فضيحة أينرون ومستقبل بوش

 

الكفاح العربي في 16/7/2002

 

في سخرية مهينة سأل كلينتون بطرس غالي ،بحضور العمة أولبرايت، السؤال التالي: " هل تعتقد أن من حرية الرأي أن يصرخ أحدهم في قاعة مليئة بالناس قائلا" حريق.. حريق ؟". والواقع أن غالي كان قد صرخ وبحق بوجود حريق آتي لكن أحدا" لم يصدقه!. لكن الحرائق التي قصدها كلينتون هي غير الحرائق التي كان غالي يحذر منها. فقد كان الغضب الأميركي على غالي لكونه أصدر تقريرا" يدين إسرائيل قبيل تفاهم نيسان. كما أنه أعلن عن يهودية أولبرايت ففجر تحفظا" عربيا" تجاه تعيينها وزيرة للخارجية. وهذا النوع من الجنايات كفيل بإخراجه ،هو وغيره، من منصب الأمين العام للأمم المتحدة. لكن بوش الأب بقي على صداقته لغالي وودعه بكلمات عاطفية مؤثرة.

التفاصيل عرضها غالي في كتابه " خمس سنوات في بيت من زجاج" لكن ما يهمنا هنا هو هذه الثنائية الأميركية التي طال إنتظارنا دون أن نفلح في تعلمها وإستيعابها. وتليها ثنائية أكثر تعقيدا" وهي ثنائية الرئاسة/الكونغرس. والحديث عن هذه الثنائيات ضروري ونحو فاقدين للتوجه وفارين من وجه التهديدات التي يطلقها الثور الأميركي في كل الإتجاهات. إذ علينا إدراك واقعة أن ما يرضي بوش لايرضي كلينتون. وما يرضي الأب لايرضي الإبن. وما يرضي الجمهوريين لايرضي الديمقراطيين. وما يرضي الصقور لايرضي المعتدلين. وعامة ما يرضي الرئاسة وطاقمها لايرضي الكونغرس. مما يعني واجب التريث قبل الإندفاع في إتجاه خاطيء يبدو صحيحا" اليوم وخاطئا" غدا". فنحن لا نعتقد بقدرة ووكر بوش على الإحتفاظ بنسب تأييد الجمهور له لفترة طويلة. وذلك ليس فقط لسابقة فشل والده في قطف ثمار نصر حرب الخليج وخسارته أمام كلينتون. وليس فقط لمعرفتنا الأكيدة أن الجمهور الأميركي لا يحب الرؤساء من نوع المنفعل السلبي من أمثال ووكر بوش ولا يساندهم في أزماتهم. بل لمعرفتنا الأكيدة أن الثلاثاء الأميركي إستغل كحقنة مهدئة مؤقتا" لداء الإقتصاد الأميركي الواعد بالإنفجار. بالرغم من كل مايقوله المتفائلون عن إبتعاد شبح الأزمة الإقتصادية الأميركية نتيجة للأموال الأجنبية التي ضخت سائلة في السوق الأميركية. عداك عن توقعاتهم بإزدهار صناعات الأسلحة وإستهلاكها. فأزمة الإقتصاد الأميركي هي أزمة بنيوية لايمكن للعوامل والمؤثرات الخارجية علاجها ما لم يتم هذا العلاج من داخل النظام الرأسمالي. في حين تخطو الإدارة الأميركية في الإتجاه المعاكس لهذا الإصلاح. مما سيجعل من الكارثة الإقتصادية القادمة أكثر حدة وهولا". خصوصا" بعد أن إستهلك بوش كل السيولة الأجنبية ممكنة الجلب و الإستحضار بالضغط والتهديد. بحيث لم يعد أمامه سوى اللجوء إلى العمليات السوداء. بل أن فضيحة إفلاس شركة أينرون هي مؤشر على بداية مبكرة لهذه العمليات الإقتصادية السوداء. وهي إضافة لأثرها على مستوى الثقة بالبيوتات المالية الأميركية الكبرى تثير فضائح سياسية تزكم الأنوف. فوزير العدل الأميركي أشكروفت متورط في الفضيحة. حيث مولت أينرون حملته الإنتخابية الفاشلة لدخول الكونغرس. كما تبين التحقيقات الأولية ورطة نائب الرئيس ديك تشيني في هذه الفضيحة. هذا دون أن ننسى علامات الإستفهام التي طرحت حول قانونية تمويل حملة ووكر بوش الرئاسية.

بعد كل هذه المؤشرات على سوداوية الديمقراطية الأميركية نتذكر كتاب جورج شوروش ،المضارب العالمي، حيث يؤكد معاناة النظام الإقتصادي الأميركي من فيروسات تجعله غير قابل للعولمة. كما تجعله مهددا" من داخله. ولعله من واجبنا أن نتابع بدقة مؤشرات هذه الفضيحة وإنعكاساتها المستقبلية على الإدارة الحالية قبل الخضوع لشروطها القابلة للإلغاء بعد أقل من عشرة أشهر. وهي الفترة المفترضة لنهاية التحقيق في إفلاس أينرون. فهل ترانا نقوى على التمسك بفضيلة التريث و الإنتظار على غير عادتنا؟.

العودة الى الصفحة الرْيسية