سلسلة تشخيص الاضطرابات النفسية ( 11 مجلدا)

المؤلف: جماعة من الباحثين

عرض: عبد الفتاح دويدار

 

      كان اللقاء العلمي الأول بين الرائدين النابلسي والرشيدي في اشتراكهما بالاشراف على موسوعة تشخيص الاضطرابات النفسية الصادرة عن مكتب الانماء الاجتماعي في الكويت. ونظرا" لأهمية هذه الموسوعة وحاجة المكتبة العربية لها كان لنا العرض النقدي التالي حولها. وهوعرض نشرته اكثر من منشورة مختصة ومهتمة. اذ يعتبر التشخيص الركـن الاساسي للعملية العلاجية.و تمتد هذه الاهمية لتشـمل كافـة ميادين الشفاء.فالتشـخيص الخاطيء يستتبع العلاج غـير المطابق و يؤدي الـى تعثر العملية العلاجية بكاملها.و اخطاء التشخيص كثيرة و متنوعة بحيث يصعب حصرها.و هذا ما يطـرح ضرورة التشخيص التفريقي.وهي الاصعب حيث الخلل يؤدي الى تشخيص غير متكامل بمعنى انه ناقص و غير قادر على تغطية الاعراض كافة.بما يمكن تسميته بالتشخيص الناقص.

و لقد فطن العاملون في منظمة الصحة العالمية الى هذه الاشكالية. مما دفعهم لاصدار الدلـيل العالمي لتشخيص الامراض.و هو دليل يتطور و ينقح باستمرار على ضـوء المعطيات الطبية الحديثة.سواء لجهة تحديد علائم جديدة  للامراض او لجهة امكانية استخدام فحوصات نظـيرة العيادية لدعم التشخيص و تأكيده.

لكن الامر يختلف بالنسبة للامراض النفسية.حيث العلائم العيادية تتخذ طابع الذاتية لارتباطها بالشخصية الاساسية للمريض.و حيث تكاد تغيب الفحوصات المخبرية و نظيرة العيادية. الا ان ذلك لايمنع وجود الدليل الخاص لتشخيص هذه الامراض.فهنالك الدليل الاميركي و دليل منظمة الصحة العالمية بالاضافة الى غيرها من اقتراحات التصنيف و التشخيص.و هذه التعددية تقود الى طرح السؤال عن وجود دليل عربي لهذه الامراض يراعي الظروف الثقافية والبيئية العربية؟

في الواقع ان جهودا عربية جادة قد بذلت على هذا الصعيد.و هي انطلقت من مسلمة ضرورة تعديل الاختبارات النفسية و تقنينها بحسب ظروف البيئة.فالاختبار غير المعدل يقود الى التشخيص الخاطيء.و هذه الحاجة الحيوية للتصنيف العربي تعطي طابع السبق و تلبية الحاجات للعمل الضخم الصادر عن مكتب الانماء الاجتماعي في الكويت و المعنون ب:سلسلة تشخيص الاضطرابات النفسية.الواقعة في ثلاثة مجلدات تتناول:التخلف العقلي و اضطرابات التعلم و اضطراب المهارات الحركية واضطرابات التواصل و الاضطرابات الارتقائية الشاملة و اضطراب الانتباه و النشاط الزائد.و الانحرافات السلوكية عند الاطفال والمراهقين و اضطرابات التغذية والاكل و اضطرابات اللازمات العصبية و اضطرابات التوظيف الاحتماعي عند الاطفال و الاضطراب الحركي النمطي و الوظاءف العقلية (المعرفية)العليا واضطراباتها و الهذيانات الناشئة عن الحالة الصحية العامة و المصاحبة لتعاطي العقاقير والمخدرات و تشخيص اضطرابات الخرف و تشخيص اضطرابات فقدان الذاكرة و الاضطراب الكاتاتوني ( التخشبي).و اضطرابات تغيير الشخصية و اضطرابات نفسية غير محددة النوعية بعد تعزى الى حالة طبية عامة.

