: بوصفه ضوء أخضر أميركي لمعارضي الهيكلية الراهنة  للعلاقات اللبنانية السورية.

2-         القرار 1559 : وهو يكمل القانون السابق ويضيف إليه عودة فرنسا كلاعب رئيسي في لبنان. وذلك بوعد أميركي وبقرار صادر عن مجلس الأمن. إلا أنه يعكس بداية عودة الصراع بين الجماعة اليسوعية وجماعة البورد الأميركي والأهم أنه إعلان انعدام ثقة بين فرنسا وأميركا في لبنان.

3-          التحرك الفرنسي المستند إلى القرار السابق والذي يلقي تنفيذه العملي بتحريك الفئات اللبنانية المتفرنسة ( فرانكو فونية ) بدء من الجماعات اليوسوعية مرورا بجمهور المؤتمر الفرانكوفوني اللبناني وصولا إلى علاقة فرنسا ببعض الزعامات السياسية اللبنانية لها تصنيفها الخاص بدورها.

4-          الاستعداد الإسرائيلي لتخطي تفاهم نيسان والعودة إلى الساحة اللبنانية عن طريق إبطال التفاهم بالترويج لإرهابية حزب الله.

5-                 الجهود السورية لتحصين مواقعها اللبنانية.

      وهذه العناصر تعيد الساحة اللبنانية ساحة تجاذب بين أربعة لاعبين أساسيين هم: 1- سوريا 2- الولايات المتحدة 3- فرنسا  و4 إسرائيل. وهو ما يعني العودة إلى توازنات ما قبل الحرب اللبنانية حين كان لكل لاعب من هؤلاء أفرقاء المحليين المراهنين عليه. والمنوطين تحت لوائه. فهل نضف المواقف السياسية اللبنانية الراهنة وفق توزعهم على هؤلاء اللاعبين ومن خلفهم  ثانويين؟ن والجواب هو أن هذا الاقتراح مؤجل بسبب عدم اكتمال موازنة عودة هؤلاء إلى لبنان.

مما لا شك فيه أن الوجود السوري في لبنان يتعرض لضغوط متعددة الصدد ولمواقف انتقامية متعددة البواعث إلا أن الأكيد أيضا أن التراث الحضاري المشترك يعطي لسورية أفضلية لا يملكها باقي اللاعبين. أما بالنسبة للنفوذ الأميركي فهو دون شك حاضر صورة ضاغطة إلا أنه معاق بالعداء للممارسات الأميركية في العراق وفي المنطقة عموما.

وبالنسبة لإسرائيل فهي تنتظر الخلاص من عسكرة الانتفاضة وكذلك الترجمة العملية لمعودة الظهور الأميركي في الساحة اللبنانية وتبقى العودة الفرنسية التي تم الإعداد المسبق لها بعناية بالغة حيث مهدت فرنسا لهذه العودة بالخطوط التالية:

1-                 حرب كوسوفو التي أخرجها الإعلام دفاعا عن الإسلام الأوروبي وهي الحرب التي حسمت بإنزال بري فرنسي.

2-         معارضة حرب العراق: حيث بدت فرنسا متمسكة بالحفاظ على جيوسياسية المنطقة وعدم تعريضها لجرادات جغرافية غير ضرورية.

3-                 مؤترم بيروت الفرانكوفوني:الذي تميز بسخاء فرنسي بلغت لجهة المعنوية والمادية والأوسمة وغيرها.

4-                  عقد مؤتمرات باريس الاقتصادية اللبنانية.

5-                 الدعم الدبلوماسي لحكومات الحريري الصديق لشيراك وفرنسا.

6-                  مشاركتها الفاعلة في إخراج تفاهم نيسان.

7-                 إنعاش العلاقات الفرنسية مع التجمعات الصديقة لفرنسا منذ عهد الانتداب الفرنسي للبنان.

8-                 الاستعانة بدول وقوى إقليمية لتسهيل المصالح الفرنسية في لبنان.

9-         الوساطة الفرنسية في تنسيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. حيث هددت إسرائيل بانسحاب أحادي مفاجئ يعرض حياة مسيحي الشريط الجنوبي للانتقام بما يهدد باندلاع صراع أهلي جديد.

10-             تنشيط تحركات الجالية الفرنسية اللبنانية الأصل.

11-              احتيطان معارضين لبنانيين من أمثال ريمون إدة وأمين الجميل. وميشيل عون وغيرهم.

12-             المواقف الفرنسية اليمينية المعتدلة من الصراع العربي الإسرائيلي .

13-             قيادة فرنسا لمعارضة العولمة المتأمركة وحملة تحذير الدول النامية من أخطار الأمركة.

14-             اعتماد فرنسا لسياسة مصالحات في لبنان والمنطقة.

بذلك تعود المعارضة اللبنانية إلى التوزيع بين هؤلاء اللاعبين الرئيسيين الأربعة حيث أعباء الوجود الأميركي في العراق تتركز على إضعاف اللاعب السوري مع تعويق الفرنسي وتهيئة دور جديد للاعب الإسرائيلي .وسياسة الإضعاف هذه تصب في الاستراتيجية الأميركية  لإصابة القوى الإقليمية بالشلل.مثال ذلك تحركات قطر والبحرين والإمارات بمعزل عن السعودية. ومثلها تصعيد المعارضات اللبنانية  لسورية. ولو بثمن إدخال اللاعب الفرنسي إلى الساحة اللبنانية.

هذا التصنيف قد يكون تنظيما مقبولا لفهم تحولات الساحة السياسية اللبنانية  إلا أنه يفقد قبوله بسبب عدم ثبات ،كما عدم وضوح خليفة موافق اللاعبين الأربعة. فسورية أصبحت مثقلة بأعباء تناقضات الداخل اللبناني. وبما يبرر تفكيرها الجدي بالانسحاب العسكري من لبنان .أما اللاعب الأميركي فهو غير مبال بالتركيبة اللبنانية لدرجة استعداده لتفجير تناقضاتها ولو بثمن فوضى اصطناعية مبرمجة.

وتأتي إلى اللاعب الإسرائيلي المستعد دائما لقلب الطاولة بحجة عدم قبوله في المنطقة وبحثا عن 17 أيار جديد وأخيرا يأتي اللاعب الفرنسي  الذي يريد أن يبحث لنفسه عن مكان ودور في المنطقة. وهو يفضل الإقامة في الفندق اللبناني للأسباب المشروحة أعلاه.

وهكذا فإن عدم ثبات الساحة السياسية اللبنانية مرتبط بعدم ثبات مواقف اللاعبين الأجانب فيها. وهو مستتبع فوضى في مواقف اللاعبين اللبنانيين إذ يبرر التدخل الأميركي تضخم طموحات قائمة من الهاشميين السياسيين .ويبرر التدخل الفرنسي  تحولات بعض فاقدي الوزن من الساسة اللبنانيين في حين يبرر التراجع السوري تحفظات بعض  الجهات اللبنانية، بما يعيدنا إلى فقدان معايير تصنيف المعارضين في لبنان بما يقودنا إلى مواجهة  وقائع سياسية قاسية فيها:

1-                 وجود ملفات قضائية وتهم فساد بحق معظم المعارضين.

2-                 علاقة معظم التركية السياسية اللبنانية بارتكابات الحرب اللبنانية

3-                 استناد بعض المعارضين إلى المال السياسي وهو لا يضيع قواعد شعبية تجلب الاعتراف.

4-                 استناد بقية المعارضين إلى بعض الجهات المتصلة باللاعبين الأجانب.

5-         وأقع الدولة اللبنانية المتجلي بمديونية ضخمة ومؤسسات من الصعب إصلاحها بسحر ساحر/ بالإضافة إلى قائمة تجاوزات يمكن تجاهلها بعد دخول المخابرات الأميركية على الخط اللبناني بوسيلة ضغط على سوريا.

6-                 عدم تكامل مشروع وطني مستقبل للبلد بل انعدام وجود تصورات حل المشاكل الظاهرة على السطح وأهمها:

أ‌-                   المديونية التي قاربت حدود الأربعين مليار دولار.

ب‌-               مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وأوضاعهم المزرية.

ت‌-        عدم تكامل الجنوب اللبناني في الجسد الوطني وذلك بسبب معوقات مزارع شبعا والتهديدات الإسرائيلية والوجود الفلسطيني والردود الناظم لحزب الله في هذه التناقضات.

ث‌-        الحصار الاقتصادي غير المباشر المفروض على لبنان عبر إعلانه بلدا حاضنا للإرهاب وذي علاقات مع دول مغضوب عليها أميركيا.

ج‌-                  الأزمة الاقتصادية المتداخلة مع العوامل السابقة.

