مقابلة مع الدكتور النابلسي مؤلف:
 النفس المغلولة
سيكولوجية السياسة الاسرائيلية

بمناسبة صدور كتابه النفس المغلولة /سيكولوجية السياسة الاسرائيلية قابلت مجلة الاسبوع العربي النابلسي وكان لها معه الحوار التالي:

لم تسعى اسرائيل يوما لاقامة اتصال طبيعي مع العرب. بل  انها كانت تستجيب برعب هيستيري لاي اتصال طبيعي على هذا الصعيد.حيث تكفينا الاشارة الى مقدار رعبهـا من اية مبادرة سلام عربية ومنها مبادرة الملك فهـد للسلام عقب " قمـة فاس" 1981 و سلوكها التالي لهذه المبادرة. وهو سلوك تناوله المفكر نعوم تشومسكي بالنقد والتحليل في كتابه مثلث الشؤم. حيث راى انها ارسلت طائراتها للتحليق فوق السعوديـة لتعود فتنفذ عمليـة اجتياح لبنان (1982)  فقط للتهرب من احتمال السلام.وقامت بقلب الطاولة على الجميع. وما تقدم يفسر لنا توظيفها لتقنيات الاتصال الحديثة، الانترنت خصوصا، لتحقيق هـذاالاختراق ولشن حرب انترنتية افتراضية ضد العرب. و هـذا الواقع يطرح ضرورة التعرف على المحركات النفسيـة الاسرائيلية  وعلى السمات الخاصة بالشخصية اليهودية التي تقود الشارع الاسرائيلي و تتحكم به. وذلك يقتضي الاطلاع على التحليل النفسي للشخصية اليهوديـة. وهـذا ما يقدمه الدكتور محمد احمد النابلسي من خلال كتابه الجديد المعنون ب: "النفس المغلولة- سيكولوجية السياسة الاسرائيلية". والمؤلف هو الامين العام للاتحاد العربي للعلوم النفسية واستاذ الطب النفسي في لبنان ومستشار للعديد من المجلات والجمعيات الاختصاصية العربية والاجنبية. وحول الكتاب كان لنا مع المؤلف اللقاء التالي:

النابلسي: نجد في اليهود الروس خير مثال على ذلك.فهذا التجمع يحافظ على لغتـه الروسية ويصدر صحفه بهذه اللغة.كما انه اقام احزابـه الخاصة به و كذلك اعتمد  نظاما قيميا على علاقـة مباشرة بنظام القيم الروسي. عداك عن ان الشك يطاول يهودية 65% من هذه الجماعـة التي يبلغ عددهـا مليون مهاجر. و قس عليه بالنسبة الى اليهود الفالاشا واليهود العرب و يهـود اوروبا الشرقية وغيرهـا من الحارات/ الغيتوات السابقة التي لايمكن بحال الحديث عن انصهارها في شخصية اسرائيلية واحدة.

* هل تبرر هذه التعددية انصرافكم لتحليل شخصية يهودية عوضا" عن اسرائيلية؟.

- ان غياب العناصر الثقافية المشتركة بين جماعات الهجرة الاسرائيلية  هو المسؤول عن أزمة الهوية الراهنة في اسرائيل. وهو الدافع لتحليل الشخصية اليهودية (عوضا" عن الاسرائيلية) حيث اضطررنا للاستعانة بالانثروبولوجيا لبلوغ الهدف من هذا التحليل. فالجماعـة الاسرائيلية مفككـة وموزعة الانتماءات بحيث يرتبط اي حديث عن شخصية اسرائيلية بالحديث عن شيزوفرانيا هذه الشخصية.عداك عن التفكك الفرعي (التفتت). حيث تنقسم كل جماعة اسرائيلية الى فتات متناثر بين الانتماءات الفرعية الاسرائيلية. ومتابعة    بقيـة فصول الكتاب تدعـم هذا التحليل و تعمق شرحـه.حيث اعتمدنا مبدأ رصد وتحليل السلوك السياسي الاسرائيلي منذ قيـام اسرائيل وحتىاليوم.

* يتكلم الكتاب عن تجليات الشخصية اليهودية في السلوك السياسي الاسرائيلي فماذا عما اسميتموه بسيكولوجية الخداع الاسرائيلي؟.

