موقع الدكتور محمد احمد النابلسي
www.drnaboulsi.com

  سيكولوجية الأزمة الأميركية في العراق الأميركيون يعيشون الصدمة
     


الأميركيون يعيشون
الصدمة

                                                      محمد احمد النابلسي/ الكفاح العربي في  6/  6/ 2002

شعور الأميركي بالحصانة جعله يحصر كوارثه في إطار احتمال الموت الشخصي. وكان الطب النفسي الأميركي لايتخطى هذا الإطار إلا نادرا" وبمناسبة حوادث من نوع حريق معمل الدهانات وإنهيار سد بوفالو كريك وزلزال سان فرانسيسكو وغيرها من الكوارث الطبيعية التي لا تنشر مشاعر التهديد بين الجمهور. الذي بقي على قناعته بالحصانة. وهي قناعة إمتدت إلى الأطباء الأميركيين الذين نظروا للصدمة النفسية على أنها مجرد حالة قلقية عابرة. أطلقوا عليها تسمية إضطراب عقب الصدمة.

أما نحن , معشر الأطباء في عالم الجنوب الفقير, فإننا نعاين جمهورا" لا يعرف معنى الحصانة كونه يحس بالتهديد يحيق به بدءا" من لقمة العيش وصولا" إلى إستمرارية النوع. ومن هنا كان من الطبيعي أن نعارض التبسيط والإختزال الأميركيين لإضطرابات الصدمة النفسية. وشخصيا" ساهمت في تحديد مواطن خلل التبسيط الأميركي في مناسبات عديدة. منها المؤتمر العالمي للصدمة النفسية وكتابي " نحو سيكولوجيا عربية " إضافة إلى مجموعة مقالات وبحوث في المجال. وعقب حوادث 11 أيلول قررت في مقالة لي ( أعيد نشرها في كتابي " الثلاثاء الأسود " وجوب حدوث تغيير كبير في نظرة النفسانيين الأميركيين للصدمة النفسية. و ها هي الصحافة الأميركية العلمية والعامة تنقل لنا ملامح التغييرات المرتقبة. فهي تتحدث مثلا" عن زيادة نسبة الإنجاب في الولايات المتحدة. لتذهب مجلة نيوزويك إلى تسمية الظاهرة بمتلازمة الإنجاب عقب التعرض للصدمة.

الأميركيون يرصدون الظاهرة بنوع من التعجب يعكس معايشتهم الهامشية لعواطفهم و أحاسيسهم. حيث نمط الحياة الأميركي يحولهم إلى اللهاث وراء تحسين القدرة على الإنتفاع. بعد أن تتكون لديهم قناعة عميقة بأنهم مجرد قطرة ماء في محيط. ومن هنا تركيزهم على أوضاعهم الشخصية وإبتعادهم عن كل ما هو جمعي, خاصة إذا ارتبط بالتضحية. وهذا ما يجعل تعجب الجمهور الأميركي لهذه الظاهرة دليل سذاجة وسوء معايشة.

فالمسألة هنا تتعلق بغريزة إنسانية أساسية هي غريزة إستمرار النوع. أي ببساطة مفرطة : فليعش أبنائي من بعدي ما دمت مهددا" بالموت!. وهذه الغريزة مرتبطة بغريزة الحياة, التي تترجم في هذه الحالة على الوجه التالي: إذا لم يكن موتي مؤجلا" كما يحلو لي الإعتقاد فمن الأجدى أن أعجل ممارستي لما أعتبره مصادر لسعادتي بدل تأجيلي لها.

