لقاء مع مؤلف " الثلاثاء الأسود - خلفية الهجوم على الولايات المتحدة "
 الدكتور محمد أحمد النابلسي
   

 

الصحافي اللبناني الكبير اسكندر داغر يقابل النابلسي ويحاوره في توقعاته المستقبلية في كتابه "الثلاثاء الأسود" والمقابلة منشوررة في مجلة الأسبوع العربي في 12/8/2002 واليكم نص الحوار:

يدخل الطب النفسي مع السياسة في علاقة تواطوئية0 وهذا التداخل تم تداوله على نطاق واسع في أوائل السبعينات حين تم إغتيال عدد كبير من الأطباء النفسيين التشيليين في سياق الإنقلاب الذي قاده بينوشيه آنذاك ضد الليندي.مما طرح بإلحاح إشكالية العلاقة بين السياسة والطب والنفسي.

الدكتور محمد أحمد النابلسي الممارس العيادي للطب النفسي قدم للمكتبة العربية عدة كتب في مجال الطب النفسي السياسي . إضافة الى مجموعة مقالات تحليل سياسي . وبمناسبة ظهور الطبعة الثانية من كتابه " الثلاثاء الأسود/خلفية الهجوم على الولايات المتحدة "كان لنا معه هذا اللقاء .

*هنالك علاقة تبادلية بين الطب النفسي والسياسة ونريد معرفة رأيك وتجربتك في تفاصيل هذه التبادلية التي تذهب الى حد التواطوء احيانا" .

- النابلسي : هذه التبادلية تنطلق من العلاقة بين الإختصاص وبين الفكر الإجتماعي      والسياسي الذي يحدد معايير السوء والشذوذ . فالسلوك المعارض لهذا الفكر يعتبر إما جنوناً أو شذوذاً . وعلى الطب النفسي أن يراعي هذه المعايير لأنها القواعد التي تعتبر شروطاً أساسية لعملية التكيف .الذي يتقدم إذا لم تحترم هذه الشروط . وهنا يبدأ التواطوء بين الإختصاص والمعايير السائدة.

*هل يعني ذلك أن لكل مجتمع أو فكر سياسي إجتماعي الطب النفسي الخاص به ؟

- النابلسي : لو عدنا الى الحرب الباردة لوجدنا أن للشيو عية رؤيتها الخاصة للإختصاص. ومن ضمنها رفض التحليل النفسي جملة وتفصيلاً . بل أن الصراع بين الفرع الشيوعي و الفرع الأميركي للإختصاص أولى الى حدود طرد الإتحاد السوفياتي من   الجمعية الدولية للطب النفسي . ولم يعد إليها إلا في مؤتمر أثينا العام  1989أي بعد سقوط جدار برلين ومعه الشيوعية .

*هل يمكن إعتبار كتابك "نحو سيكولوجيا عربية " الصادر عام 1995 محاولة لتجسيد رؤية عربية للطب النفسي ؟

- النابلسي :الإتهام الراهن للعرب بكونهم ارهابيين يعود في أساسه إلى الرؤية الإختصاصية الأميركية والآراء المعروضة في كتاب "نحو سيكولوجيا عربية" كانت مناقشة لقائمة التهم السابقة لتهمة الإرهاب.وهي صالحة لمناقشة مفهوم الإرهاب نفسه على ضوء معطيات البيئة الثقافية . لذلك أعتقد أن الكتاب أصبح أكثر فائدة  اليوم منه لدى صدوره في العام 1995 .

*كتبك الطب -نفس سياسية تنتمي الى فرع المستقبليات . نود لو تذكرنا بعناوينها .