أمام هذه المعطيات يقف المواطن اللبناني حائر في توصيف المعارضة والموالاة وفاقدا لمعايير وتصنيفها لدرجة تجعله يستشعر إمكانية سوقة واقتياده إلى وضعية ما قبل الحرب اللبنانية بتصنيفاتها الطائفية والفئوية.

حيث يطرح سؤال لا بد منه حول إمكانية استيعاب أية فوضى اصطناعية والأطراف المعنية بإشعال مثل هذا الفوضى وأيضا مقابلتها المعنية باحتواء مثل هذه الفوضى وإخمادها.

الأخطاء الأميركية في الشرق الأوسط

يمكن للأثرياء أن يسمحوا لأنفسهم بترف الخسارة وللأقوياء أن يستحوا لأنفسهم بترف الخطأ شرط ألا يتجاوز الترف عتبة القدرة على التعويض وإصلاح الضرر.

فالعجز عن هذا التعويض هي وضعية  الولايات المتحدة الراهنة في الشرق الأوسط.

ولنعد سنوات قليلة إلى الوراء لغاية عهد الرئيس كلينتون الذي حقق مصالح بلاده بامتياز في الشرق الأوسط كما في العالم . مما جعل المعلقين يجمعون على كون كلينتون عبقرية اقتصادية وأنجح سياسي اقتصادي أميركي منذ الحرب العالمية الثانية.

وجاء جورج ووكر بوش، حاملا السؤال الهم وهو: إلى متى نستطيع الاستمرار في سياسة كلينتون؟ والجواب يتضمن ضرورة تخطي الثوابت الاستراتيجية الأميركية والانقلاب عليها  للتخلص من أصفادها. وفي مقدمة هذه الثوابت التالية:

1-         عدم المساس بجيوسياسية الشرق الأوسط بسبب حساسية المصالح النفطية الأميركية فيها. هو ما عاد فأكده الرئيس نيكسون في سياق سعيه لإعادة تنظيم تحالفات داعمة لاستقرار المصالح الأميركية ومستقبلها.

2-                 عدم خوض حروب غير محدودة التكاليف البشرية والمادية  والفترة الزمنية اللازمة لحسمها.

3-         ضرورة توريط الأصدقاء والحلفاء والمؤسسات العالمية لتكون متورطة في أي تحرك عسكري أميركي ولو توقف عند حدود إنشاء قاعدة عسكرية ثانوية.

4-         اختيار العراق كنقطة ضعف لاختراق المنطقة وهو بلد يعيش واقعا مأساويا بعد حصار عشر سنوات مما يجعل من آثار الحرب الأميركية عليه أكثر بروزا وضخامة وإدانة.

5-         التهافت على تسريع الحرب العراقية لدرجة عدم التريق لغاية جمع هو أدنى من الحلفاء بل أن التهافت وصل حدود تسريع الحرب رغما عن الحليف البريطاني وخفيه عنه بث حجة واهمة وكاذبة عن وجود صدام في مكان يمكن اغتياله فيه.

6-         عدم حشد القوات العسكرية الكافية لاحتلال العراق لدرجة الانتظار لاستقدام دعم عسكري إضافي والاضطرار إلى استخدام أسلحة ذات ثمن استراتيجي مكلف.

7-          التعجل في إعلان نهاية الحرب وذلك إرضاء للكونغرس والتظاهر بالالتزام بتوقيت نهاية الحرب. وهذا التعجل أعطى فرصة نادرة للمقاومة العراقية كي تجر أميركا إلى حرب ثانية غير تلك التي أعلن بوش نهايتها.

8-          التعجل في إعلان حل الجيش العراقي وتسريحه وذلك خوفا من تنظيم خلايا مقاومة في داخله فكانت النتيجة تحويل الجيش بأكمله إلى مقاوم أو عاطل عن العمل مرشح للفوضى.

9-         تضخيم فعالية المعارضة العراقية لصدام على الرغم من وجود تقارير مخابراتية قدمت إلى كلينتون وهي جعلته يحدد حجم دعمه لمجمل فصائل هذه المعارضة بمئة مليون دولار فقط والترجمة السياسية لهذا الدعم تعني أن هذه الفصائل عاجزة عن تنظيم  مجرد مظاهر ضد النظام.

10-        التضليل الإعلامي عبر تجاهل جديدة تهديد وحجم المقاومة العراقية الأميركية الأمر الذي ضاعف الحرج الأميركي أمام تعرض زعماء المعارضة المتأمركين للاعتداءات.

11-              العجز الأميركي المستمر عن تحقيق الاستقرار في العراق لغاية العجز عن إجراء انتخابات ذات شكل ديمقراطي.

12-             تعرض القوات والشركات الأميركية لعمليات كبرى تم التكتم عنها معظمها لكنها فحضت الثغرات الأمينة وأخطائها.

13-       الزيارات المذعورة لبوش ولعدد من المسؤولين الأميركيين وكذلك طريقة مغادرة الحاكم بريمر للعراق كلها تشير إلى عجز الأمن الأميركي عن حماية أشخاص أمام المقاومة العراقية.

14-               العجز الأميركي المخباراتي عن تحديد حجم وفعالية وسبل تمويل وتوزيع القوى المشاركة في المقاومة العراقية.

15-             التكتم على الخسائر البشرية والمادية في العراق بما سيؤدي إلى فضائح لدى  الإعلان المؤجل عن هذه الخسائر.

16-       التفاؤل المرضي حول سهولة احتلال العراق، ومسارعة بوش بإطلاق تهديداته  وعدوانيته ضد باقي دول المنطقة عما أفقده إمكانيات تعاونها.

اللــــواء في 18 يناير 2005 

الإنتخابات اللبنانية محمد النابلسي العربية نت

عودة الى الرئيسية

لماذا يهرب الأميركيون يا سعادة السفير؟.

د. محمد أحمد النابلسي.

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اللــــــــواء في 11 يناير 2005

 

ليتها ما زنت ولا تصدقت...

    ينطبق هذا القول على كامل السلوك الأميركي في العالم الثالث. من فنزويلا ولغاية لبنان. فهي أجبرت شافيز على إجراء استفتاء وهو الرئيس المنتخب بأكثر صور الديموقراطية شرعية. وهو الرئيس المنتخب بأكثر صور الديمقراطية شرعية. وكان ذلك تحت ضغط متلقي الصدقات الأميركية من الفنزويليين. فالمسألة إذا لا علاقة لها لا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان أو غيرها من الحقوق. وهذا ما نقرأه في حديث السفير الأميركي في لبنان حول إصرار بلاده على الديمقراطية الانتخابية اللبنانية. فأول الديمقراطية قياس نسبة اللبنانيين  الذين يقبلون بالإشراف الأميركي على إنتخاباتهم. أما أول الشرعية الدولية فهو البحث عن لعنة تليق بوقاحة هذه الصدقة الأميركية.

      وإذا كان سعادة السفير يتكلم بمثل هذه اللهجة الجارحة فإن الحاجة ملحة لطرح بعض الأسئلة الصريح عليه ومنها على الصعيد اللبناني:

1-                  هل ينكر الأميركيون تدخلهم وضغوطهم في الانتخابات السابقة؟.

2-                  هل يعتقد السفير أن أسماء المتعاملين مع مخابراته مجهولة من الناخبين؟.

3-                  هل يظن الأميركيون أن نجاح المال السياسي مقدمة لتطبيق سياسة الدولار في لبنان؟.

4-                   هل يريد سعادته أن يجري في لبنان انتخابات على نسق الانتخابات العراقية الموعودة؟.

5-                  هل نسي الأميركيون هشاشة المعارضين العراقيين المتأمركين كي يكرروا الخطأ في لبنان؟.

6-                  هل يسأل الأميركيون الانتداب الفرنسي عن تجربته في سقوط كل الزعامات المتعاملة مع الانتداب؟.

7-                  لماذا يتجاهل الأميركيون التعددية اللبنانية التي يستحيل السيطرة عليها من قبل أية قوة كانت.

8-                   هل راجع الأميركيون التجربة الإسرائيلية في لبنان؟.

9-         هل يرتكب الأميركيون خطأ التحول من الدعارة السرية (العمليات المخابراتية السياسية) إلى الدعارة العلنية (العمليات المخابراتية القذرة)؟.

10-               هل  يراجع الأميركيون تجربة سقوط النظام العراقي واعتقال صدام حسين وفي مقابلهما تصاعد المقاومة العراقية؟.

11-               هل يحتاج الأميركيون لمن  يذكرهم بحجم الاغتراب اللبناني. مع التذكير بتعددية وتلوينات هذا  الاغتراب؟.

12-               هل تكون تصريحات السفير مقدمة لتطبيق سياسة الدولار والمساومة على مديونية الدولة اللبنانية؟.

