بدأ التحليل النفسي بوصفه وسيلةً جديدة لعلاج الاضطرابات النفسية والعصبية مع فرويد، الذي وضع أسس هذا العلم وآلياته وطرق ممارسته ومصطلحاته. لكن هذا المنهج عانى ما تعانيه المناهج الفكرية حين تنتقل من المؤسس إلى أتباعه ومنهم إلى مناطق جغرافية شتى تختلف مرجعياتها الفكرية والاجتماعية، لذلك تباينت الرؤى والأفكار والتصورات حول القضايا الواحدة، بالرغم من بقاء المجرى الفكري الأساسي الذي يغذي كل هذه الروافد واحداً.

في هذه الحوارية المتميزة يقدم لنا عالمان جليلان من علماء التحليل النفسي الرؤية الواضحة والعميقة لهذا العلم الذي يُعدُّ واحداً من العلوم الأساسية التي أثرت في القرن العشرين ومازالت فاعلة إلى الآن. فأوضحا المعالم الأساسية للتحليل النفسي ومسيرته التاريخية وطرقه وتقنياته والتيارات التي نشأت عنه، ومن هم تلاميذ فرويد الذين أبدعوا مدارس جديدة في التحليل النفسي، وأين وصلت الأبحاث المستمرة لهذا العلم؟ ومن العلماء المعاصرون، وما هي إسهاماتهم في المجالات الفكرية من فنون وآداب وفلسفة.


اخترنا لك من الكتاب

 

هل سقطت الفرويدية وماذا قدمت للفكر العربي المعاصر؟

الدكتور محمد أحمد النابلسي       

الأمين العام للاتحاد العربي لعلم النفس

توقع فرويد أن الطب قد يكتشف يوماً ما عقاقير قادرة على علاج العوارض النفسية التي يعالجها التحليل النفسي. ورأى أن التحليل سوف يحتفظ بمكانته لحين ظهور هذه العقاقير. وهو قد يبدو قابلاً للإهمال بعدها.

وصدقت نبوءة فرويد بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً 1952م، حين ظهر دواء الكلوربرومازين، ومن حينه لا تزال صناعة الأدوية النفسية في تطور مستمر.

ومع ذلك فإننا لا نزال نتساءل: هل سقطت الفرويدية؟

فهل يعود هذا التساؤل إلى عدم كفاية الأدوية النفسية أو تراه يعود إلى قدرة الاستمرار التي اكتسبها التحليل النفسي بعد التعديلات التي أدخلها أتباع فرويد عليه؟

الوقائع العيادية من جانبها تنفي الاحتمالين معاً. فالنتائج الحاسمة التي تعطيها الأدوية النفسية هي نتائج لا ترقى إليها الشكوك. هذا مع الاعتراف بآثارها الجانبية وتقرير ضآلتها بالمقارنة مع منافع الأدوية. أما عن التعديلات المدخلة على التحليل النفسي فيمكن اعتبارها السبب الرئيسي المساهم في تراجع الفرويدية. وبذلك نعاود السؤال عن سبب صمود الفرويدية حتى اليوم؟

وهو سؤال لن نجد إجابته بطرح فرضيات أو عناوين. فهذه الإجابة تحتاج إلى تدقيق ومتابعة تاريخية لحركة التحليل النفسي منذ إنشائها حتى اليوم، وكذلك متابعة مراحل تطور الفكر العلمي لسيغموند فرويد مؤسس الحركة. وهي متابعة تقتضي الفصل بين الفرويدية وبين التحليل النفسي؛ لأن المتابعة ستظهر لنا انطواء الفرويدية على الكثير من الكذب، وحتى التزوير العلمي، وكذلك على رغبة عارمة بالسيطرة. كما ستظهر لنا متابعة الحركة وجود تيارين رئيسيين فيها. الأول عامل على تطوير المبادئ الفرويدية وعلى تقويمها وتطويرها، والثاني ذو ميل للخروج عليها ودمج بعض عناصرها في نظريات علاجية أخرى.