- النابلسي : جرعة السياسة تختلف من كتاب  لآخر  إلا ان المستقبليات حاضرة في هذه الكتب، وقائمة مؤلفاتي في مجال المستقبليات  تتضمن العناوين التالية :

  دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية  /1985

  نحو سيكولوجيا عربية            /1995

  سيكولوجيا السياسة العربية       /1999

  الثلاثاء الأسود خلفية الهجوم  /2001

*كتابك الأخير" الثلاثاء الأسود " لاقى إقبالاً ملفتاً حتى صدرت طبعته الثانية بعد ثلاث أشهر على صدور الأولى . فهل يمكن رد هذا الإقبال الى أهمية الكتاب أم الى إهتمام القارئ بالأحداث ؟

- النابلسي : لاشك أن الموضوع راهن وحدثي وهذه الحدثية قد تكون هي المسؤولة عن رواج الكتاب . لكني أعتقد بقدرة الكتاب على تجاوز هذه الحدثية . بحيث يحتفظ بأهميته بعد زوال الإهتمام بالحدث. ذلك أن معظم التوقعات المستقبلية التي يحتويهالم تتحقق بعد.

*لنبدأ أولاً بما تحقق من توقعاتك في هذا الكتاب .

- النابلسي : لفتنا الى الإرهاب الداخلي الأميركي . وقررنا مسبقاً عجز القاعدة وبن لادن  عن تحقيق إصابات موجعة بأميركا . وهذا القرار كان سابقاً لأحداث الثلاثاء  بأ كثر من سنتين . لذلك رددت في عدة مقابلات مع فضائيات عربية إعتقادي بعدم  قدرة بن لادن على القيام بعمليات نوعية من هذا الحجم .

* لكن دلائل ووثائق عديدة منشورة تدين بن لادن والقاعدة فكيف تبرؤه؟

- النابلسي : ليست لدي معلومات عن فترة ما بعد 11 أيلول . وعلى أية حال فإن هذه       المعلومات متضاربة وغائمة . وموقفي يستند الى مجموعة متماسكة من المعلومات السابقة للحدث والى تحليل دقيق لهذه المعلومات . مثال ذلك أن جائزة القبض على بن لادن كانت خمسة ملايين دولار . وهو ميلياردير قادر على دفع هذا المبلغ كبقشيش .وعليه يوجد إحتمالان . الأول أن يكون خطر  بن لادن معدوماً. والثاني أن تكون المخابرات الأميركية فائقة الغباء والغفلة . ولو هي كانت كذلك لما بقي جورج تينيت  وغيره في مناصبهم . وهذا مجرد مثال فالقضية منطقية . 

*ماذا عن توقعات الكتاب التي لم تتحقق بعد ؟ .

- النابلسي  : إنطلقت في تحليلي من سلوك بوش خلال إدارته لشركته النفطية . وأسلوبه    في التعامل مع أزمات تلك الشركة العام 1989 عندما شارفت على الإفلاس. في حينه لجأ بوش الى تعاطي الكحول ( يفسره الإختصاص بأنه  يعكس إكتئاباً شديداً) وبعضهم يقول بتعاطيه للكوكايين . وهو ترك حل الأزمة لوالده وأصدقائه . وعليه فإن هذا الرئيس يمتاز بسلبية تجعله عاجزاً عن ملء الفراغ الذي خلفه كلينتون .وعليه فإنه سيواصل إرتكاب الحماقات بتأثير الأقوياء الذين أوصلوه الى الحكم . وتبدت  هذه الحماقات بصور   كثيرة يصعب حصرها .

* لتعطينا بعض الأمثلة على هذه الحماقات ؟

- النابلسي : تطول قائمة الأمثلة ومنها الكلمات البذيئة التي وجهها الى مراسل نيويورك        تايمز أثناء الإنتخابات ( لم ينتبه الى أن الميكروفون لايزال يعمل ! ) . ثم  تكثيف التجسس على الصين وتحديه لها مما خلف أزمة الطائرة الصينية.وبعدها  إستخدامه لمصطلحات "الحرب الصليبية " و "العدالة المطلقة " وغيرها من المواقف التي يثبت حمقها وغباءها من خلال إضطراره للإعتذار العلني عنها .