حوادث 11 أيلول أجبرت الأميركي العادي على إستعادة إنسانيته وملامح ضعفه البشري فربطته بالحياة برباط يهدد نمط الحياة الأميركي. ومصدر التهديد تذكير المواطن الأميركي بالموت عبر إفتقاده شعور الحصانة الذي كان يدفعه للإستسلام إلى وضعية قطرة ماء في محيط. وهذا الفقدان بدء بالتجلي بدفاع ذاتي قوامه الحماية عبر الإنجاب. لكنه مرشح للإستمرار وفق أنماط شديدة التهديد للموزاييك الأميركي. وإن تمحورت جميعها حول الخلاص من شعور العجز ( قطرة الماء) لغياب شعور الحصانة. والتخلص من شعور العجز له ترجمات لا يقوى النمط الأميركي على إحتمالها.

نحن لا نبالغ في هذه التوقعات كونها تستند إلى تجارب معيشة في عالم الجنوب الفقير. حيث تبلغ رغبة تخطي العجز حدود الإستشهاد بالتمزق أشلاء". كما تستند هذه التوقعات على السلوك السياسي الأميركي الذي دفعه فقدان شعور الحصانة إلى إعتماد سياسة الثور الهائج. بما إنطوت عليه من تورط في صراع غير محدود الأمد. في مخالفة صريحة لأحد أهم المنطلقات الإستراتيجية الأميركية بعد حرب فيتنام.

فغذا ما أردنا إفساح مجال أوسع للطب النفسي في السيرورة الصدمية الأميركية فإننا نعود إلى ساعات إختفاء الرئيس ووكر بوش وغيابه عن السمع لمدة ساعات عاش خلالها ذعرا" حقيقيا" لم يخرج منه بعد تقريع أمه باربارا له. وطلبها منه الوقوف إلى جانب شعبه في هذه المحنة. ولعل هذا الذعر هو الذي غذى الكلام عن تعثر الرئيس وحتى عن غبائه في الصحافة الأميركية. بل أن واحدة من المجلات الأميركية حاولت الدفاع عن غباء الرئيس بالقول أنه يدعي الغباء ويوظفه لمصلحته. لكن المهم أن ذعر الرئيس وصدمته كانتا حادتين ومؤثرتين في أي قرار إتخذه وسيتخذه بعد 11 أيلول. لقد بات للولايات المتحدة تاريخها ونجاربها الصدمية. و باتت قادرة على إستشعار معاني التهديد والخطر. بما سيسقط طروحات الصدمة النفسية في الدليل الأميركي القديم ليستبدلها بطروحات أعمق. وبذلك يزول الحلم الأميركي بعولمة مباديء الطب النفسي الأميركي وإنفراده بتحديد حالات السواء والمرض وتعريف حالات الإرهاب إستنادا" إلى نمط الحياة الأميركية.

ها هي العولمة تنتهي من حيث بدأت.

العودة الى الصفحة الرْيسية

 

سيكولوجية الأزمة الأميركية في العراق

د. محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 3 / 12 / 2003

     وضعية الأزمة هي وضعية نفسية بإمتياز. فهي تستدعي ذكريات المواقف الشبيهة السابقة. وتستبطن اللاوعي بحثاً عن التجارب السابقة التي يمكنها الإسهام في إيجاد المخارج للأزمة. وعبر هذه السيرورة النفسية تجري عملية ترميم للواقع تسمى في التحليل النفسي بسيرورة إعادة التنظيم ( Reorganisation ). فإذا ما فشلت هذه العملية أمكن للأزمة أن تتفاقم وأن تتحول الى كارثة. وهذا الفشل قد يعود الى فقدان عناصر التنظيم أو الى ضعف القدرة على ضبط هذه العناصر والتحكم بها لإعادة تنظيمها.

بالإنتقال من الفردي الى الجماعي ومنه الى السياسي يمكن تطبيق هذه المعطيات السيكولوجية في ميدان السياسة وأزماتها. ومنها الأزمة الأميركية في العراق. فليس من المبالغة القول بمعاناو أميركا لأزمة ما في العراق. لكن المبالغة هي في إفتراض عدم القدرة الأميركي على إعادة تنظيم الوضع العراقي.

