موقع الدكتور محمد احمد النابلسي
www.drnaboulsi.com

بوش وسياسة المجنون الراكض إستباق الحرب الاستباقية

سيكولوجية الاستشهادي

سيكولوجية الاستشهادي

   محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي 17/ 4 /2002

  هل تريدون أن أحدثكم عن شاب أدرك عبثية آماله وعقم طموحاته ففجر نفسه ليتناثر جسده فتاتاً بعدد أحلامه الضائعة؟ أم أن أحكي لكم قصة فتاة أعلنت أن المساواة بين الرجل والمرأة تبدأ من الموت حين تسخر الحياة وترفض الاعتراف ؟ أم قصة طفل لم يدرك أن هنالك نهاية للحياة اسمها  الموت إلا بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة في حضن والده؟

حكاية هؤلاء واحدة ومتكررة كحكايات الجدات  في ليالي الشتاء وهي قد شاعت أخيراً حتى بات الأطفال يمثلونها في لعبهم في باحة المدرسة حيث يلعب واحدة منهم الشهيد وتلعب بقيتهم دور المشيعيين لجثمانه وهم حولوا بذلك الموت إلى لعبة تعطيهم الاعتراف فهل تتم مكافحة رغبة  الانتقام برفع الظلم عن المظلوم المنتقم أم بزيادته إذ يبدو انتقام هؤلاء الأطفال سيكون أشد وطأة من محاولات آباءهم الخجولة .

وعلى المتضررين أن يبحثوا لهم منذ الآن عن مصطلح جديد أكثر تعبيراً من مصطلح " الإرهاب" الفاقد لدلالته منذ ولادته .

حكاية هؤلاء واحدة وهم أنفسهم أطفال الانتفاضة الأولى وقد أمسوا يافعين وشباناً . ما نجا منهم في الانتفاضة السابقة كان مرشحا لأن يكون ضحية مشاركته في الثانية .وبعضهم قليل ممن لم يشأ انتظار انتفاضة مقبلة قد لا تأتي . اختار تفجير نفسه وتحويل جسده أشلاء تضاعف رعب الخائفين الذي يطلقون نيرانهم خوفاً لاستجلاب الأمن عبر العدوان.

واحدة من وسائل الإعلام العربية أصرت على تعريف قرائها بسيكولوجية الاستشهادي فلم تقع إلا على تعريفات لسيكولوجية الإرهابي بعد أن أدمنت أدبياتنا مصطلح الإرهاب  بقوة حرب أفغانستان وتهديدات الحروب المحتملة لاحقاً . قد يكون من المفيد تعريفكم بتعريف سيكولوجية الاستشهادي بعد رواية حكايته . بل إنكم تريدون التعرف إليها بعد تعرفكم على الحكاية فالإستشهادي هو إنسان عادي ليست سيكولوجية خاصة . وهو إنما يفجر نفسه بدافع تعرضه لكارثة معنوية . وهي كارثة تهدد قيم الشخص ومقدساته واستمرارت نوعه وأمته فتصبح حياته فاقدة لقيمتها  مما يدفعه إلى استسهال الموت . بل إلى تمني الموت هربا من تحمل أثار الكارثة .

قد لا تكون  لدينا جميعا شجاعة استحضار وجلب الموت الشخصي ودعوة عزرائيل لقبض روحنا . لكننا نعاني من الإذلال المرافق لكوارث المعنوية وهي معانة ترجمتها الشعوب العربية بتظاهراتها وتبرعاتها وتضاعف شعورها بالانكسار . بل هذا الإذلال تحول إلى شعوب غير عربية تمكنت من التمييز بين الجاني والضحية في عتمة الحصار الإعلامي الممهد للمجازر الإسرائيلية . فقد أدرك الأوروبيون مثلا أن هذه الجرائم تعكس ميول معادية للإنسانية وليس للعرب لوحدهم .    