13-              ما هي نسبة الصدفة بارتباط ديمقراطية السفير الأميركي مع المال السياسي وموظفيه من السياسيين؟.

14-              هل يبتعد تدخل السفير الأميركي عن العمل المخابراتي الذي يتخذه البعض حجة معارضة؟.

15-               هل يقتنع اللبناني بالهروب من أجهزته الأمنية إلى أجهزة المخابرات الأميركية؟.

16-               هل نسي اللبناني أن تقويض المكتب الثاني اللبناني (جهاز أمني) هو الذي مهد للحرب الأهلية اللبنانية؟.

17-               هل يتمنى أي لبناني لبلده الديمقراطية الأميركية في العراق؟.

18-              لا نجد ضرورة للتذكير بالزعامات اللبنانية التي وثقت بالأميركيين وتخلوا عنها لتواجه قدرها ولكن هل يعرفهم السفير؟.

19-              هل يحتاط السفير بهذه التصريحات لدخول  الفرنسيين على الخط اللبناني عبر القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن؟.

20-                هل يمهد الأميركيون لخلق فوضى لبنانية تخفف من إحراجهم في المأزق العراقي؟ أم تراهم يهددون بحرب أهلية جديدة؟.

21-               ما هو حجم الزيادة التي يطلبها الأميركيون في حصتهم داخل البرلمان اللبناني؟.

22-               هل يطمح سعادة السفير إلى حكومة جامعة أميركية على نمط حكومة الشباب ما قبل الحرب الأهلية؟.

23-              هل يريد بوش استعادة هيبة أميركا في لبنان بمعاودة إنزال المارينز في بيروت؟.

24-               هل يريد السفير من تصريحاته عرقلة الانتخابات اللبنانية للمساومة على منع حدوثها ما لم تجري الانتخابات العراقية؟.

25-              هل يريد الأميركيون دغدغة الطموحات الانفصالية اللبنانية عبر الإيحاء بقرب تقسيم العراق؟.

26-              كيف يجمع الأميركيون أصحاب الطموحات الانفصالية حولهم؟.

27-               ما هي حصة فرنسا الزاحفة حديثا إلى لبنان؟، وماذا يبقى لها بعد شروط السفير الأميركي؟.

28-               هل تريد الديمقراطية الأميركية فلسفة الفساد اللبناني. وهذا ما توحي به زيارات سعادة السفير؟.

29-        بقليل من العقلانية هل يمكن للسفارة الأميركية أن تتبنى علنا أحد المرشحين وتضمن فوزه في الانتخابات حاملا صفة عميل لها؟.

30-                هل يغري السفير اللبنانيين بالسماح بزراعة المخدرات على غرار السماح الأميركي بعودة أفغانستان لهذه الزراعة؟.

31-        هل يدرك اللبنانيون السعي الأميركي الحثيث لتوطين الفلسطينيين في لبنان؟. وهل هم يريدون برلمانا ورئيسا لبنانيا لتمرير التوطين؟.

32-        هل تعني أحاديث السفير العمل على تجميع مسيحي الشرق (العراقيون خاصة ) في لبنان لمعاودة تهجيرهم  إلى ولاية إيلينوي؟.

33-       هل تدرك إدارة بوش الجديدة أن تصدير الفوضى الداخلية الأميركية  إلى الخارج مع تخويف هذا الدخل من الإرهاب لم تعد كلها حجج مقنعة للمواطن الأميركي الذي يرى ويعيش تراجع قدرته الشرائية وأمنه ومستقبله.

بعد هذه القائمة من الأسئلة سؤال ختامي لسعادة السفير وهو حول تنامي أعداد الأميركيين المهاجرين إلى كندا هربا من ديمقراطية بوش  المتدهورة والمراجعة. وفي ذلك بحث عن الحقوق والديمقراطية خارج الولايات المتحدة. فهل يفسر لنا سعادته أسباب هروب الأميركيين من بلادهم؟.

 عودة الى الرئيسية

مغامرة بوش والخيبة الاميركية في العراق

د. محمد أحمد النابلسي.

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اللــــواء في 3 يناير 2005

     الخيبة الأميركية أمام سقوط مشاريعها الشرق أوسطية السابقة ضئيلة في مقابل الخيبة الراهنة. فعندما سقط مشروع حلف بغداد، كانت الولايات المتحدة بصحتها الكاملة ومن هنا قدرتها على ابتلاع الفشل، وقبله قدرتها على تخطيط أفضل للموضوع.

ففي تلك الفترة من الخمسينيات كان الاقتصاد الأميركي معافى، أما السياسة الخارجة الأميركية فكانت تمتع بسطوة كبيرة على حلفائها في المنطقة والعالم.

وكانت هذه العافية ممتدة إلى هؤلاء الحلفاء إذ كانت إسرائيل وتركيا وإيران في أوج قوتها العسكرية الاقتصادية وكل هذه المظاهر الصحية كانت مدعومة بأجهزة مخابراتية قادرة وحرة في تنفيذ العمليات القذرة.

     في المقابل كانت الدول المعارضة لحلف بغداد دولاً فقيرة وضعيفة. ومع ذلك فهي تمكنت من إسقاط هذا الحلف. وكان هذا السقوط مرتبطا بمعادلة المصلحة الأميركية،وهي معادلة تدفع بأميركا للتراجع عن أي مشروع يهدد مصالحها. فالمبدأ الأميركي يقول  بأن رب البيت العاقل لا يصنع في بيته ما يمكنه شراءه من الخارج بكلفة أقل.

الإدارة الأميركية الحالية خرجت على هذا المبدأ وعلى كل المبادئ التي وضعت الخطوط الحمراء الحائلة دون تورط استراتيجي أميركي. وكانت حرب فيتنام مصدراً للمزيد من هذه الخطوط الحمراء التي داستها إدارة بوش. وذريعة ذلك هو الضعف الأميركي على الصعيد الاقتصادي والسياسة الداخلية والخارجية.

هذا الضعف الذي يقارب الانهيار هو الذي يعطي لبوش الإبن صفة "الماشيح المخلص" عبر هيجانه الهوسي في مناطق النفط في الشرق المسلم. هذا الهيجان المنتشي بالتفوق العسكري، والذي يربط سقوط المشاريع الأميركية السابقة بخوف الرؤساء السابقين من المبالغة في استخدام القوة. في حين يتمتع بوش بالشجاعة الكافية لاستخدام أقصى حدود القوة ( أو هكذا أقنعه الصقور على الأقل). مثال ذلك أن نيكسون تقبل هزيمة فيتنام لأنه خاف من الخيار النووي أما الرئيس كلينتون فهو عجز برأي بوش وفريقه عن تحقيق أية حلول للمشاكل الأميركية لأنه رفض استخدام أسلحة ذات ثمن استراتيجي وذلك أيضا بدافع الخوف.

هكذا تم إقناع بوش بأنه الرئيس الشجاع الثاني بعد ترومان الذي خلق زعامة أميركا العالمية بجرأته على إلقاء قنبليتين نوويتين على اليابان وكان مستعدا لإلقاء قنابل أخرى لو لم تستسلم اليابان في حينه.

إلا أن الشكوك بشجاعة بوش تتراكم عبر أنباء اختبائه عقب حوادث 11 أيلول وعدم خروجه من مخبئه إلا بعد أن نهرته أمه باربارا ، ومن علائم ضعف الشجاعة أيضا اختيار بوش لأضعف دول العالم (أفغانستان، والعراق) لمحاربتها. في حين أنه يتهرب من مواجهة دول أقوى قليلا منها ( كوريا وإيران). بل أنه يلجأ للاختباء وراء الدول المتضررة من تنامي قوة هذه الدول (أوروبا بالنسبة لإيران الصين بالنسبة لكوريا). حتى أنه يطلب وساطة هذه الدول في الحوار مع هؤلاء الأعضاء في محور الشر.

    حجة إدارة بوش في اعتمادها أسلوب المقامرة العسكرية والسياسية تقوم على كون سياسات كلينتون مجرد حلول مؤقتة غير قابلة للاعتماد على الدوام, وبالنظر إلى ضخامة الأزمات الإيرانية فإن الهياج الهوسي والتهديد بإمكانية تحول أميركا إلى الحمق هو الحل الوحيد للحالة الأميركية.

وواقع الأمر أن مقامرة بوش قد تمكنت فعلا من تحقيق جملة أهداف استراتيجية أهمها.

1-         تصدير الفوضى الداخلية الأميركية إلى الخارج، بحيث بات الداخل الأميركي يخشى الإرهاب. وهو يجد فيه عدوا مهددا مما يصرفه عن الإضرابات والشغب العنصري وغيرها من مظاهر الفوضى.