ولو عدنا الى أصعب الأزمات في التاريخ الأميركي ( أزمة فيتنام ) لوجدنا أن أميركا لم تفقد في حينه الخيارات البديلة. وعلى رأسها خيار الإمعان في استخدام القوة العسكرية ( كان الخيار النووي متاحاً للرئيس الأميركي كما هو الآن). لكن الولايات المتحدة إختارت الخروج من فيتنام من ضمن كل الخيارات المطروحة. وهو خيار ينسجم وفلسفة المصلحة المعتمدة في السياسة والحياة الأميركية. فقد كان هذا الخيار هو الأقل خسارة والأكثر تعويضاً لعثرات المصالح الأميركية الناجمة عن تلك الحرب.

لقد خرجت اميركا من حرب فيتنام بقاعدة إستراتيجية ذهبية قوامها: " أن التهديد بالقوة أجدى من إستخدامها الفعلي وأكثر ربحية ". وإنطلاقاً من هذه القاعدة راكمت الولايات المتحدة مكاسب وإنتصارات هائلة وصولاً الى بقائها قطباً آحادياً بعد سقوط الإتحاد السوفياتي.

وإلتزام أميركا بهذه القاعدة الذهبية جعلها لاتتحرج من الهرب من المواجهات العسكرية والخروج من الأبواب الخلفية. دون أن يعني ذلك تراجعها عن تحقيق مصالحها في تلك الأماكن. فهي إحتفظت بدورها الكامل في لبنان بعد تفجير المارينز. وهي أبقت على الحرب الصومالية مفتوحة حتى اليوم وقس عليه.

وحده الرئيس ووكر بوش شذ عن القاعدة الذهبية. حيث أقنعه صقوره بوجود لحظة نادرة وتاريخية للإستفادة من القوة العسكرية الأميركية وممارستها الفعلية. فكانت الورطة الأميركية في العراق.

عنوان هذه الورطة كان تصدير الديمقراطية الى الشرق الأوسط. ودعمتها لاحقاً حوادث ايلول وإعلان الحرب على الإرهاب. فإذا ما راجعنا التجارب الأميركية في تصدير الديمقراطية لوجدناها فاشلة في معظمها. ولوجدنا أن للناجح منها شروطاً واجبة غير ممكنة التجاوز. وتتبدى هذه الشروط واضحة في الحالة اليابانية حيث:

1.      تغيير عقائدية السلطة والقيادة الإجتماعية ( الإبقاء على الامبراطور مع نزع سلطاته التقليدية).

2.      تأمين الرخاء المادي والإجتماعي ( الصعود القياسي للإقتصاد الياباني).

3.      توافر أجواء عالمية مؤاتية وداعمة للتغيير.

4.      القضاء الفعلي على اية معارضة للنمط الديمقراطي الاميركي.

والمراجعة الموضوعية تبين أن هذه الشروط كلها غير متوافرة في الحالة العراقية. مما يجعلها أكثر شبهاً بالحالة التشيلية منها باليابانية. وهذه المراجعة تفسر تنامي حركة التراجع عن سياسة الصقور ومنطلقاتهم النظرية المتطرفة. مع العودة الى القاعدة الذهبية الموروثة من التجربة الفيتنامية. وهي عودة تدعمها نجاحات كلينتون في ضغوطه على العراق وعلى محيطه والمكاسب المتحققة منها. في حين أخفقت سياسة القوة الراهنة عن تحقيق مكاسب شبيهة أو حتى عن الحفاظ على مكاسب كلينتون.