لكن هؤلاء والأجانب كافة لا يستطيعون استيعاب دوافع استجلاب الموت الشخصي عبر عملية استشهادية .والوقت لا يتسع لإفهامهم العلاقة بين الاستشهاد و بين البحث عن الاعتراف بالجماعة وكرامتها فحسبنا أن نعرض على هؤلاء نوعا آخر من شهدائنا . ذلك النوع الذي يصاب ويبقى ينزف حتى الموت لان الإسرائيلي المتحضر يمنع  إسعافه ووصول إي مساعدة طبية له هذا النوع وفقا أقصى طرق الموت التي يمكن لبشر أن يتخيلها حيث تجتمع عليه الآلام ومخاوف الموت ومشاعر الذل ورغبة الانتقام وكل جبروت  الاضطهاد . وكأن وحوش الآدمية لا تكتفي بهذه العذابات فتتابع عدوانها على جثته حيث تتركها للانتان والتحلل على أيام منتهكة بذلك حرمة الأموات .

لو قدر لأي شخص الاختيار بين هذه الميتة المسالمة ولكنه أسلوب شيطاني غير بشري ، بين الموت خلال لحظات بتفجير استشهادي ، فإن الشخص سيختار الثانية حكما . وذلك بغض النظر عن انتمائه " عربي أو مسلم أو غيرهما "

وعندها فقط يستطيع هذا الشخص أن يظهر جسده للإستشهاديين وتفهمه لدوافعهم وطريقتهم في الموت

العودة الى الصفحة الرْيسية

إستباق الحرب الإستباقية

الدكتور محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 8 / 10 / 2003

      ديفيد كاي ، رئيس فريق التفتيش الأميركي عن الأسلحة العراقية، يصرح في تقرير رسمي بعدم وجود أسلحة عراقية محظرة. لكنه يستدرك بالإعلان عن وجود نوايا عراقية لإنتاج مثل هذه الإسلحة!. والأهم أنه يطرح إحتمال نقل العراق لهذه الأسلحة الى دول الجوار.

ضغط الإدارة على كاي وفريقه يتبدى مفضوحاً من خلال مهلة التسعة أشهر المطلوبة لمتابعة البحث عن الأسلحة داخل العراق. فهذه المهلة تسخر بكل صدقية التقرير. إذ تسربت أنباء صحفية عن تكثيف هذا البحث لغاية تجنيد اكثر من الف ومئتان خبير اميركي من أجله. بحيث يصبح من الهزل القول بحاجة هذا الجيش من الخبراء الى تسعة اشهر اضافية!.

من جهته إلتف بوش على نفي التقرير لوجود الاسلحة مستنداً إلى الإشارات الجانبية للتقرير. ثم خلص الى أن النية العراقية بإنتاج مثل هذه الأسلحة كافية لتبرير الحرب على العراق!. وهو لا يجد من يسأله عن سبب رفضه تمديد مهلة فريق المفتشين الدوليين وتعجيله في شن الحرب على العراق إذا كان التفتيش عن أسلحته يقتضي مثل هذا الوقت ومثل هذا الجيش من الخبراء؟!.

ها هو بوش يلجأ مرة أخرى الى تحريف التقارير وفبركة أهمية إصطناعية لأكثر فقراتها هشاشة. ولا ندري مدى الدعاية اللازمة لتسويق فكرة تضمين التقرير لهذا النوع للفرضيات؟. فهذا الفريق هو فريق بحث ميداني وليس فريقاً نظرياً لطرح الفرضيات. التي تشكل بحد ذاتها مخالفة للمنطق ولأصول البحث العلمي. كما أنها تشكل قاعدة ساذجة للهروب الى الأمام. فهذا الهروب يهدد صدقية كافة المؤسسات الأميركية. هذا التهديد الذي يفسر نتائج هبوط نسبة الأميركيين الذين يعتقدون بصدقية الرئيس بوش في الاستفتاءات الأخيرة. فالمواطن الأميركي يجد نفسه اليوم أمام إحتمالين لا ثالث لهما. فإما أن يعطي الصدقية لبوش وينزعها عن كل الأجهزة الأمنية التي فشلت في الإحتياط لحوادث أيلول. والتي فشلت في تحديد حجم التهديد العراقي ونوعيته. كما فشلت في إختراق الداخل العراقي بعد الإحتلال ومعه الفشل في الإحتياط للمقاومة العراقية. أما الإحتمال الآخر فهو نزع الصدقية عن بوش نفسه. وهذا الإحتمال ألصق بالواقع وأكثر منطقية في الإستجابة للأسئلة المطروحة من قبل المواطن الأميركي وفي مقدمها: هل كانت الحرب مبررة؟... ماذا جرى واقعاً في 11 أيلول؟... من هو المسؤول عن دفع الأثمان الاستراتيجية الصعبة في مجلس الأمن وفي العراق كما في العلاقات الخارجية الاميركية جملة؟.... من هو المسؤول عن تسريع شن الحرب؟... من هو صاحب قرارات إعلان إنتهاء الحرب وإعلان إحتلال العراق وإعلان حل الجيش العراقي وإعلان العداء الأميركي لمعظم شعوب الأرض من فنزويلا وحتى كوريا...؟.