2-          إحداث زلزال جيو سياسي في المنطقة النفطية الشرق أوسطية بحيث يستحيل إعادتها إلى حالة ما قبل حربي العراق وأفغانستان،وبحيث يستحيل ترتيبها بدون تدخل أميركي.

3-                   تعويم الشركات الأميركية المفلسة، وفي طليعتها شركة ديك تشيني المسماة هاليبرتون، وذلك باستغلال النفط العراقي.

4-         إيجاد خلل علائقي بين دول المنطقة. قوام الخلل إضعاف القوى والمؤسسات الإقليمية مع تحويل المرجعية إلى القوة الأميركية الطارئة في العراق مثال ذلك تجرؤ البحرين على تحدي السعودية بتوقيعها اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا وهو أمر كان مستحيلا قبل احتلال العراق.

5-         امتلاك أميركا القدرة على التحرك في المنطقة وإثارة الأحقاد التاريخية فيها، والأمر الذي يمكن أميركا من تهديد  استقرار دول المنطقة ومساومتها بهذا الخصوص.

6-                  تحقيق اختراقات واسعة في الدول السوفياتية السابقة وكذلك على تخوم الصين بما  يشكل احتواء مزدوجا للصين ولروسيا.

7-          تحسين قدرة أميركا على التحكم بأسعار النفط والتلاعب بها بحي تسدد الدول الصناعية الكبرى فواتير هذه  التقلبات المبرمجة في أسعار النفط.

8-         أكدت أميركا على تجاوزها للثوابت الاستراتيجية القديمة التي كانت تعيق القوة الأميركية وتلجمها وهو أمر يخيف الدول الكبرى من دول محور الشر.

9-         الخلاص من الالتزامات الأميركية تجاه الأمم المتحدة  ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي وهذا الخلاص سوف يسمح للولايات المتحدة لاحقا المطالبة بتعديل قوانين هذه المؤسسات حتى أن دعوة أميركية انطلقت صريحة لتعديل ميثاق الأمم المتحدة وقوانين مجلس الأمن.

10-                التمهيد لعودة أميركية قوية إلى الشرق الأقصى ومناطق نفوذ أميركية أخرى.

11-        تضخم الدور السياسي الأميركي في المنطقة بحيث بات من الممكن لها التهديد بالانسحاب من العراق لتركه فريسة حرب أهلية وفتنة مذهبية تمتد إلى دول المنطقة.

12-               إعادة إبراز الصورة الإيرانية بصورة الدولة الصفوية المهددة لدول المنطقة العربية.

        لكن هذه النجاحات الكبيرة لم تبقى خالصة وبعيدة عن مخاطر الانزلاق الأميركي في اللعنات الشرقية الأسطورية ولعل أهم هذه المخاطر هي التالية:

1.    إن التفرد الأميركي في السياسة الدولية ( الحروب والنفط والإستراتيجيا العالمية عامة) لايمكنه أن يمر بدون معارضة القوى الأصغر. وإن كانت من نوع المعارضة السلبية.

2.    تخطي الولايات المتحدة للأمم المتحدة ولكل مؤسسات الشرعية الدولبة دون طرح بدائل. الأمر الذي يهدد بقية دول العالم بفوضى إستراتيجية عارمة تهدد مستقبلها.

3.   أن الولايات المتحدة تتجاهل التجارب التاريخية التي تثبت فشل كل المشاريع العالمية في التاريخ إن هي تعارضت مع الطموحات الإقليمية. وتجربة الشرق الأوسط تبين أن اللاعبين الإقليميين يقهرون دوماً هذه المشاريع. فهي تتجاهل مصالحهم كما أنها عاجزة عن تقديم تضحيات وتحمل خسائر بحجم تلك التي يتحملها اللاعبون الإقليميون.

4.   القرار 1559 يؤكد قانون محاسبة سوريا الأميركي دون أن يضيف جديداً للسياسة الأميركية. فهو مجرد صك كاتب عدل الأمم المتحدة لحفظ الحقوق الفرنسية في لبنان. وهذا يعكس حالة إنعدام الثقة بين فرنسا وأميركا. بما يشكل مقدمة لدخولهما قريباً في صراع مصالح في المنطقة.

في الخلاصة وبعيداً عن الدروشة السياسية نقول أن قدرة الأذى الأميركي للعرب مخيفة الى حد الرهبة. ولنا أن نرهب التهديدات الأميركية ونخشى على مستقبلنا منها. ولكن هذا الضرر العربي ليس نصراً أميركياً ولن يكون. فبالعودة الى سايكس بيكو نجد أنها بترت أوصال الشام التاريخي ومهدت لأحقاد متعددة وبالغة الضرر به وبشعوبه. إلا أن هذه الإتفاقية لم تستطع حماية المصالح الأجنبية في المنطقة. وتبقى لنا المقارنة.

عودة الى الرئيسية

الاستراتيجية القادمة للولايات المتحدة.

د. محمد أحمد النابلسي.

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

       كان من الطبيعي أن يؤدي سقوط المنظومة الاشتراكية إلى حدوث زلزال جيو استراتيجي عالمي. وهو زلزال يستمر في إنتاج توابع زلزالية عنيفة. وهكذا طرحت جملة إشكاليات استراتيجية بمجرد الإعلان عن سقوط جدار برلين، ومن أهم هذه الأزمات التالية:

1-         فقدان العدو الأميركي: بالعودة  إلى نظرية الاستقراء التاريخي نجد أن براغماتية السياسية الأميركية جعلتها تتموقع بالنسبة إلى عدوها. وذلك لغاية التواطؤ مع هذا العدو. الذي تمثل بأوروبا لغاية مطلع القرن العشرين، ثم أعقبتها النازية ومن بعدها الشيوعية فإذا ما سقطت هذه الأخيرة وجدت أميركا نفسها بدون عدو. وعندها ظهرت تحولات صدام الحضارات والحرب على الإرهاب من بعدها.

2-         القطب  الخفي: كان من الصعوبة بمكان الاقتناع بنهاية التاريخ وتحوله إلى نمط السوق الأميركية. لأن تاريخ الإنسانية لم يعرف مثل هذه الآحادية القطبية ومن هنا توالت ترشيحات عديدة للقطب المستقبلي ( العدو). فكان ترشيح الإسلام والكونفوشية ( الصين) بحسب صدام الحضارات، وأيضا ترشيح أوروبا القديمة ( جاك آتالي في كتابه: الألفية الجديدة وغيره من المؤلفين). وتخيل بعضهم ابنعاث القيصرية الروسية عبر اتحاد روسيا مع بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق. لكن أياً من هذه الترشيحات لم تجد وسائل الإقناع اللازمة لاعتمادها.

3-          الصين المهددة: بعض الأكادميين الأميركيين أصروا على كون الصين هي العدو الحقيقي القادم واستدلوا على ذلك بكونها " المارد الأصفر " المهدد تاريخيا للقوى الكبرى. ودعموا رأيهم بفكرة عبر عنها الرئيس  نيكسون بالقول بأن الصين لا تستعجل بصدام أعدائها وإنما هي تلجأ إلى  احتوائهم وتأمل بسقوطهم مع الوقت. فإذا ما جاءت حادثة  السفارة الصينية في بلغراد ومن بعدها حادثة الطائرة الصينية ،بعد شهر من ولاية بوش الأولى، تمكن هؤلاء من إثبات خطورة الصين المؤجلة، فكانت استراتيجية احتواء الصين ومحاصرتها أحد أهم قرارات إدارة بوش الإبن. إلا أن تأجيل هذا الخطر وكمونه استدعى تخليق أعداء وهميين لتبرير الخطوات الأميركية لاحتواء الصين. وبلغ الاستخفاف الأميركي درجة قبول الأفراد كأعداء افتراضيين. حيث تم ترشيح بن لادن وصدام حسين وهيغو شافيز وقائمة من الأفراد لدور العداء الفردي لأميركا. وهذا القبول يعكس قصوراً استراتيجيا هاما وشعورا بأخطار غير عسكرية داهمة.