وهذا العمل الموسوعي انطلق اساسا من استشعار الزملاء الكويتيين لهذا التصنيف بعد ان قاموا بدراساتهم الموسعة حول العصاب الصدمي في المجتمع الكويتي.وهي دراسات استتبعت تعديل العديد من الاختبارات النفسية و تطويعها بما يلائم البيئة العربية و الكويتية خصوصا.حيث تبرز في هذا المجال دراسات البروفسور بشير صالح الرشيدي الذي توصل لاقرار الطريقة العلاجية التي تلقى قبولا متزايدا لدى العياديين العرب.و كذلك الدكتور فهد عبد الرحمن الناصر مدير مكتب الانماء الاجتماعي المشرف على العديد من النشاطات الاختصاصية التي اضافت اضافات هامة الى المكتبة النفسية العربية وكذلك العيادة.كما تضافرت جهود البروفسور ابراهيم الخليفي والبروفسور طلعت منصور و البروفسور محمد احمد النابلسي و الدكاترة حمود القشعان و بدر بورسلي.

و تجدر الاشارة الى ان مركز الدراسات النفسية- لبنان كان قد تبنى الدعوة الى ضرورة ارساء مثل هذا الدليل ابتداء من العدد الاول لمجلته "الثقافة النفسية المتخصصة" حيث بين الوقائع التي تجعل من هذا الدليل ضورة لابد منها لتطور العلوم النفسية في الوطن العربي. فبمراجعة افتتاحية هذا العدد نجد انه يربط بين امكانية ارتقاء العلوم النفسية و تطورها و بين  انجاز هذا الدليل. كما قامت المجلة بنشر مختصر دليل منظمة الصحة العالمية في عددها الخامس و العشرون.

ولنترك التعريف بهذا العمل الضخم الى رئيس تحرير هذه السلسلة البروفسور الرشيدي اذ يقول:..لقد اولى مكتب الانماء الاجتماعي اهتماما خاصا بالخدمات النفسية و الاجتماعية و باهميتها ز الحاجة اليها و من ثم تعاظم الحاجة الى الارتقاء بمهن الخدمات النفسية و الاجتماعية في اداء مهامها و وظائفها في المجالات المختلفة من فعاليات حياة الفرد و الاسرة و المجتمع.و تبرز من بين هذه الفعاليات مجالات التشخيص و العلاج و البحث في الاضطرابات النفسية و السلوكية في المستويات العمرية المختلفة.وتلك موضع اهتمام انظمة علمية و تطبيقية متعددة تشمل علم النفس المرضي و الاكلينيكي و الطب النفسي و الارشاد و العلاج النفسي و الخدمة الاجتماعية و التمريض و التاهيل و التربية. و غني عن القو ل ان تقديم الخدمات الوقائية هو ضرورة ملحة لكنه رهن بالتشخيص الدقيق لهذه الاضطرابات.فالعلاج الناجح هو العلاج الذي يستند الى تشخيص دقيق.فهو الذي يجنب الخلط ويببين التداخل بين الفئات المختلفة.هذا التجنب الذي يعتبر الهدف الاول لعلم تصنيف الاعراض.و هكذا تبرز مشكلة التشخيص الفارق كقضية علمية و فنية و مهنية واخلاقية و قانونية للتمييز بين الفئات التشخيصية لهذه الاضطرابات.

ان اتخاذ قرار التصنيف الاكلينيكي للحالة هو الخطوة المقررة لرسم استراتيجيات العلاج واسلوب التعامل مع الحالة.و بالتالي فان التشخيص هو قرار تترتب عليه مسؤوليات وكذلك فعالية التدخل العلاجي.