بعيداً عن مناقشة مستوى صدقية هذا التقرير إلا أنه ينسف ما سمي ب "مبدأ بوش". وهو المستند الى نظرية الحرب الإستباقية لبول وولفويتز. فالتقرير في النهاية يؤكد على عدم وجود ما يستدعي هذه الإستباقية. مما ينفي صفة الإستباقية عن حرب بوش على العراق ويحولها الى إستباق الحرب الإستباقية. وهذا يعكس إنزلاق الديمقراطية الاميركية الى هاوية محاكمة النوايا. وهي هاوية سحيقة تسقط المؤسسات الاميركية وتصيبها بالإرباك والتعطيل. فأية استراتيجية لدولة عظمى يمكنها أن تبنى على أساس حروب النوايا؟. وهل يمكن للولايات المتحدة أن تقفز من الحرب الإستباقية الى حرب النوايا؟. خاصة بعد ما أثبتته حرب العراق من فشل ذريع لمبدأ الإستباق!. وهل تستطيع الولايات المتحدة تطبيق هذا المبدأ على كل الدول وإعتماده كقاعدة لقيادتها للعالم؟. فكيف يمكن تطبيقه على كوريا الشمالية مثلاً في حين عجزت ادارة بوش عن تطبيق مبدأ الإستباق على هذه الدولة؟. أم أن هذه الإدارة تنازلت عن الاستراتيجيا وفضلت التعامل التكتيكي مع كل حالة على حدة أقله لغاية إعادة إقحام بوش في البيت الأبيض؟!.

والواقع أن اللجوء الى إبطال الاستراتيجيا وتحويلها الى الشلل المؤقت ليس جديداً على السياسة الأميركية. فقد حدث مثل هذا الشلل مع كل تحول اميركي عن مبدأ استراتيجي من مباديء الرؤساء السابقين. وهذا يذكر الأميركيين بأن مباديء الرؤساء ليست مقدسة ولا هي دائماً في مكانها تقوم دورها في خدمة المصالح الاميركية. وتبقى السابقة الأهم هي سابقة الرئيس ريغان ،وهو ملهم بوش ومثاله الأعلى ومورثه للصقور وللمحافظين الجدد، الذي إستعان بالمنجمين وبتحضير الأرواح ليتخذ قراره حول حرب النجوم وحول قرارات ذات ثمن استراتيجي باهظ. وربما تكون هذه الأرواح نفسها هي المقررة لمشروع الدرع الصاروخي؟. بل ربما تكون هي التي شنت الحرب على العراق!. فهذه الحرب تسير بسرعة الى منزلق استراتيجي خطير ويزداد خطورة مع إصرار بوش على الهروب الى الأمام. وهذه الحرب قد تحتاج قريباً الى كبش محرقة يتبناها ويدعي مسؤوليته عنها.

لقد وجد المواطن الاميركي مبالغة في قول اليمين المتطرف ،على لسان بات بوكانان، بأن اسرائيل هي الرابح الوحيد من حرب العراق. لكن هذا المواطن يعيد النظر اليوم في موقفه بعد أن رأى تقرير كاي يتحول الى رسالة مشفرة للموساد الإسرائيلي. بحيث يجتر هذا التقرير شائعة أطلقها شارون إبان حرب العراق. وهي المتعلقة بتهريب الأسلحة العراقية الى دول الجوار؟!. أو ليس معيباً أن تحتاج الأجهزة والمؤسسات الأميركية الى كل هذا الوقت كي تعود الى الشائعة الشارونية؟. فنحن في العالم الثالث نستنكر مثل هذا الفشل. فما بالنا حين يتمخض الجبل الأميركي عن فأر إسرائيلي؟.