4-         تحالفات المصالح المعادية لأميركا: احتوت السياسة الأميركية مجموعة كبيرة من القوى الخفية لتوظيفها ضد الاتحاد السوفياتي وذلك لدرجة إعلان شراكة أميركية مع هذه القوى. فإذا ما سقطت الشيوعية وجدت هذه القوى نفسها خارج اللعبة فتضاربت مصالحها مع السياسة الأميركية. وكان من الطبيعي أن تتعاون هذه القوى في ما بينها لحماية نفسها. وذلك بالرغم من التناقضات الهائلة في ما بينها. فهذه القوى تضم أطرفاً مثل: "الجريمة المنظمة" و" القاعدة/ طالبان" و "الفاتيكان : كاثوليك أميركا" و "كارتل المخدرات" و "بقايا الأجهزة الأمنية المتخلفة عن الشيوعية" والقوميات المتخلفة عن سقوط  الشيوعية والعرب فاقدي الثنائية القطبية  والسلاح الروسي وغيرهم. ويمكن  لمجموعة هذه القوى أن تكون مسؤولة عن حوادث 11 أيلول بدعم حثيث من الفساد الداخلي الأميركي (خاصة المجرمين الاقتصاديين أصحاب الشركات الكبرى المفلسة ) أما الصين فهي خارج مثل هذه اللعبة لمن يعرف نمطها في احتواء أعدائها.

5-         الخطر الأوروبي: لاحت بوادر هذا الخطر منذ محاولة إرساء الاتحاد الأوروبي  والسعي لإصدار عملته الموحدة. وزاد الخطر عندما تم دعم الاتحاد اقتصاديا من بعض الدول النفطية والصناعية. فإذا ما سقطت الشيوعية طرح الأميركيون فرضية الانفجار الأوروبي وهم أقنعوا الجميع بأن غياب العدو الشيوعي قد يفقد أوروبا لحمتها ويوقط الأحقاد التاريخية بين دولها. خاصة مع معاودة إندلاع أزمات البلقان. وبذلك أصبح الوجود العسكري والهيمنة الأميركية ضرورات للحفاظ على أمن أوروبا وسلامتها. وبمعنى آخر فقد تم احتواء أوروبا بعد سقوط الشيوعية بصورة أفضل من قبلها.

6-         تعديل ميثاق الأطلسي: سقوط الشيوعية يعني سقوط حلف الأطلسي فنهاية الحروب تترافق مع نهاية الأحلاف والمؤسسات القائمة  قبل نهاية الحرب. وبالنسبة للأطلسي فهو قائم على مبدأ مواجهة دول حلف وارسو الزائل. وبذلك فهو فقد دوره  وسقط. لذلك كان التحرك الأميركي الدائب والسريع لتعديل ميثاق الحلف وإعادته للحياة. وبذلك حفاظ على الوجود والحماية العسكرية الأميركية لأوروبا. وتم التمهيد لتعديل ميثاق الحلف عبر حروب البوسنة والهرسك، وأخيرا كوسوفو التي أدت إلى هذا التعديل بتاريخ 26/ 4/ 1999 واقتضى التعديل حق دول الحلف في الحفاظ على مصالحها والتدخل العسكري خارج أراضيها لهذه الغاية وبمعنى آخر فإن هذا التعديل أخرج الأمم المتحدة من قرارات التدخل العسكري للحلف. بما يعادل  سقوط منظمة الأمم المتحدة منذ تاريخ  تعديل ميثاق الأطلسي.

7-          تعديل هيكلية الأمم المتحدة  ومؤسساتها: تبعاً للإستقراء التاريخي سقطت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية لتظهر نسختها المعدلة الأمم المتحدة. وبات من الواجب إظهار نسخة معدلة عن الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة. لكن الولايات المتحدة وتجنباً للضجيج فضلت ترك الأمم المتحدة كي تلقى حتفها تدريجيا. وذلك عبر جملة تحركات أميركية أهمها التالية:

أ‌-          حرب العراق الأولى: التي اغتصبت دور الوساطة في حل النزعات  من الأمم المتحدة  كما من المؤسسات الإقليمية وخاصة الجامعة العربية.

ب‌-                إشعال حروب البلقان بتدخل أميركي لا يقبل النقاش.

ت‌-        الشروط الأميركية لخوض حرب كوسوفو وفي مقدمتها رفض إعلانها حرباً والإكتفاء بإعتبارها عملية عسكرية. لإصابة الأمم  المتحدة بالشلل وانتزاع صلاحياتها.

ث‌-                 التهرب الأميركي من توقيع 240 اتفاقية دولية منها اتفاقية كيوتو والمحكمة الجنائية الدولية.

ج‌-                  المخالفات الأميركية الصريحة لاتفاقية التجارة الدولية الغات وغيرها من الاتفاقيات.

ح‌-         التحول الأميركي الصريح للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة واستخدام العمليات المخابراتية القذرة ضد هذه الدول.

خ‌-                  التدخل في علميات تفتيش الأمم المتحدة على أسلحة العراق.

د‌-         تدخل بلغ حدود فضائح أعلن عنها رئيس مفتشي الأمم المتحدة. هاينز بليكس و كان الجواب الأميركي اتهام بليكس بالشذوذ الجنسي بما يعكس لهجة  خطاب دولي غير مهذب للقوة الأعظم.

ذ‌-         شن الحرب على العراق بدون موافقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وحلف الأطلسي وهو ما يعادل الإعلان عن إلغاء حاسم لكل هذه المؤسسات دفعة واحدة.

ر‌-          بداية  طرح أسئلة أميركية من نوع: " تعديل ميثاق الأمم المتحدة " و"تغيير هيكلية مجلس الأمن" وصولا لطرح السؤال: هل تبقى الأمم المتحدة؟. وهكذا تم تفريغ الأمم المتحدة من فعالتيها الإجرائية لتبدأ خطوات القضاء الأميركي عليها عبر التحركات التالية.

أ‌-                    تصعيد الحملة ضد بليكس وفريقه.

ب‌-                 شن حملة عنيفة ضد الأمين العام كوفي عنان.

ت‌-                تفجير فضيحة ابن كوفي عنان بالتورط في رشاوي عراقية.

ث‌-                الاستمرارية في عدم دفع المستحقات الأميركية المتوجبة للأمم المتحدة .

ج‌-         تحويل مجلس الأمن إلى كاتب عدل (شهر عقاري) لاستصدار قرارات من نوع القرار 1559 الذي يفقد كل مصداقية لصدوره عن مؤسسة في الظروف المذكورة أعلاه.

ح‌-                  الإصرار على توريط الأمم المتحدة في المشروع الأميركي في العراق.

8-         القضاء على المنظمات الإقليمية: وهو نتيجة طبيعية لسلوك القضاء على الأمم المتحدة نفسها. فأميركا لا تريد استمرارية أية مؤسسة عالمية أو إقليمية قديمة فهي تريد هدمها جميعها لإقامة مؤسسات بديلة لها على النمط الذي يخدم المصالح الأميركية بعبودية كاملة بل أن الولايات المتحدة  تسعى جاهدة من أجل القضاء على أية قوة إقليمية أو تجمع مهما كان نوعه بما في ذلك الاتحاد الأوربي واستعراض الجهود الأميركية في هذه المجالات يحتاج إلى دراسات مطولة نكتفي بعناوينها التالية:

1-         الاتحاد الأوروبي: جهدت أميركا لهدمه عبر جره إلى حرب كوسوفو وإعادة إعمارها ومن ثم الموافقة على تعديلات الأطلسي المخالفة المواثيق الاتحاد. وبعد ذلك  شرذمة دوله في مواقفها من حرب العراق. وأخيرا سياسة إضعاف الدولار المهددة للاقتصاد الأوروبي. عداك عن منع الاتحاد من تكوين قوته الخاصة للتدخل السريع ومعها الاحتفاظ بالقواعد العسكرية الأميركية في أوروبا. وهو ما ينطوي على تهديد ضمني بتفجير الأحقاد التاريخية من إيطاليا وبلجيكا وإيرلندا وخصوصا في سويسرا .

2-                  الجامعة العربية : التي أصيبت في مقتل أثناء حرب العراق.

3-         مجلس التعاون الخليجي:  حيث شجعت أميركا أعضاءه على التمرد ضد السعودية فكان إعلان البحرين مملكة والاتفاق الحدودي القطري البحريني وإنشاء مدينة دبي الإعلامية وأخيرا اتفاقية التجارة الأميركية البحرينية التي نسفت آخر قمة للمجلس.

4-         مشروع الاتحاد الروسي: حيث تتدخل الولايات المتحدة بصورة علنية لإسقاط الزعماء المؤيدين لهذا المشروع في الدول المعنية .

5-         تكثيف التحرك الأميركي في الشرق الأقصى، وذلك بهدف التحكم بأية محاولة لتأسيس تفاهم إقليمي وأيضا الاحتواء التعاون الروسي مع الشرق الأقصى.

6-         عزل التحالفات الصينية، حيث تهدد الولايات المتحدة أية دولة تسعى لإيجاد صيغة تعاون مع الصين وبخاصة الدول الشرق أوسطية.

7-         إطلاق مشاريع إقليمية غلبية: وفي طليعتها مشروع الشرق الأوسط الكبير وهو يملك عوامل تفجيره في تناقضاته الداخلية إلا أنه جدير بإجهاض المشاريع الإقليمية الفرعية.