*ما هي التوقعات المترجمة لهذه الحماقة كما تسميها ؟

- النابلسي : أهم التوقعات التي أصر عليها وأؤمن بكونها قادمة لامحالة هي التالية :

1-                  إضطراب فترة بوش الرئاسية . وهو واضح منذ البداية.

2-        عجز عن إتمام ولايته (وليس عن التجديد لولاية أخرى ) . وذلك لجملة  أسباب. أولها أن كل الرؤساء الأميركين الفائزين بفوارق ضئيلة ،في الأصوات، لم يكملوا ولايتهم . فهم إما قتلوا وإما أقيلوا .

3-       إنعدام حظوظه في تحقيق مشروعه الرئاسي. وهو خفض الضرائب وزيادة التسلح  ( الدرع الصاروخي ) . وهذا أصبح مستحيلاً بعد كلفة وزارة الأمن القومي ( 37 مليار دولار سنوياً ) .

4-       الإنفاق الهيستيري على الأمن باعتبار أن العالم مجبر على تغطية تكاليفه . وإذا رفض فهو يقبل بالقوة .

5-       الإصرار على سطوة أميركية معادلة للقوة العسكرية هو إصرار يعكس فاشية فريق بوش . وهذه الفاشية ستضرب من الداخل الأميركي .

6-       إستحالة تجاوز الإقتصاد الأميركي لهذه الأزمات مهما بلغت الضغوطات الأميركية على العالم .

7-       الفضائح التي تنتظر بوش وفريقه .وهي لاتزال تحت السيطرة ولكن لحين. فهذا الفريق متورط في فضيحة (إينرون ) . كما أنه متورط في التمويل غير المشروع لحملة بوش الإنتخابية . دون نسيان تهمة تزوير هذه                         الإنتخابات . عداك عن فضيحة رامسفيلد في أفريقيا إلخ

8-       تنامي إحتمالات تغيير أساسي في سياسة بوش مع إحتمال وفاة أبيه (المصاب باضطراب نبض القلب )وديك تشيني (الذي يصاب بذبحات قلبية متكررة) .

* الكتاب لايضم توقعات بمثل هذا الوضوح . و هل يمكن  لهذه التوقعات ان تدرج في اطار إدعاء الحكمة  بمفعول رجعي ؟ 

- النابلسي: كما تعرف فإن الكتاب يضم مجموعة مقالاتي المكتوبة قبل 11 أيلول وبالتالي فهي حكمة بمفعول تقدمي وليس رجعي . وغالبية توقعات الكتاب موضحة بصورة مباشرة ودقيقة .

* أشرت في أكثر من مقالة منذ العام 1999 ولغاية فوز بوش الى أن كلنتون هو آخر الرؤساء الأميركين المحترمين . مع أنه لم يكن يبدو محترماً كفاية.فمن إنفجار أوكلاهوما (1995) الى فضيحة مونيكا ولغاية فشله في تحقيق السلام لم يكن كلينتون كما تقول.

- النابلسي : إحترام كلينتون يأتي من أسلوبه الراقي في التعامل مع الأزمات .ومنها الأزمات التي ذكرتها . فهو لم يصر على إتهام العرب والمسلمين بإنفجار أوكلاهوما. مع أن الصحافة طرحت مثل هذا الأهتمام . وكان بإمكانه التمسك به لتحقيق قائمة من المكاسب الكبرى . أما فضيحة مونيكا فقد كان مرناً ودبلوماسياً بحيث تملص منها . أما فشل السلام فسببه قرار إسرائيلي بعدم إ تخاذ أية خطوة إستراتيجية دون أن تتوضح  الإستراتيجية الأميركية . التي نجح كلينتون في إخفائها وتوريتها ولذلك بقي محترماً . وهو الإحترام الذي فقده بوش حتى بات من المألوف وصفه بالغبي والمغفل وقليل الذكاء والتابع لصقور إدارته   إلخ من صفات العجز .

  العودة الى الرْيسية