إن المصادفة لا تنطبق على الحادثة المتكررة. فالتكرار يحول الحادثة الى ظاهرة تكرارية وينزع عنها مبدأ المصادفة. وعليه فإن سيطرة الرؤى الإسرائيلية على عقل ادارة بوش ليس مصادفة. فقد إستعارت هذه الإدارة قائمة طويلة من الإيحاءات الإسرائيلية ومنها إختراع اسرائيل المسمى بالحرب الإستباقية. وها هي تستعير شائعة شارون حول أسلحة العراق. والأهم إستعارتها العداء الإسرائيلي للعرب وللمسلمين ولدول المنطقة بمن فيهم الأصدقاء المزمنين للولايات المتحدة.

هذه الإستعارات وكثيرة غيرها تبين ببغائية هذه الإدارة. فهي لم تنتبه الى كون المجتمع الاميركي غير عسكري كالإسرائيلي مما أوقع الجيش الأميركي في أزمة قصور عديد هذا الجيش. كما هي لم تنتبه الى أنها كانت تستغل أصدقاءها من عرب النفط بما هو غير متاح لإسرائيل. أما الفارق الأهم والأخطر فهو كامن في تجاهل الفرق بين شروط الحرب الأميركية وتلك الإسرائيلية. حيث تحتاج الإدارة الإميركية لجملة موافقات لشن الحرب وحيث عليها الإلتزام بجملة معايير إستراتيجية لضمان عدم تداخل توابع الحرب مع هذه المصالح. ولعل إغتصاب ادارة بوش لهذه الشروط هو مرجع محاكمة هذه الإدارة وليس وجود الأسلحة العراقية أم عدم وجودها. فقد إغتصبت هذه الادارة موافقة الكونغرس على حرب العراق كما انها تجاهلت معارضة مجلس الامن وحلف الاطلسي لهذه الحرب. وأكثر من ذلك فقد تجاوزت الإدارة أصدقاءها الأوروبيين فإقتادت بريطانيا الى الحرب وورطت اسبانيا وايطاليا فيها رغماً عنهما. أما في الجوار العراقي فقد أعلنت الولايات المتحدة تنكرها لكل علاقاتها في المنطقة. فلم تأبه لموقف كل من تركيا والسعودية ولم تقتصد في تهديداتها لبقية الجوار. فكانت النتيجة تقليداً مبالغاً وساذجاً للعدائية الإسرائيلية. فإسرائيل يمكنها الإعتماد على الفيتو الأميركي في تبرير عدوانيتها في حين رأينا صعوبة إستحضار اميركا لشهود الزور لتغطية تقليدها لإسرائيل. حتى بدى المشهد وكأن أميركا قد تولت مسؤولية القضاء على أعداء إسرائيل وإعلانهم إرهابيين. وهنا أيضاً تقليد في غير مكانه. فحماية المصالح الأميركية في المنطقة تتحول الى مهمة خيالية في ظل هذا العداء الصريح لشعوب المنطقة ودولها. فهذه الحماية ستحتاج الى أكثر من مليوني جندي لحماية أنابيب النفط وحدها في المنطقة. وربما إقترب أوان الإدراك الأميركي بضرورة التخلي عن تقليد إسرائيل ومحاولة إستعادة ماء وجهها أمام شعوب المنطقة التي خبرت الديمقراطية الأميركية في العراق وإكتشفت مقدار سميتها.   العودة الى الصفحة الرْيسية

بوش وسياسة المجنون الراكض

محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 9 / 10 / 2003

          ذهان آموك أو المجنون الراكض كان مقتصراً على ثقافات معينة ليست الثقافة الاميركية منها. وكان لووكر بوش فضل إدخال هذا الذهان الى الولايات المتحدة. ويتجلى هذا الجنون بشعور المريض أن الأرواح الشريرة تتابعه وتريد إنهاء حياته. لذلك يحمل المجنون سكيناً ويركض ليقتل كل شخص يصادفه ظناً منه أنه يبعد عن نفسه شبح الموت بذلك. وعادة يقتل هذا المجنون عدداً من الأشخاص لغاية تمكن أحدهم من قتله!.