و يتابع البروفسور الرشيدي انه و بناء على هذه الاعتبارات يقدم مكتب الانماء الاجتماعي بالديوان الاميري هذه السلسلة لتشخيص الاضطرابات النفسية و السلوكية التي تعتمد على المصادر العالمية المقررة في المجال و منها اعمال و وثائق الرابطة الاميركية للطب النفسي في تعديلها الرابع و هو الاحدث و كذلك وثائق الامم المتحدة في ما اصدرته منظمة الصحة العالمية في احدث تعديلاتها المسمى بالتصنيف الدولي العاشر للاضطرابات النفسية و السلوكية.و في اطار هذا النسق الذي تقرره هذه الهيئات العالمية من محكات و فئات تصنيفية والذي تستند اليه الهيئات و المؤسسات العلمية العالمية نقدم هذه السلسلة لتصنيف الاضطرابات النفسية و السلوكية.و ذلك وفقا لنظام معتمد في كافة مجلدات هذه السلسلة و المتحدد في ما يلي:

1-      بحث في المفاهيم الاساسية و الاطار النظري لكل فئة(اضطراب) من فئات التصنيف الذي يمثل الخلفية العلمية للاضطراب.

2-      تشخيص الاضطراب و يتضمن معالمه التشخيصية و اعراضه الملازمة له و ملامحه المتعلقة بمتغيرات الثقافة و العمر و الجنس و النسق التطوري و النمط العائلي و التقديرات الاحصائية لمعدلات انتشار هذا الاضطراب و التشخيص الفارق ثم المحكات التشخيصية العملية.

3-      عرض حالات ايضاحية واقعية في تشخيص هذا الاضطراب يمثل كلا منها نموذجا حيا في تشخيص الحالات من الفئات المختلفة كما يمثل نموذجا لتقارير البحوث في كتابة بحث الحالة

 وعليه فان هذه السلسلة تاخذ ابعادا متنوعة في وحدة و شمول قوامها و توجهاتها فهي:

-        علمية-اكاديمية

-         عملية-تطبيقية

-         فنية-مهارية

-         مهنية-تدريبية

و بذلك تجمع هذه السلسة بين كونها مرجعا اكاديميا لكل اضطراب على حدة و بين كونها دليلا عمليا لتشخيص الاضطرابات اضافة الى كونها اداة تدريبية مساهمة في رفع كفاءة المتخصصين و ضابطة للتشخيص بما من شأنه ان يحسن الاداء و مردود العمل العلاجي.عن طريق المساهمة في وضع الاسترتيجية المناسبة المستندة الى التشخيص الدقيق.

و بالانتقال الى اعضاء اسرة تحرير السلسلة نجد انها جاءت لتترجم حاجات استشعروها خلال ابحاثهم.بحيث عبر كل منهم عنها على طريقته الخاصة.فالبروفسور طلعت منصور دعا عبر بحثه الاخير المنشور في الثقافة النفسية المتخصصة(العدد 44 ) والمعنون:سيناريوهات التعامل مع الاسرى و عائلاتهم الى التشخيص الفارق لهذه الحالات.معتمدا متغيرات ضابطة لتشخيص آثار الاسر على السرى و عائلاتهم.عداك عن الجهود المشهودة لهذا العالم و الخاصة بتقنين الاختبارات و مباديء الارشاد النفسي كي تتلائم و الظروف الموضوعية لطالبي الارشاد.اما البروفسور ابراهيم الخليفي فقد عبر عن الحاجة الى الدليل العربي للتشخيص عبر كتابه"سيكولوجية الاسرة و الوالدية"( مشترك مع البروفسور الرشيدي).ولعل الدكتور فهد عبد الرحمن الناصر من اوائل الدافعين لهذا العمل حيث بينت تجربة العصاب الصدمي في الكويت خاصية المعايشة الصدمية وارتباطها الوثيق بظروف البيئة.الامر الذي من شانه ارباك التشخيص.بما يستدعي ضرورة ارساء دليل يعزز قدرة المتعاملين مع الصدمة على وضع تشخيص دقيق.كما على امتلاك اسس التشخيص الفارق.و مثله الطبيب النفسي الكويتي بدر البورسلي المتعامل عياديا مع عقابيل الصدمة و كافة خصوصيات المجتمع الكويتي.اما البروفسور اللبناني محمد احمد النابلسي فهو من اول الداعين لارساء مثل هذا الدليل واخضاعه لاحقا للنقد و المراجعة.فالنابلسي هو صاحب الدعوة"نحو سيكولوجيا عربية" التي اخرج منطلقاتها النظرية في كتاب له بهذا العنوان العام 1995.و من كتاباته في المجال نتوقف تحديدا عند ورقة له قدمها في المؤتمر العربي لعلم النفس و هي بعنوان:" نحو تصنيف عربي للاضطرابات النفسية". و فيها يربط النابلسي بين احتمالات تطور العلوم النفسية لغاية توظيفها في خدمة التنمية العربية و تعزيز قدرات الفرد و مستوى اللياقة النفسية وبين هذا الدليل.فهذا الدليل شرط للتكامل بين فروع الاختصاص و تسخير هذا التكامل لخدمة المجتمع العربي.اما الدكتور حمود القشعان فهو تجاوز التربوي و النفسي الى السيكوسوماتي.حيث كانت له ابحاث هامة في المجال.ومنها بحث تناول فيه العقم من زاوية سيكوسوماتية. مستكشفا بذلك قصورا تعاني منه التصنيفات الدولية للاضطرابات النفسية. اذ ان آليات التجسيد لا تزال موضع خلاف و جدل.لكن ذلك لا يستطيع الغاء المعايانات و الشواهد العيادية المتكررة بحيث لا يمكن ردها الى الصدفة وحدها.