- ان الخداع الاسرائيلي يتجلى باعتمـاد مصطلحات لها دلالات ظاهرية ايجابية الا ان اسرائيل تعتمد الدلالات الباطنة لهذه المصطلحات. فالسلام بالنسبة لها هو مجرد تسوية مؤقتة بانتظار التطورات الاستراتيجية العالمية. و التطبيع هـو الدخول في علاقـة مصلحة مع  العرب دون الاعتراف بهم. اي مع اصرارها على معاملتهم بدون مساواة وهي المعاملة اللائقة بالاغيار.و هـذه الازدواجية الدلالية لابد لها من اعتماد اساليب خداع متطورة . حاولنا اعطاء امثلة عملية عليها من خلال الفصل الثاني الذي حمل عنوان: "سيكولوجيـة الخداع الاسرائيلي-شائعة التطبيع نموذجا".

  ان مفهوم حقوق الآخر لدى اليهود هو اقرب الى المفهـوم الروماني. فالمحرمات واجبة العقاب تتحول الى مباحة اذا كان ضحيتها الغير- اي غير اليهودي_ و هذا التمييز في الحقوق يستتبع ضرورة الكذب و الاحتيال. وهـذا ما حاولنا شرحه في فصل: "سيكولوجية الاحتيال-المفاوض الاسرائيلي نموذجا".

و بما ان استباحـة الآخر هـي الشرط الرئيسي المبرر للعدوان فان من حق السيد ان يعتدي حتى على مقدسات الآخر. وفـي هذا الاعتداء تخطي لابسط القواعد الانسانيـة.

* في الفصل التالي اتخذتم من شارون نموذجا" للاعتداء على الآخر بصورة سفاح. لماذا وقع اختياركم على شارون تحديدا"؟.

- اردنا اعطاء مثال سياسي يجسد احتقار الآخر لدرجة استباحة الاعتداء عليه. وبينا ان اختيار شارون جاء بسبب تدنيسـه للمسجد الاقصى وليـس بسبب نقص السفاحين الاسرائيليين (كتب الفصل ونشر بتاريخ 23/10/2000 اي قبل تسلم شارون لرئاسة الوزارة  بحوالي ال3 اشهر). والتصدي لتحليل الجانب الاجرامي في شخصية شارون اصبح اكثر فائدة بعد تسلمه ذمام القيادة في اسرائيل. والواقع ان القدس تحتل حيزا كبيرا فيالكتاب.فهي حاضرة لمنع تفكيك العرب الى اغنياء وفقراء.كما انها تحول دون تفكيكهم جغرافيا.فالقدس هي مسؤولية تاريخية مشتركة وهي واقية  من التفكيك و معالجة ناجعة لمحاولات التفتيت.و ها هي انتفاضة الاقصى تاتي لتثبت هذه اللحمة المقدسية. لكن دون ان تعني هذه اللحمة التفريط بالحقوق الاخرى.فهي داعمة لهذه الحلول وليست مختزلة لها.

* ماذا عن الحرب النفسية الصهيونية ضد العرب؟.

- ان الحرب النفسية التي تخوضهـا الصهيونيـة ضد العرب تعتمد على تلميع صورة اليهـودي مع تعميق سلبية صورة العربي بترسيخ الصورة التي رسمت له عبر الاستشراق. حيث تلاحظ بكل تاكيد السيطرة اسرائيلية الاعلامية. وهنا نذكر بان من واجب العرب الا يستسلموا لهذه الحرب النفسية و ان يسعوا لعرض صورتهم الحقيقة امام العالم.خصوصا بعد ان بدأ مفكرو وصحافيو هذا العالم يبدون اهتمامهم بمعرفـة الحقائق. فمن نعوم تشومسكي الى  بول فندلي ( مؤلف من يجرؤ على الكلام - خيبات مؤجلة ) وصولا الى البروفسور اليهودي فييلنكشتاين الذي ادان الاتجار الصهيوني بمشاعر الناس عبر حرب نفسية شرسة اسمها الهولوكوست فكان كتابه "صناعة الهولوكوست" ...وغيرهم من الباحثين عن الحقيقة.

* يتحدث الكتاب عن عقدة اسرائيلية شبيهة بعقدة فيتنام. كيف تجلت هذه العقدة في السلوك الاسرائيلي سياسيا" واجتماعيا"؟.