8-          احتواء مشروع تجمع دول الجوار العراقي: حيث كان مؤتمر شرم الشيخ تحذيرا لهذه الدول وحصر دورها في محاولة إنجاح مغامرة الانتخابات العراقية.

9-         كارثة الاقتصاد الأميركي: كان سقوط الاتحاد السوفياتي شديد الوطأة التكلفة على الاقتصاد الأميركي. وإذا كان بوش الأب قد نجح في إنعاش الاقتصاد عبر حرب العراق الأولى فإن كلينتون نجح في اعتماد تقنيات اقتصادية ذكية لكنها غير كافية للإنقاذ جاء بوش الابن ليواجه سرطانا اقتصاديا لا يمكن حله إلا بفرض الإتاوة على العالم وهذا هو التفسير لسياسات بوش الراهنة.

عودة الى الرئيسية

عـــودة الجنرال غــورو الى صلاح الدين اللبناني

اللواء في 2 فبراير 2005

ها نحن عدنا يا صلاح الدين فانهض وتصد لنا .....

      في عشرينيات القرن الماضي قام الجنرال غورو خلال فترة الإنتداب الفرنسي على لبنان وسوريا بزيارة لقبر صلاح الدين وخاطبه بهذه الجملة: ها نحن عدنا يا صلاح الدين فانهض وتصد لنا.

      إن سلوك السفير الفرنسي لدى لبنان السيد برنار إيميه يذكرنا بهذه الواقعة. فهو وفي اليوم التالي لتقديم أوراق إعتماده بدأ يتصرف وكأنه المندوب السامي الفرنسي القادم صبيحة اليوم التالي لزيارة غورو لقبر صلاح الدين الأيوبي. وهو يركز على فكرة سياسية ذات طابع وسواسي قهري. مفادها أن لبنان هو بوابة فرنسا الى الشرق الأوسط. وهي فكرة لا تتسم بالعبقرية إذ طالما لعب لبنان هذا الدور وأخيراً عبر المؤتمر الفرانكوفوني ما قبل الأخير المنعقد في بيروت. ونحن اللبنانيون لا نعاني من أية عقدة في لعب هذا الدور سياسياً وإقتصادياً وثقافياً. لكن مشكلتنا تتعلق بلهجة التأنيب التي يعتمدها سعادة السفير. وهي تعادل قوله في كل تصريحاته: " حسناً أيها اللبنانيون. لقد منحناكم إستقلالاً لم تستحقوه فعدنا لنعيدكم الى إنتداب فرنسا...".

     تصرفات السيد إيميه توحي بأن السياسات الفرنسية ومواقفها تجاه المنطقة مرتبطة بالتحضير للعودة الى إنتدابها على لبنان. وهي مواقف تستند الى معرفة بثقافة المنطقة وميولها الواعية واللاواعية. ومن هذه التصرفات التحضيرية:

1.    جملة مواقف فرنسية غازلت الشارع العربي وتوددت إليه. ومنها مواقف: الإعتذار عن الحروب الصليبية والإنزال البري الفرنسي في كوسوفو ومعارضة الحرب على العراق... الخ. من المواقف التي تخدم المصالح الفرنسية ضمن دبكور يرضي شعوب المنطقة.

2.       تدعيم العلاقات الفرنسية مع قطاع من المسلمين اللبنانيين تجنباً للطابع المسيحي للعلاقات الفرنسية اللبنانية.

3.   إستقبال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بما يتجاوز البروتوكول الفرنسي. بما يعادل مصالحة فرنسية مع الدروز (بعد احداث 1864) وتشجيعاً لإقامة علاقات درزية- مارونية برعاية فرنسية.

4.      إحتضان الجنرال عون وقائمة من السياسيين اللبنانيين والعرب المعارضين.

5.      المشاركة الفرنسية في إخراج تفاهم نيسان. بما إعتبر في حينه نصراً للدبلوماسية الفرنسية.

6.      عقد مؤتمر الفرانكوفونية في بيروت. بما إعتبر في حينه دعماًً للبلد في وجه تهديدات إسرائيلية.

7.      إغداق الأوسمة والجوائز المعنوية في المؤتمر المذكور أعلاه.

8.      تخصيص جوائز ومخصصات الية لتشجيع إستخدام اللغة الفرنسية في لبنان والمحيط.

9.      تعميق العلاقات الفرنسية مع بعض الشخصيات اللبنانية والعربية المؤثرة.

10.   التأثير العلمي والثقافي والإرسالي الفرنسي في لبنان.

11.   تجميع حملة الجنسية الفرنسية من اللبنانيين والعرب.

12.  معاودة مراجعة ملفات المكتب الثاني الفرنسي ( جهاز أمني) في فرعه اللبناني خلال الإنتداب. وفيها كشف بأسماء العائلات اللبنانية الصديقة للمكتب.

13.  إستصدار القرار 1559 من مجلس الأمن. وهو صك إعتراف أميركي بوجود مصالح فرنسية في لبنان. وهو مصدق من مجلس الأمن الذي تحول الى نوع من كاتب العدل في ما يبدو. وهو قرار يعكس فقدان ثقة فرنسي اميركي يستدعي التوثيق في مجلس الأمن. ولو على حساب دولة متكاملة العضوية في الأمم المتحدة.

     وهكذا فإن علينا قراءة سلوك السفير الفرنسي على أنه عاكس لمركزية الدور الفرنسي القادم إلينا. ومن ملامحه تحول باريس الى قبلة لقسم من السياسيين اللبنانيين المختلفين مع سوريا. وخطاب الجنرال عون لنا من باريس والذي يتضمن دائماً توجيهات لما يجب علينا فعله أو تجنبه. حتى بتنا نتمنى تسريع عودته كي يقوم بنفسه بتطبيق نظرياته وتوجهياته. فلو نحن راجعنا تصريحات زوار باريس وساكنيها من المعارضين لوجدنا في تصريحات السفير الفرنسي لياقة دبلوماسية كافية لجعلها مقبولة ولو بالمقارنة.

المراجعة لظروف دخول الجنرال غورو الى دمشق تبين ان بعض العرب نزعوا رباط الخيل عن عربته ليجروها باجسادهم. فهل تأتي حماسة العودة الفرنسية من حركة شبيهة؟ ومن تراه يجر عربة سعادة السفير بجسده؟.

       الإختلاف مع سوريا حق أقله مثل حق الإختلاف مع أميركا وفرنسا الذي يبدو منزوعاً ومحرماً هذه الأيام. حيث تحولت وصفة العلاج بإنتداب المستعمر الى وصفة التدخل الانساني. وهي وصفة أكثر خطورة من الاستعمار نفسه إذا ما إتخذنا من الديمقراطية الأميركية في العراق نموذجاً للتدخل الإنساني. وبغض النظر عن الوصفات الخارجية فإن التنوع الإنساني هو المبدأ الأعم والأكثر إلتصاقاً بالمفاهيم العلمية والإنسانية. وهذا التنوع هو الذي يعطي الثقافات والبلدان خصوصياتها. وبالعودة الى الخصوصية اللبنانية نجد من الهام أن نذكر ببعض علائم هذه الخصوصية وهي التالية:

1.    أن الإختلاف مع سوريا ليس إيديولوجيا جامعة عامة. وبالتالي فإن الإلتقاء على هذا الإختلاف لا يعني بحال تحالفاً سياسياً ولا حتى على صعيد إنتخابي. وذلك بدليل إختلاف أطراف قرنة شهوان في ما بينهم على المقعد الكسرواني الذي شغر بوفاة النائب البير مخيبر.

2.    خصوصية الديمقراطية غير العددية المعتمدة في لبنان. وهي تلغي أي إحتمال لنقل أية قوانين هيكلية ( قانون الإنتخابات وغيره) عن البلدان الأخرى. إذ يتوجب على هذه القوانين التكيف مع واقعة فوز مرشح ينال كمية أقل من الأصوات إذا نال الأكثرية مقارنة مع منافسيه على المقعد الطائفي.

3.   تركة الحرب الأهلية اللبنانية. وهي تركة ثقيلة العبء تفرض نفسها على كل الجهات الخارجية الطامحة للعب دور ما في لبنان. حيث يجري تصنيف كل جهة منها في أحد متاريس الحرب الأهلية. وتصنيف فرنسا محكوم بممارسات سابقة لا تلغيها احلاف الصداقة الفرنسية مع شخصيات بعينها.

4.   أن علائم الثأر الفرنسي على طريقة غورو تتبدى واضحة في سلوك السفير الفرنسي. وأكثر منه في سلوك المعارضين اللبنانيين المتفرنسين.