 لذلك بدأ البحث الأميركي عن الأبواب الخلفية المتاحة للخروج من العراق. وهذا ما أكده تصريح بوش ( 16 / 11 / 2003 ) القائل: " إننا لن نخرج من العراق في وقت أبكر من اللازم ". بما يؤكد أن الخروج بات ملحوظاً وبأن النقاش إنما يدور حول سرعته. فقد أصبح البقاء في العراق مكلفاً بما يناقض سياسة المصلحة الأميركية. وهي سياسة لا تحتمل التضحيات التي يصعب تعويضها. والتراجع لايعتبر مهيناً لهذه السياسة. خاصة مع ملكية البدائل التي تحفظ النفوذ والمصالح الأميركية. لكن عودة قطار المصالح الاميركية الى سكته يقتضي توفير الشروط التالية:

1.   تخليص ووكر بوش من أوزار وأخطاء الصقور. الأمر الذي يقتضي تقليص أدوارهم لغاية الشلل التام. مع تقديم بعضهم كمسؤولين عن توريط الرئيس بتقديم معلومات محرفة ومحورة إليه.

2.   تخليص وكالة المخابرات الاميركية من سيطرة " المحافظين الجدد " المدعومين من قبل الصقور. وإعادة إطلاق يد الجناح التقليدي في الوكالة.

3.   إبدال صفة الدولة الخالفة لقوانين المنظمات الدولية بالصفة السابقة وهي صفة الراعية لهذه القوانين. مما يقتضي صياغة تفاهم جديد مع الأمم المتحدة حول العراق.

4.      تجنب إظهار أوروبا والدول المعارضة للحرب بمظهر الحكيم المنتصر.

5.      إستعراض الأبواب المتاحة للخروج من العراق بالضمانات المطلوبة للمصالح الأميركية.

بالتوقف عند النقطة الأخيرة نجد أن السبل المتاحة محدودة أمام بوش في الفترة المتبقية له. حيث تستبعد القوة والهروب الى الأمام ومشاركة أوروبا لتبقى الحلول التالية:

1.   إطلاق يد العمليات المخابراتية السوداء في العراق ومحيطه. وهو محفوف بمخاطر فقدان أميركا للسيطرة على مجرى الأمور في المنطقة. خاصة بعد الشكوك المحيطة بجدوى الأجهزة الأمنية الأميركية.

2.   إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بتحركات عسكرية جديدة. وهو يعطي لإسرائيل حصة غير مقبولة أميركياً في الشراكة الاستراتيجية.

3.   البحث عن حل إقليمي للأزمة العراقية. وهو الحل الذي يبدو معتمداً من قبل فريق الطواريء الأميركي الجديد. والذي بدأ بمناورو الدعوة الأميركية لدور تركي عسكري في العراق ومن ثم التراجع عنه. وإستكمل بزيادة التنسيق الأمني مع السعودية وبفتح أبواب الحوار الخلفية مع إيران.

       وبمراجعة الحلول المطروحة نجد أن الحل الأخير هو الأقرب للتطابق مع سوابق السياسة الأميركية ومع رؤيتها لمصالحها. وهو الحل الأقل كلفة والذي يعيد الولايات المتحدة الى توازنات كلينتون ومكاسبه بعد أن خسرتها سياسة بوش في العراق. ولنذكر هنا أن كلينتون كان قد توصل لمفاوضة العراق على تنحي صدام مع بقائه قائداً للحزب. كما توصل لإقناع دول الخليج بشراء كميات من الأسلحة كافية لتحريك صناعة الأسلحة الأميركية. عداك عن إستفادة اميركا من صفقات النفط المهرب وعن المشاركة السرية للشركات الأميركية في الإستثمارات العراقية. إضافة الى وضع المنطقة في حالة جديدة من الإحتواء المزدوج بين معارض لسلام كلينتون ومؤيد له. وها هي الحرب على العراق تحرم اميركا من هذه المكاسب وتضع الإقتصاد الاميركي في وضعية كارثية مقارنة بوضعه أيام كلينتون. وبذلك أصبح التجديد لبوش مرهوناً بالعودة الى مستوى مكاسب كلينتون كحد أدنى مقبول لدى الناخب الأميركي. وهي عودة لم تعد تحتمل التأجيل بسبب تبكير الحملة الإنتخابية وتصاعد حركة معارضة السياسة الأميركية حول العالم.