وهكذا فإن الموضوعية ستدفعنا للفصل بين محاكمة الفرويدية، ومحاكمة التحليل النفسي والتمييز بينهما، تجنباً لتحميل النظرية بعض هنات وأخطاء واضعها. وهو خطأ شائع في المراجعات العلمية.

والمحاكمة التي نحن بصددها تفقد كل عناصر الموضوعية، لو أننا أهملنا العودة إلى الزمن التاريخي لنشوء وتطور النظرية وللظروف الحياتية لفرويد. وبغير ذلك يصعب علينا مناقشة الإسقاطات الفرويدية على النظرية. خصوصاً أن هذه الإسقاطات مموهة بالنقد الذاتي وبالاعترافات والمراجعات الفرويدية الذاتية. وهذا ما يجعل من متابعة السيرة الفرويدية ضرورية لبدء هذه المحاكمة ولتصويب احتمالات الشطط فيها. وقبل أن نقدم العرض الموجز لهذه السيرة نجد من الإنصاف أن نذكِّر بأن الانشقاقات التحليلية قامت انطلاقاً من أفكار فرويدية، ولم تكن إبداعات مؤسسة للمنشقين. فقد أرسى أوتو رانك (O. Rank) تياره عبر كتابه (صدمة الولادة)، وهي فكرة فرويدية وردت في كتابات فرويد حول (الصدمة).

أما عقــدة (الدونية/ التفــوق) التي بنى عليها ألفرد آدلر (A. Adler) نظريته، فهي على علاقة بحديث فرويد عن الشعور بالدونية في مناسبات عديدة. ونأتي إلى كارل غوستاف يونغ واهتمامه باللاوعي الجمعي وبالماورائيات لنجد أن فرويد قد قدم دراسات عديدة في هذين المجالين، فقد ناقش موضوع اللاوعي الجمعي في عدة كتابات منها (موسى والتوحيد) و (التحليل النفسي للنكتة).

أما عن الماورائيات فقد انطلق فرويد مما وراء علم النفـس ليصل إلى الماورائيات دون أن يغرق فيها، مع نصحه لأتباعه بعدم الغرق فيها أيضاً.

أما عن إدخال اللسانية في مجرى العملية التحليلية (الذي ركز عليه لاكان وجعله محوراً لنظريته. لدرجة القول بأن اللا شعور مبني على غرار اللغة)، فإننا نورد هذا المقطع من كتابات فرويد إذ يقول: ((إن الترابط والتقارب الفكري (العلاقة اللسانية بحسب لاكان) بين كلمتي (Urmensch) وتعني الجد بالألمانية وكلمة (Uhrmensch) وتعني بالألمانية، الرجل - الساعة، هو تقارب جعل الساعة مرتبطة بالأب في لاشعور المريضة. والأمر نفسه يصح بالنسبة إلى جورج ديفريه (G. Devreux) صاحب نظرية التحليل الاثني المرتبطة بكتابات فرويد عن (موسى والتوحيد) كما يصح بالنسبة إلى صاحب نظرية القدر ليوبولد سوندي المشتقة أساساً من مبدأ ثنائية العواطف ومن عقدة قابيل، ومن العلاقة بين السادي والمازوشي، وأيضاً في حديثه عن أزواج المتعارضات، وإن نجح سوندي في الخوض في موضوع الوراثة الذي ينتمي إلى الصخرة البيولوجية التي كان فرويد يهابها ويتجنب الاصطدام بها.

الفرويدية والتحليل النفسي

إن الأمثلة المعروضة أعلاه تبين بقاء واستمرار سطوة الفرويدية، وإن بأقنعة مختلفة.