5.      حساسية الشارع السياسي اللبناني امام أي تدخل أجنبي. وهي حساسية ضاعفتها حرب أميركا على العراق.

6.   إقتران العودة الفرنسية بحلف فرنسي أميركي على صعيد لبنان عبر القرار 1559 المرفوض من غالبية اللبنانيين. بمن فيهم فئات معارضة. وعلى الفرنسيين هنا أن يتذكروا بأن الأميركيين يرفضون الصديق كما العدو الدائم.

7.   أن المعارضات القائمة على قيادة المجتمع المدني هي زعامات إفتراضية. لأن لبنان أكثر إيديولوجية من إختصاره بخدمات المجتمع المدني.

8.   أن المعارضات القائمة على مبدأ العداء لسوريا مزروعة بتناقضات داخلية كفيلة بتفجيرها. وذلك على عكس معارضات التدخل الأجنبي في الشؤون اللبنانية.

9.   أن الساحة السياسية اللبنانية تشهد عودة قوية للزعامات الشعبية على مختلف نزعاتها. وهذه الزعامات ترتبط إرتباطاً مباشراً بالشارع السياسي اللبناني. وإجتماع هذه الزعامات عند الحدود الدنيا للمصلحة الوطنية من شأنه أن يحجم الزعامات المتضخمة بأورام مالية أو مخابراتية أو خدمات مدنية ..الخ.

        فإذا ما أخذ الفرنسيون هذه العلائم الخصوصية فإنهم قد يجدون لمصالحهم وجهة أخرى غير وجهة الثأر الإنتدابي. وهم لا يعدمون البدائل في بلد مثل لبنان يعتبر الثقافة الفرنسية جزءاً من تراثه الوطني. وعلى الفرنسيين ألا يرتكبوا هفوة إهمال هذا الموقع لغاية الدفع بإتجاهات معاكسة له. إذ أن بداية نهاية التعاطف اللبناني التقليدي مع فرنسا يمكنها أن تكون على شكل التذكر المفاجيء للممارسات الفرنسية الإنتدابية. وهو تذكر لن يسر له الفرنسيون ولن تعوضه صداقاتهم الشخصية. فهذه الصداقات قد تجر فرنسا لإستصدار قرار _ مأزق جديد هو القرار 1560 بحسب قول الرئيس كرامي. وهو قول ينطوي على سخرية من نوع المضحك المبكي. فكرامي لم يستبعد أي طرف من حكومته بل هو أصر على مشاركة أوسع كثيراً مما أتيح لحكومته في ظل الصداقات والأطماع المرافقة لصداقة الأقوياء. وهو الذي دفع ثمناً باهظاً لقدرة الفرنسيين على توظيف القرار 1559 بإتجاه تضخيم طموحات المعارضة وتأمين تغطية فرنسية لها كبديل للتغطية الأميركية المرفوضة والأكثر شبهة.

عودة الى الرئيسية

الاقطاب الخفية والمستقبلية في المياه العالمية الراكدة
الخيبــة الروسيـــة

        إن هشاشة الراهن السياسي العربي، تتبدى واضحة من خلال اللهفة والتهافت، اللذين يتفجران عند أية مبادرة تنبئ باستعداد جهة ما للتصدي ولمواجهة آحادية النظام العالمي الجديد والهيمنة الأميركية على العالم.
المعطيات الموضوعية تشير إلى تأخر إعلان القطب البديل (أوالمواجه للقطب الأميركي) عن نفسه لعقدين على الأقل. فالفكر الاشتراكي يحتاج إلى جيلين على الأقل حتى يطمح إلى استرداد بعض مجده السياسي. في حين تتخبط روسيا بأزماتها الاقتصادية التي تجعلها أسيرة النظام العالمي الجديد على مدى سنين طويلة مقبلة. وفرنسا من جهتها أعلنت مطلع العام 1998 على لسان أحد المسؤولين الكبار، بأنها دولة مهمة، لكنها ليست دولة عظمى. فهي بالكاد قد أوجدت لنفسها مكانة ضمن دول المجموعة الصناعية والنووية. وكان ذلك عبر إصرار الرئيس شيراك على إجراء التفجير النووي التجريبي في بدايات تسلّمه للحكم. أما الاتحاد الأوروبي فهو يدرك العقبات التي تواجهه، بما جعله يؤخر التعامل باليورو دولار لثلاث سنوات أخرى عجز بعدها عن التحكم بسعر صرف اليورو وحمايته من المضاربة الأميركية. حتى فقد اليورو مصداقيته كعملة قابلة للتحول الى عالمية. وبالانتقال إلى الصين، فهي قد اضطرت لخفض معدل التنمية في اقتصادها، حتى تتمكن من المحافظة على هذا المعدل. مما يترجم بحاجة الصين إلى عقود عدة قبل وصولها إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي. وتبقى الهند وكوريا الشمالية وباكستان، وهي براكين متفجرة تسعى للحفاظ على وجودها بعيداً عن طموحات التأثير خارج حدودها.
        البعض، ونحن منهم، لا يؤمنون بخرافة النظام العالمي الجديد، ويؤكدون وجود أقطاب بديلة خفية ومتعددة في مواجهة القطب الآحادي المعلن، المتمثل بالولايات المتحدة. وهكذا فإن تهافتنا لايجد أي مبرر موضوعي يخرجه من دائرة التائه في الصحراء، الذي يتبع أي سراب يلوح له حتى لو هو تأكد من كذبه!. ومع ذلك فإن هذا التهافت لا يعدم مبرراته الذاتية (غير الموضوعية) ولعل أهمها:

1-      وضعية التماهي بالفقيد (الاتحاد السوفياتي): وهي تتسم بالإحباط وبالاكتئاب والشعور بحدوث خسارة غير قابلة للتعويض، وبالتالي بعدم جدوى أي محاولة لتعويض هذه الخسارة.

2-      مشاعر الذنب لدى الناجين من الكارثة: لقد نجت الدول العربية التي كانت تتعاون مع الاتحاد السوفياتي من الانهيار. لذا فإنه من الطبيعي أن تشعر هذه الدول بالذنب أمام الدول الاشتراكية المنهارة.

3-      الخوف من العدوى: لقد جرى تفكيك دول المنظومة الاشتراكية بصورة تجريبية في مختبرات وكالة الاستخبارات الأميركية، وهي بالتالي تجربة قابلة للتكرار. وهذا التكرار بات ملمحاً رئيسياً من ملامح السياسة الخارجية الأميركية، لكنه يتم على نار هادئة (أي بالتقسيط). فلا ضرورة للتسرّع بعد زوال الخطر الشيوعي. وتأخر تفكيك المنطقة العربية لينطلق من إحتلال العراق. ومن بعده التهديدات الأميركية بشعال الفوضى والعمليات القذرة داخل بقية الدول العربية.

4-      الشعور بالاستفراد: الطاغية (الأميركي) لا يمكنه مواجهة العالم وزجه في أسر حصاره الاقتصادي والعسكري. لذلك فهو مضطر لمهادنة البعض، كي يتفرغ للتشدّد مع البعض الآخر. ومشكلتنا أننا نقع في ضفة العداء الراهن والمستقبلي في العقل الأميركي. فهذا العقل يطرح الإسلام عدواً مستقبلياً له. وهكذا فإننا نحن العرب، نشكل أمة لا يمكن للعقل الأميركي أن يهادنها. ولعل موقف الولايات المتحدة من أصدقائها العرب، وأساليب ابتزازها لهم خير دليل على ذلك.

     وهذه النقاط تثير الأسئلة حول تموقع العرب في الراهن والمستقبل السياسيين العالميين. فإذا ما اعتمدنا مبدأ وجود أقطاب عالمية خفية راهناً، فما هي علاقة العرب مع هذه الأقطاب؟ وما هي علاقتهم مع الأقطاب المرشحة مستقبلاً لأن تكون مقابلة للقطب الأميركي؟.

1-                  الأقطاب العالمية الخفية

       يجري الحديث منذ إعلان النظام العالمي الجديد عن وجود أقطاب مواجهة له. لكنها تفضل البقاء في الخفاء لعدم اهتمامها المباشر بالسياسة العالمية. وفي مقدمة هذه الأقطاب يذكر المنظرون منها:

أ‌-        الفاتيكان: وطابعه غير الزمني يبعده عن السياسة بمعناها المباشر الزمني، لكن هذه الكنيسة توجه الحياة الروحية لملايين المؤمنين (وغالبيتهم يعيشون في دول متقدمة وفاعلة على الصعيد العالمي) وهي مسؤولة عن رعايتهم. وهذا الطابع المرجعي يجعل من الفاتيكان، ومن البطركيات المسيحية حول العالم الكاثوليكي قطباً مؤثراً وتأثيره البالغ إنما يأتي من طابعه غير الزمني.

