الصدمـــة النفسيـــة

علم النفس الحرب والكوارث / شراء

المؤلف: د.محمد النابلسي وآخرون

الناشر: دار النهضة العربية 1991

عرض: د. جاسم محمد الخواجة / المجلة العربية للعلوم الإنسانية صيف 1993

  هذا الكتاب هو أول عمل من حيث الموضوع يعالج اثر الحروب والكوارث على الإنسان العربي.و هذا كان واضحا في المقدمة التي عرضها د0 محمد النابلسي حيث أشار الكاتب إلى حاجة المكتبة العربية لكتاب يناقش الآثار المترتبة عن الحروب العديدة التي مر بها العالم العربي. فالحروب والكوارث لها تأثيرات سلبية على الجوانب الجسدية و الجنسية والنفسية والاجتماعية. والباحث المتفحص في الوطن العربي يجد ان الوطن العربي قد طاف بكوارث وحروب طويلة ولكن لم يساهم أي من الباحثين بإجراء أية دراسة حول تأثير الحروب على الإنسان العربي وهنا يتساءل المرء: هل أن عدم الاهتمام في هذا الميدان يقع على الباحث العربي إم أن الباحث لم تتح له الفرصة المناسبة لدراسة هذا الميدان لوجود العوائق السياسية والاقتصادية التي جعلت هذا الميدان محرماً على الباحثين.

نترك الإجابة على هذين السؤالين للقارئ، بينما الآن نتجه إلى عرض محتوى الكتاب الذي جاء في 311 صفحة مقسمة على ستة فصول.

ان المقدمة قد قسمت الى ثلاث فقرات رئيسية...

اولا" : التأثير الجسدي: ان الحروب تؤثر في عدد كبير من الأفراد بفقدانهم أجزاء من جسدهم بسبب تعرضهم للانفجارات ووسائل التعذيب وأيضا عدم قدرة الفرد على التكيف مع الأحداث فيصاب بأمراض سيكوسوماتية مثل القرحة المعدية التي ازدادت نسبتها خلال الحرب العالمية الثانية عندما ازدادت الغارات على لندن لتصل إلى 400%.

ثانيا" : التأثير النفسي: هنا يتناول تأثير فكرة الموت ففي وقت السلم بقول الفرد لنفسه اني سأموت حقا" ولكن ليس الآن ولكن أثناء الكوارث والحروب فان الفكرة ستتحول إلى اني سأموت حتما" والآن وهذا الشعور الدائم يترك آثارا سلبية عديدة على شخصية الإنسان فتنتابه حالة من الخوف والأرق.

ثالثا": التأثير الاجتماعي : عندما يتأثر الفرد من الناحية النفسية والجسدية فإن ذلك  يؤدي إلى التأثير على الجوانب الاجتماعية وهنا يحدث للفرد ما يطلق عليه بالشلل الاجتماعي وعندها تتأثر القيم والعادات التي يؤمن بها الفرد والمجتمع.

 

وهنا نرى أهمية إعداد هذا الكتاب الذي يتناول الصدمة النفسية الناتجة عن الحرب والكوارث وهذا ما تحتاجه المكتبة العربية ليس الآن ولكن منذ زمن بعيد.

إما الفصل الأول: فيدرس الصدمة النفسية وتصور مفهوم العصاب الصدمي من تأليف د. محمد النابلسي. يرتكز البحث في هذا الفصل حول مفهوم عصاب الصدمة وهنا نجد إن أول من تحدث عنها هيرودوتس عندما وصف حالة المحارب الاثيني الذي أصيب بالعمى، ثم يتناول الكاتب أول من قام بالتجارب عن تأثير حالة التهديد او الخطر على الكائنات الحية. فالعالم ابن سينا عندما قام بربط حمل وذئب في غرفة واحدة دون ان يستطيع أحدهما مطاولة الآخر فكانت النتيجة هزول الحمل وضموره ومن ثم موته مع العلم ان ابن سينا كان يقدم نفس كمية الطعام التي يتناولها الحمل في ظروفه الطبيعية.