ان هذا العمل يخرج عن اطار الاعمال و الترجمات والكتابات المألوفة.كونه حاجة ملحة،لا يمكن للاختصاصي الاستغناء عنها،مما يجعل من هذا العمل خطوة على طريق ارساء عيادة و مدرسة نفسية عربية.تنطلق من التراكم المعرفي الانساني لتحديد الخصوصيات الثقافية.فتجمع بذلك بين ما هو انساني مشترك و تفيد من تجاربه.كما تسجل الخصوصيات و تستخدمها للحصول على تشخيص ادق و اكثر استجابة للحاجات.

بهذا العمل الموسوعي نشهد عودة الكويت الى الساحة العلمية و الثقافية العربية عبر اعمال ضخمة تحتاج الى تضحيات الاشخاص و المؤسسات.حيث ياتي هذا العمل استكمالا لجهود موسوعية سابقة تطوعت بها الكويت لخدمة العلم ولتقديم المراجع العلمية و الثقافية الهامة و المساهمة في ارتقاء العلوم في الوطن العربي.

في النهاية لا بد لنا من التذكير بان الهدف من ارساء التصنيفات العالمية هو ايجاد لغة تخاطب اختصاصية مشتركة بين الاختصاصيين في شتى انحاء العالم.و لهذا العمل الموسوعي فضله في تعريب هذه التصنيفات مؤسسا بذلك للغة تخاطب عربية اختصاصية بين الباحثين العرب.عل هذه الموسوعة تكون حافزا لتبادل الاراء بين اختصاصيينا و منطلقا لاظهار و ابراز بعض الخصوصيات العربية.بما يخدم المجتمع و طالبي الخدمات النفسية و الاجتماعية.فيدعم بذلك الاسس النظرية لهذه الخدمات في وطننا العربي.و بذلك تكون هذه السلسلة حجر الاساس للمشاركات العربية في ميدان العلوم النفسية عبر الحضارية. ما يحولنا الى المساهمة الفعالة في النقد الموضوعي للتصنيفات العالمية.اذ ان هذا الغياب بات موضع تساؤل و انتقادات من قبل القيمين على هذه التصنيفات. كونها تحتاج الى مساهمات الثقافات و الحضارات المختلفة حتى تبلغ غايتها وتتحول بالفعل الى لغة تخاطب عالمية.

                                                                            

العودة الى الصفحة الرْيسية