لذلك نكتفي بهذا القدر من الأمثلة لنؤكد على كون الفرويدية حاضرة، ولو بخجل وبدرجات متفاوتة، في مختلف التيارات التحليلية المعاصرة. وبذلك نستطيع التأكيد على استمرارية الفرويدية بعد أكثر من قرن على ظهورها، وبعد أكثر من نصف قرن على ظهور الأدوية النفسية. ولكن ما مقدار التشويه أو التطوير الذي تعرضت له الفرويدية؟ والأهم ما مدى صلاحيتها الراهنة؟ وماذا عن الأخطاء المرتكبة عبر مسيرة التحليل النفسي الطويلة؟

1- فرويد: سيرة حياة

ولد سيغموند فرويد في 6 أيار من العام 1856 م في فرايبورغ بمورافيا (تعرف اليوم باسم بريبور) من عائلة يهودية. أبوه جاكوب فرويد، وكان في عمر الـ (41) سنة عند ولادة سيغموند. أما والدته التي تنتمي إلى عائلة يهودية فقيرة فكانت في عمر الـ (21) سنة. وقد أعطي الوليد اسماً يهودياً هو (شلومو)، وذلك جرياً على عادة العائلات اليهودية آنذاك.

عندما ولد فرويد 1856م كان وليام جايمس، فيلسوف البراغماتية، في العاشرة من عمره. وكان الفيلسوف نيتشيه في عمر الـ (12) سنة، وجان مارتن شاركو (31) عاماً. وكان بروير في الرابعة عشرة، وفيخنر في الخامسة والخمسين، وشوبنهاور في الثامنة والستين. أما هيربرت فقد كان متوفًّى منذ خمسة عشرة سنة.

وعندما بلغ سيغموند الثالثة أصيب والده بالإفلاس، واضطر للانتقال إلى فيينا حيث بدأ سيغموند دراسته ونال الشهادة الثانوية عام 1873م وعمره (17) عاماً، وقرر دراسة الطب حيث شعر في كليتها بمعاداة السامية، فحاول الهرب إلى مانشستر الإنجليزية حيث يقيم أخوه، فيليب الذي أقنعه بالعودة وبضرورة متابعة دروسه. وبدأ سيغموند بنشر بحوثه الطبية عام 1876م، وتخرج طبيباً عام 1881م، (مع تأخر عدة سنوات قضاها في الخدمة العسكرية)، ليبدأ بعدها دراسته حول الكوكايين 1884م. ثم حصل عام 1885م على منحة دراسية في فرنسا والتحق بدروس شاركو في مستشفى السالبيتريار الفرنسي. حيث تأثر بشاركو، ليعود فيطرح أراءه لدى عودته إلى فيينا العام 1887 م، حيث جوبهت هذه الآراء بمعارضة شديدة. لكنه باشر باستخدام طريقة شاركو في التنويم المغناطيسي، وذلك في عيادته الخاصة وتعرف إلى فلايس (W. Fliess) لتبدأ مراسلاتهما ابتداء من كانون الأول/ (ديسمبر) من ذلك العام، وفي العام 1888م نشر ترجمته لكتاب برنهايم (حول الإيحاء وتطبيقاته)، وبعده كتابه الخاص عن الحبسة - الأفازيا 1891م، وفيه انتقادات فرويد للمدرسة الفييناوية.

وفي العام التالي 1892م ينشر فرويد مقالته عن التنويم المغناطيسي. وفي العام نفسه نشر الجزء الثاني من ترجمته لكتاب برنهايم. ثم يكتب مقالة تأبينية لأستاذه شاركو 1893م. وينشر أيضاً مقالته عن الشلل الهيستيري بالفرنسية مضمناً إياها نظرته في دور الإغواء الرضي كسبب للهستيريا. ثم ينشر مقال (العصاب النفسي الدفاعي) 1894م، ومقالة حول الوساوس والرهاب 1895م، وأيضاً كتابه (نحو مشروع سيكولوجيا علمية)، ثم ينشر بالاشتراك مع بروير (دراسات حول الهيستيريا) 1896م، لينشر في العام 1900م كتابه (تفسير الأحلام).

ومع هذا الكتاب تبدأ رحلة فرويد مع التحليل النفسي بحيث يصبح من الصعب الفصل بعدها بين مسيرته الشخصية وبين مسيرة التحليل.  شـراء هذا الكتاب

العودة الى الصفحة الرْيسية