وتلت هذه التجربة دراسات وتجارب عديدة في المجتمع الغربي وهذه الدراسات أظهرت تصنيفات عديدة لتشخيص حالات العصاب الصدمي - منها ما قدمته الجمعية الأمريكية للطب النفسي  DSM-III-R حيث وضعه تحت قسمين :

هذا الاضطراب النفسي/ القلق يمكن ان تشخص الفرد الذي يصاب بـ Post Traumatic Stress Disord (P.T.S.D)   إذا ظهرت عنده الاضطرابات التالية :

1 - التأكد من وجود الحديث الصدمي. على ان الصدمة ليست من الأحداث التي تقع في حياة الإنسان بشكل طبيعي.

2 - تكرار معيشة الحدث الصدمي.

3 - استمرار تجنب الجماعة.

4 - اضطرابات في النوم.

تطرق الكاتب لمجموعة أخرى لمعنى عصاب الصدمة ولكن سينتهي في نهاية الفصل بالإشارة الى التصنيف المستخدم الآن في العالم العربي وهو ما قدمته الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وخاصة في غياب المدرسة العربية للطب النفسي.

يعالج الفصل الثاني دور الطبيب النفسي في مواجهة حالات الكوارث والحروب من تأليف د. محمد احمد النابلسي. هنا سيتطرق الباحث إلى دور الطبيب النفسي وكيف يتأثر هذا الدور في خدمة الأغراض السياسية ويضرب أمثلة عن ما حدث من قبل بعض الأطباء العرب لتسجيل آثار الحرب والكوارث التي آثرت على الإنسان العربي.

في الفصل الثالث: محاولة مناقشة مناهج البحث العلمي في حالات الكوارث والحروب. من تأليف رافييل - توم لوندين - لارس وينراث.

وهي دراسة قام بترجمتها محمد البدوي كما قام بمراجعتها د. محمد احمد النابلسي. هذا الفصل يتعرض لاهم النقاط التي يجب ان يأخذها بعين الاعتبار كل باحث يدرس تأثير الحروب والكوارث على الإنسان فمن الاعتبارات العامة التي يجب إن  يراعيها الباحث على سبيل المثال:

اولا": يجب توافر بعض المعطيات او التقديرات حول خلفية الموقف في الفترة السابقة للكارثة.

ثانيا": صعوبة التعرف على المجموعة البشرية المتأثرة بالكارثة الخاضعة للدراسة.

ثالثا": ماذا نقيس ومتى ولماذا وكيف - ثم يتطرق الفصل إلى أهم الأسئلة التي يجب ان يجيب عليها الباحث : منها على سبيل المثال :

1 - ما هي أبعاد الكارثة التي أصيبت بها تلك المجموعة السكانية المتأثرة بالكارثة.

2 - السلوك خلال الكارثة.

3 - ما هي ردود الفعل المباشرة للكارثة ولأبعادها المختلفة وبعد ان نحدد الاعتبارات العامة والأسئلة التي تحتوي على المعلومات التي نود ان نحصل عليها لكي نجيب على التساؤلات، وبعد هذه العملية نحدد الأساليب الإحصائية التي يستعين بها الباحث لكي يتحقق من الفرو  ض التي وضعها الباحث.

أما في الفصل الرابع فقد قام د. محمد النابلسي بترجمة مقابلة حول الاختبارات النفسية المستخدمة في أوضاع الكارثة من مجلة Acta psychiarica Scandinavica و هذا الفصل مقسم إلى 17 ملحقا" يحتوي كل منها على أحد الاختبارات التي تقيس تأثير الكوارث والحروب على الإنسان.

ونورد نماذج من هذه الملاحق.

 

ملحق أ لقياس الشدة النفسية.

ملحق ب قائمة الخبرات الكارثية.

ملحق ج القائمة العامة للخبرات الكارثة، وغيرها من الاختبارات.