ب‌-      تحالف القوى الاشتراكية الباقية: وتمثلها على صعيد الدول الصين (بشكل رئيسي) ثم بقايا أجهزة المخابرات الشيوعية، التي هربت إلى دول صديقة سابقة والتي تقدم الاستشارات والمساهمات، لما أصبح يسمى بالإرهاب، بعدما كان يسمى بحركات التحرر الوطني.

ج‌-      الجريمة المنظمة: ويكفينا هنا التذكير بأن حجم أموال تجارة المخدرات العالمية يفوق الموازنة الأميركية بل أنه يستنزفها، وهو يملك مراكز قوى داخل الولايات المتحدة، وداخل أكثر مؤسساتها حساسية.

          إسرائيل من جهتها، ترتبط بعلاقات مباشرة مع هذه الأقطاب، فهي حصلت على تبرئة بابوية لليهود. ولها علاقات تبادل تكنولوجي مع الصين، وحضور قوي في بقايا الدول الاشتراكية. أما على صعيد الجريمة المنظمة فهي مشاركة فعلية لنشاطاتها. فهي تأوي يهود الجريمة المنظمة، وتمتنع من تسليمهم لأي جهة كانت. وضباطها المتقاعدون يعملون على تدريب فلول الجريمة المنظمة، وبيعها الأسلحة.

في المقابل نجد أن علاقة العرب بهذه الأقطاب علاقات واهية، بما يفقدهم إمكانية الاستعانة بتناقضات هذه الأقطاب مع النظام العالمي الجديد.

2-                  الأقطاب العالمية المستقبلية

     يجمع استراتيجيو العالم على مبدأ استحالة الآحادية القطبية. وتختلف آراؤهم في ترشيح الأقطاب المستقبلية البديلة للاتحاد السوفياتي. وفي طليعة هذه الترشيحات:

أ‌-        الاتحاد الأوروبي: الذي يشكل قوة اقتصادية هائلة، إذا تمكن الاتحاد من تجاوز تناقضاته، وجروح حروبه المتكررة وصراعاته وتداخلاته الجغرافية. ودول هذا الاتحاد تتشكل من مجموعة الدول الاستعمارية السابقة وتاريخها مع العرب معروف، وكذلك راهنها ومصالحها الحالية. وهذا ما توضحه المواقف الفرنسية في لبنان. وفيها حنين العودة الى الإنتداب.

ب‌-      الصين: وقد أشرنا أعلاه إلى تعاونها التكنولوجي مع إسرائيل إضافة إلى علاقاتها المتداخلة مع الولايات المتحدة التي تبعدها عن العرب. عداك عن الحظر الأميركي الجازم بالسماح لأي تعاون من هذا النوع. تحت تهديد المصالح الصينية وتعويق التنمية فيها.

ج‌-               اليابان والنمور الأسيوية: وهي تنظر للعرب كمجرد مستهلكين وكمصدر مهم من مصادر النفط.

د‌-       الانبعاث الشيوعي: الذي تتوقعه نظرية الاستقراء التاريخي بعد جيلين (أي منتصف القرن المقبل). ويرى المحللون أن هذا الانبعاث سوف ينطوي على الكثير من آراء تروتسكي، التي سيصعب علينا كعرب اعتمادها والتكيف معها.

ه‌-       أوستراليا: وكان الرئيس نيكسون أول من رشحها لخلافة الولايات المتحدة. وهنا قد يكون للعرب بعض الأمل في علاقات طبيعية مع هذا القطب. وذلك بسبب الكثافة النسبية للجالية العربية في هذا البلد.

و‌-       الإسلام: وهو طرح هنتنغتون في "صدام الحضارات" وهو الطرح الذي يجعلنا في قلب الراهن العالمي عند حدوثه. لكن هذا الطرح مهدد بآفة داخلية هي آفة التكفير الذي بدأت بشائره. كما أنه ميدان إنتقائي لإستعراض العضلات الأميركي. وذلك بسبب ضعف العالم الإسلامي والعربي وإنخفاض تكلفته العسكرية والمالية بالمقارنة مع الدول الأخرى.

3-                  المياه العالمية الراكدة

     مما تقدم يتبيّن لنا أن الأقطاب الخفية الراهنة، ستحافظ على سرّيتها التي ستؤمن لها استمراريتها. وبالتالي فإن هذه الأقطاب لن تحرك المياه الراكدة، لأنها لا تتحرك على سطحها. ولكن ماذا عن الحركات البسيطة التي تظهر من حين لآخر كمثل الحركات الروسية التي تظهر من حين لآخر؟. ومنها معارضة روسيا لحربي العراق الأولى والثانية كما لحرب كوسوفو والمخالفات الأميركية للإتفاقات الدولية. والأهم السعي الروسي لإنشاء وتدعيم مجموعة الآسيان.

الموقف الروسي: إن شروط السوق التي تفرضها أميركا دفعت بالاقتصاد الروسي إلى حافة الانهيار وجعلته مهدداً بالمجاعة. لكن الولايات المتحدة لا تسمح بوصوله إلى هذه الدرجة لأن ذلك ينطوي على احتمال بيع أسلحته (الدمار الشامل) من دون مراقبة. وهو أمر يسبب الهلع للولايات المتحدة كونه يسرع تراجع إمكانات احتواء انتقال النفوذ العسكري. فإذا ما أخذنا بالاعتبار الديون الروسية للعراق (تبلغ ثلاثين ملياراً من الدولارات) فإننا نجد من الطبيعي أن تسعى روسيا لتحصيل هذه الديون فتعارض حروب العراق. ونجد أيضاً أنه كان أسهل على الولايات المتحدة أن تسمح لروسيا بجباية هذه الديون من أن تقدم لها القروض. وعليه فإن الموقف الروسي لن يخرج عن كونه رغبة في تحصيل ديونها بنفط متدني الأسعار. وعليه فلا يمكن الاعتماد على رغبة المواجهة لدى دولة مثل روسيا تقف على حافة المجاعة. وها هي روسيا تكتفي بعد إحتلال العراق بحصة عراقية محدودة مع بعض المكاسب من إرتفاع سعر النفط.

الموقف الفرنسي: مثله مثل الموقف الروسي، لا يخرج عن كونه محاولة للتظاهر والاستعراض وسط مأزق أميركي متعدد الثغرات. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على اللجوء الى الحلول العسكرية بعد مأزقها في العراق. فإحتلال العراق لم يعطي النتائج المرجوّة منه. وهو قد دخل في مرحلة بدأ معها بإعطاء نتائج سلبية ومؤذية للمصالح الأميركية. كما أنها غير قادرة على الخوض في مغامرة تقسيم العراق، ليس فقط لأنه يستتبع تفكيك المنطقة، ويضر بمصالحها وأصدقائها. بل أيضاً، لأنه يعزز موقع إيران في المنطقة فالولايات المتحدة ترى أن تقسيم المنطقة يبدأ من عربستان وليس من العراق. وهنا تستغل فرنسا الحاجة الأميركية لتسوية أوضاعها العراقية بموافقة دولية. وهي تريد التسلل الى المنطقة من البوابة اللبنانية عن طريق القرار 1559 المنطوي على رغبات ثأرية فرنسية.

     لكن السؤال يطرح حول إستمررية الركود السياسي العالمي وإعتماده محركاً أوحد هو الرغبات الامبراطورية الأميركية؟. وهو سؤال عرضنا لجوابه أعلاه. حيث الصين راكدة لعقدين على الأقل. وحيث على أوروبا الإكتفاء بالفتات الذي تعرضه عليها أميركا. أما روسيا فحسبها إيجاد آليات التعامل مع إقتصادها المنهار. مع تخليها عن طموح الإتحاد الروسي. الذي إنفرط عقده ما بين التدخل الأميركي في إنتخابات دوله وبين إقامة قواعد عسكرية أميركية في باقي دوله. إنه عصر الجبار الأميركي الذي لن يخر إلا على طريقة الجبابرة الأسطوريين. أي من خلال نقطة ضعف داخل جسده ( كاحل أخيل وشعر شمشوم ...الخ). ونقطة ضعف الجبار الأميركي هي في رأينا إقتصادية خالصة. وتتضح ملامحها من خلال التراخي الأميركي في الحفاظ على مبدأ الدولار القوي. والحصول على نسبة أفضل من الناتج الإقتصادي العالمي وتأمين تمويل التسلح العسكري وتجاوز العجز ومعه الحاجة لإستمرارية تدفق الأموال الخارجية الى السوق الأميركية.

اللواء في 10 فبرلير 2005

د. مجمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

عودة الى الرئيسية