المتابعة المـتأنية لسلوك إدارة بوش تبين أنها شعرت مبكراً بدنو الأجل وبإقتراب الموت منها ومحاصرته لها من الباب الإقتصادي عبر إنخفاض المؤشرات الاقتصادية المرافق لإنتخاب بوش. ثم عبر صدمة 11 أيلول وتوابعها الزلزالية ومنها فضائح إدماج الشركات وإفلاسها التي تفجرت بهذه المناسبة. وأخيراً عبر حروب بوش غير المنتهية وعبر قائمة التهديدات الموجهة الى مصادر التهديد المحتملة وفق التفكير على طريقة آموك. وهذا الشعور بدنو الأجل يفسر لنا خلفية أخطاء الإدارة وفضائحها المتعاقبة. والأهم فهو يفسر إضطرار هذه الإدارة للكذب كونها بحاجة للجمع بين الأهداف المتناقضة. فهي تريد أن تزيد الإنفاق ( الدرع الصاروخي) وخفض الواردات ( الخفض الضريبي). وهي تريد أن تسيطر على العراق وأن تحظى بتواطوء الدول النفطية المجاورة له. كما أنها تريد التبعية الكاملة لأوروبا مع الإضرار بالمصالح الأوروبية. وتريد تحييد الصين وهي قابعة على تخومها الأفغانية. والأهم أن إدارة بوش تريد خوض الحروب الإستباقية ونشر الديمقراطية!... الخ من الأهداف التي يستحيل الجمع بينها والتي تجبر صاحبها على الكذب والتردد والعمل في الخفاء. وذلك بحيث نجد فضيحة ناضجة وراء كل محاولة من هذه المحاولات. وهكذا وصل بوش الى تجميع سلسلة غير مسبوقة من الفضائح. ومنها ما سيكون مؤثراً في عملية إعادة إنتخابه. مثال ذلك فضيحة قمع تمرد سينسيناتي وفضائح تمويل حملته الإنتخابية وعلاقاته بالشركات المفلسة وخبايا التحقيق في 11 أيلول والكذب في ذرائع حربي العراق وأفغانستان وإستعمال أسلحة إستراتيجية فيهما.

هذه الفضائح مجتمعة تتطابق مع تحذيرات أطلقها جورج شوروش في كتابه     " أزمة الرأسمالية العالمية ". وهو كتاب تستحسن قراءته على ضوء واقع الفساد وفضائحه الراهنة في إدارة بوش. فإعادة القراءة تساعدنا على فهم أوضح لغمزات المؤلف ورسائله الخفية. فهو ينفي تهمة المجرم المالي عن نفسه لأنه يعتبر أن هذه التهمة لا تصح على مضارب في البورصة بل هي تصح على الأثرياء الذين يتلاعبون بأموال المستثمرين عن طريق الخداع. فالمضارب يربح في مكان ويخسر في آخر اما المديرين الأثرياء فهم يستولون على أموال المستثمرين بطرق إحتيالية ينطبق عليها تعريف الجرم المالي.

الكتاب صادر العام 1999 وفضائح الإفلاس كانت معروفة من المؤلف منذ 1997 لكنها كانت غير قابلة للإعلان لإضرارها بالأمن الإقتصادي. وهي أصبحت محرمة مع قدوم بوش. فالمجرمين المعنيين بإشارة المؤلف أصبحوا أعضاء في فريق الرئيس ولم يعد بالإمكان المساس بهم.