 - الملاحظة الاولى تتعلق بالانخفاض المتزايد لاستعداد الاسرائيليين لتقديم ضحايا بشرية. و لرغبتهم بالاقتصار على استخدام  تفوقهم العسكري تجنبا لذلك.لكن وجود جيشهم في الشريط اللبناني اجبرهم على تقديم الضحايا.من هنا كانت المطالبة الشعبية الاسرائيلية الضاغطة للانسحاب من لبنان. الذي حصل بعد ضغوطات اجتماعية وسياسية متعددة الصعد. كما انه حصل وفق سيناريو سابقة. اذ لم يسبق لاسرائيل ان انسحبت من اراض احتلتها بدون شروط ومكاسب كما حصل في جنوب لبنان. وهذا الانسحاب هو المؤسس لما يمكن تسميته بعقدة فيتنام الاسرائيلية. وهي عقدة في طريقها للترسيخ ولتعجيل سيرورة رفض المجتمع الاسرائيلي تقديم ضحايا بشرية. وربما لذلك لجأ الاسرائيليون الى شارون. عله يستخدم التفوق العسكري ليجنبهم كأس الضحايا البشرية. الا انها تجربة فاشلة مسبقا". فالسلاح لم يعد قادرا" على الحسم!.

* عمدتم للربط بين القدس والنفط والمستقبل في فصل حمل هذا العنوان ما هي آليات هذا الربط التي استندتم اليها؟.

- في هذا الفصل بينا رفضنا اعتبار تدنيس شارون للاقصى مجرد تصرف خارج السياق. اذ نعتبره تصرفـا مدروسا ومخططا" له بل اننا  نذهب الى الربط بينه و بين ازمة النفط السابقة له ببضعة اسابيع . و ذلك بحيث يصعب الفصل بين النفط والقدس فماذا عن المستقبل؟.

* المؤرخون الاسرائيليون الجدد يوجهون الدعوة للتعاون مع المؤرخين العرب. الا انكم اعتبرتم دعوتهم هذه نوعا" من الخداع. فهل هو فكر المؤامرة والتوجس؟ ام ان لكم رؤيتكم المبررة لهذا الموقف؟.

- عرضنا في الفصل الثامن لخداع المؤرخين الاسرائيليين الجدد و تحديدا لخدعة دعوتهم لما يسمونه ب: " التدوين المشترك للتاريخ ". و يتلخص راينا باعتبار ان ما يعرضـه هؤلاء  لا يخرج عن كونـه معلومات افرج عنهـا بعد مرور الوقت وهي متاحة للباحثين و بالتالي فان عرضهم لهـا في كتب لايعطيهـا قيمة اضافية. و مثالا عليه  طرحنا كتاب السناتور الاميركي السابق " بول فندلي " المعنون " خيبات مؤجلة "كمثال على المصادر البديلـة التي تغنينا عن الانخداع بالمعلومات التي يعرضها هؤلاء المؤرخون. انهم باختصار يريدون مقايضة معلومات مؤرخينا التي لاتزال غير معلنة بمعلوماتهم التي فقدت قيمتها بعد اعلانها. بحيث باتت دراستها وتحليلها متاحة لمن يرغب من الباحثين المحليين والعالميين.

* من ملفات الارهاب الصهيوني عنوان فصل بدا دخيلا" على الكتاب. اذ لايخرج عن كونه سردا" صحافيا" للمجازر الصهيونية المعروفة. لماذا اقحمتم هذا الفصل في الكتاب؟.

- وجدنا انه من الضروري التذكير بمفاصل تاريخية للارهاب الصهيوني فقدمنا عروضا ملخصة و مختصرة لابشع المجازر الصهيونية. و ذلك في الفصل العاشر الذي يحمل عنوان: " من ملفات الارهاب الصهيوني". وكان هدفنا منه توضيح ترابط المظاهرات العدوانية الاسرائيلية بحق الشعوب العربية. بحيث يستبعد القاريء تماما" الحجج المبررة الآنية.

* يبدو لنا انكم تنظرون لمعاداة السامية على انها اختراع صهيوني فهل قدمتم ما يدعم هذا الاعتبار؟ وهل يعني ذلك رفضكم لوجود تيارات معادية للسامية؟.

 - بدأنا بمناقشة نشأة مصطلح معاداة السامية وبينا استغلال الصهيونية له لدرجة الاتجار به وتزييف وقائعه والتهديد بتهمة  اللاسامية لكل من يجرؤ على الكلام الذي يزعجها. وعنونا هذا الفصل:  "  معاداة السامية و الدلالات المستعارة ". ونحن لاننفي وجود معاداة السامية الا اننا نردها للاخطاء التي يراكمها اليهود ضد الاغيار. بحيث تنفجر في وجوههم بموجات معادية لهم. وهذا ما يؤكده العديد من المؤرخين والكتاب ومنهم الاسرائيلي اسرائيل شاحاك الذي يصر على اعتبار معاداة السامي وموجاتها ردود فعل لعمليات الاستغلال اليهودي.

* خصصتم لنهاية اسرائيل فصلا" منفردا".فهل تعتقدون هذه النهاية من الاحتمالات المستقبلية الموضوعية؟ ام انها مجرد اسقاط لرغبات هوامية كما يقول البعض؟.

- خصصنا لهذا الموضوع الفصل الحـادي عشر و عنوانه:"نهاية اسرائيل و استمرار لعبة الأمم".حيث عرضنا لنظريات مستقبلية تتوقع اقتراب اسرائيل من النهايـة. فعرضنا للسيناريو  المتصور مـن  قبل المستقبلي  الفرنـسي جاك آتالي كمـا عرضنا لطروحات يوسي  بيلين  (وزير العدل و الاكاديمي الاسرائيلي) في كتابه "موت العم الاميركي" و فيه يتوقع الكارثـة بسبب نفاد الخزان البشري اليهـودي ويدعو الى تلافيها.كما عرضنا لاراء اخرى حول نهاية اسرائيل.

* تبدى اهتمامكم بمحمود درويش في معارضة مقولة "موت الشعر" فهل رأيتم فعلا" في قصيدته دليلا" على استمرارية الشعر في الحياة بحيث يمكن نفي موته؟.

- ان القصيدة التي تناولناها بالتحليل قد سببت هزة في الكنيست الاسرائيلي بعد سنوات على تاليفها. بل انها سببت انقساما" في الرأي بين التربويين الاسرائيليين. حيث رفضت المدارس الدينية مناقشة موضوع تدريسها. وانقسمت المدارس الحكومية الاسرائيلية حول هذا الموضوع. وعندما تستطيع قصيدة ان تمارس مثل هذا التأثير السياسي فانه من غير الموضوعي القول باهمال عامل اثرها واستمرار الحديث عن موت الشعر!. لأن في ذلك مخالفة صريحة للمنطق وللواقع. لذلك رأينا انه من المفيد ان نحلل هذه القصيدة (عابرون في كلام عابر) ورأينا ان نودع القاريء في آخر صفحات الكتاب بأبيات منها تقول: ... اعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس....و لتموتوا اينما شئتم و لكن لا تموتوا بيننا....

* اشرتم الى ان الانتصارات العسكرية الاسرائيلية كانت بثمن اعاقة تحولها الى دولة صناعية كبرى(وفق ما تحلم به حسب قولكم). كما اكدتم ان صمود الرفض العربي لاسرائيل هو المنتصر والمسبب لهذه الاعاقة. لكن الانباء تحمل لنا تأكيدات عن ملكية اسرائيل لصناعة الكترونية متطورة ومشاركتها في مشاريع عالمية ومقررة مستقبليا" في هذا المجال. هذا اذا تجنبنا الخوض في اختراقات المقاطعة الاسرائيلية. فهل تصرون على ان اسرائيل هي دولة معتمدة على المعونات؟.

- ان الخلاف حول المقاطعة ودرجتها من دولة عربية لأخرى انما يعكس خلافا" بينها في وجهات النظر حول المواضيع التي طرحتموها تحديدا". ورأينا فيها هو التالي. ان فوارق غير ممكنة الاهمال موجودة بين الصناعة التقليدية والالكترونية. وهي تشبه الى حد بعيد الفرق بين الماس الذي تمكن سرقته من مناجمه والابتعاد به وبين البترول الباقي في اعماق الارض. والحلم الاسرائيلي الحقيقي كامن في ارساء اقتصاد غير قابل للانتقال. فالصناعة الالكترونية تعتمد على خبرات تنتقل وفق مباديء البدوي الجديد. فهي وان كانت يهودية الا انها باحثة عن العروض الافضل. ولولا الدعم الاميركي لهذه الصناعة الاسرائيلية والشراكة فيها لما تمكنت اسرائيل من اقامتها وكذلك من الاستمرار فيها مما يجعلها صناعة معونات!. ولنتذكر الكيبوتزات الاسرائيلية واهمية مفهوم ربط المهاجرين بارض فلسطين ولو بثمن زراعة خاسرة وعندها ندرك الفشل الاسرائيلي الذي يتوج بفشلها في تحويل دول المنطقة الى مستهلكة لانتاجها من الصناعات التقليدية. اما الصناعة الالكترونية فهي ميدان آخر ينتمي الى العولمة المفتوحة على المفاجآت. ولعل انهيارات بورصة هذه الصناعة خير دليل على صعوبة الاعتماد عليها في تكوين هيكلية اقتصادية لدولة. دون ان يعني هذا الموقف تجاهل قدرة اسرائيل على المنافسة وامكانية استغلالها ليهود الخارج العاملين في المجال.

  العودة الى الرْيسية