وحدها حوادث أيلول تمكنت من إختراق هذا الحظر فأجبرت الشركات على إعلان إفلاسها فتوالت فضائح اينرون وهاليبرتون وغيرها. ومع هذه الفضائح الكشف عن مسؤولية كبار أعضاء إدارة بوش في هذه الجرائم وتحديداً منهم ذلك الفريق المسمى ب " الصقور " وفي طليعتهم نائب بوش المدعو ديك تشيني. وهي تسمية نعترض عليها ونقترح لها بديلاً علمياً هو " المجنون الراكض " بدلاً من الصقر. وذلك بعد أن أدرك هؤلاء الأثرياء ،بعيد 11 أيلول، أن سبل الإحتيال التقليدية لم تعد كافية لإنقاذهم. وأن السوق الأميركية لم تعد مهيأة للتغاضي عن شركاتهم المفلسة. لذلك رأيناهم يحملون سكاكينهم ويركضون في جميع الإتجاهات. الى العراق وفنزويلا وليبيريا وكوريا والمكسيك والبرازيل وإيران وسوريا والسعودية دون توفير روسيا وفرنسا وألمانيا.

          أما بريطانيا واسبانيا وايطاليا واستراليا فهي دول ركضت مع المجانين. لكنها ركضت خوفاً منهم وليس مشاركة لهم في جنونهم!؟. فالإنصاف يقتضي التذكير بأن هذه الدول ركضت بدون سكاكين. وهي بذلت جهدها لتهدئة المجانين وخفض عدوانيتهم. لكنها في المحصلة ركضت وتورطت معهم رغم أنفها وأنف شعوبها.

     كل هذا والمواطن الاميركي يسأل ببراءة " ترى لماذا يكرهوننا الى هذا الحد؟ ". وهذا المواطن لا يدري أن المجنون الراكض قد طعنه قبل أن يطعن الآخرين. وأن هذا المجنون سيعود ليقتل مواطنيه بعد أن ينهي جولته المجنونة أو بعد أن يصيبه الخوف من الدماء التي سفكها في أرجاء العالم.

     في البداية نفى المجنون الراكض بشدة أنه يستهدف نفط منطقتنا في جولته العراقية. وقدم لائحة مفبركة من المزاعم وسوقها بسياسة التخويف على أنها مبررات وذرائع كافية لنزهته العراقية؟. وها هي الحقائق تتكشف عن كذب هذه الذرائع وأن النفط كان وحده هدف إراقة الدماء العراقية. وتأكد للجميع أن المجنون كان قد خطط لإكمال جولته في المنطقة ، بإتجاه ايران على الأرجح، لولا إعتراضه من قبل المقاومة العراقية. التي تصاعدت بعد أن أدرك العراقيون أن هذا النوع من المجانين يقتل كل من يصادفه دون أن يكتفي بأشخاص محددين بعينهم.

      الآن وبعد الجولة المجنونة في العراق يطرح السؤال عن أسباب تحول المجنون الراكض عن بقية أهدافه وتركيزه على الاسلام وعلى منطقتنا خاصة؟.

لقد بدى الاسلام مهدداً لحياة المجنون الراكض. ففي هذيانه رأى المريض تهديداً إسلامياً متمثلاً بإقتراحات البدائل الاسلامية للإستثمار كما بقدرة رؤوس الأموال المسلمة والنفطية على التأثير في داخل السوق الأميركية. فإذا ما أضفنا الى هذه التهديدات مطالبة ايران بأرصدتها المجمدة والحركة السعودية في السوق الأميركية فهمنا سبب تركيز المجنون على ايران وسبب إنقلابه على السعودية. أما سوريا في تستفز المجنون بسبب غيابها عن لائحة المساعدات الأميركية وإستغنائها عن هذه المساعدات. وهو غياب أعطاها مناعة في مواجهة الضغوطات الأميركية الإقتصادية المصاحبة لجولة المجنون الراكض في المنطقة. الأمر الذي يجعلها غير مأمونة الجانب بالنسبة الى مجنون يقتل العرب هنا وهناك. خاصة وأن سوريا تكرر تأكيد إنحيازها لعرب هنا كما لعرب هناك.

    مهما يكن فإن النهاية الطبيعية للمجنون الراكض هي أن يحاصر وأن يقتل. وذلك بغض النظر عن مدى قوته وعن اعداد ضحاياه. فهل تستفيق الولايات المتحدة والمواطن الأميركي على واقعة مرض صقورها بهذا النوع من الجنون وتتولى علاجهم بنفسها وعلى طريقتها؟. أم تراها تفضل أن تتركهم ليتلقوا علاجهم في الخارج؟.     العودة الى الصفحة الرْيسية