والباحث هنا قام بترجمة الاختبارات ولكنها تحتاج إلى دراسات عديدة حتى يتمكن الباحث العربي من استخدامها. إذ يجب تحديد الثبات والصدق لكل من الاختبارات خاصة إذا عرفنا ان هذه الاختبارات قد وضعت في الأصل لقياس مجتمعات غير عربية إسلامية.

أما موضوع الفصل الخامس، الأعراض الناجمة عن الكوارث فكتبته موسون P وسيلي B وقام بمراجعته د. محمد النابلسي. وهنا دارت الأفكار حول الأمراض النفسية والفسيولوجية التي تظهر بعد تعرض الإنسان بعد تكرار الكارثة على الفرد ملاحظا" بعض الدراسات ان هناك أنواعا" معينة من الأمراض تظهر عند بعض الأشخاص تبعا" لاختلاف الشعوب وعاداتها وتقاليدها وكيف يستطيع الفرد أو المجتمع إدراك الوقائع فأثناء الحرب العالمية الأولى أصيب الجنود الألمان والحلفاء بالقرحة أما الجنود الأمريكيون فقد أصيبوا أثناء حرب فيتنام بمرض انسداد الشرايين وارتفاع ضغط الدم.

ثم يعرض الكاتب لنظرية  Selye وسماها تناذر التكيف، وتسمى أيضا" بنظرية التكيف العام حيث لاحظ Selye بان الإنسان تظهر عليه تغيرات فسيولوجية عديدة نتيجة لتعرضه لضغوط نفسية، وتمر النظرية في ثلاث مراحل:

1 - مرحلة الإنذار.

2 - مرحلة المقاومة.

3 - مرحلة الإنهاك.

وانتهى الفصل بعرض مجموعة من الأمراض الجسدية والنفسية التي ظهرت أثناء الحرب في لبنان فمن ضمن الأمراض الجسدية للحرب بعدد ارتفاع ضغط الدم والقرحة. أما الأمراض النفسية مثل حالات القلق والانهيار والهستريا.

أما الفصل السادس والأخير، فقد استخدم د. محمد النابلسي مثالا" وهو نموذج السيارة المفخخة وتأثيره على اللبنانيين.

يقسم الباحث ردود الفعل الأولية أمام الانفجار إلى أربع نقاط:

أ - ردود الفعل الأولية.

ب - ردود الفعل قريبة الأمد.

ج - ردود الفعل متوسطة الأمد.

د - ردود الفعل طويلة الأمد.

المرحلة الأولى إشعار الفرد بالتخدير الحسي عندما يسمع الانفجار ثم ينتقل إلى عدم استيعاب ما يحدث حوله ويتبع ذلك مرحلة من الهستريا من الصراخ والبكاء وتنتابها مظاهر نفسية وجسدية.

بعد المرحلة الأولى ردود الفعل قريبة الأمد وهي صعوبات التفكير وحالة من القلق واضطرابات التعقيل.

أما مرحلة ردود الفعل متوسطة الأمد ففيها يبدأ الإنسان بالشعور بعدم الاطمئنان وأحيانا" بالذنب لعدم قدرته على تقديم المساعدة، وقد تنتاب الفرد حالة من الغضب ناتجة عن مشاعر العجز أما الحدث وهذا يؤدي إلى حالة الانتكاسات النفسية والجسدية تظهر على شكل بعض الأعراض الجسمية والنفسية. أما ردود الفعل طويلة الأمد فهي تعتمد على الخصائص والقدرات التي يمتلكها الفرد لكي يتكيف مع الأحداث.

وهذا ما سوف يؤدي إلى ردود الفعل المرضية مثل ظهور الأمراض السيكوسوماتية مثل القرحة وانسداد الشرايين وأيضا ظهور الأمراض النفسية مثل الحالات العصبية وقد تنتقل إلى الحالة الذهانية، وهنا يدخل دور الطبيب النفسي لتقديم المساعدة المناسبة لكل فرد في المجتمع.

هذا الكتاب محاولة مختارة لعرض أحد الموضوعات التي تؤثر على حياة المواطنين التي تمر في كل مكان - نتمنى ان يكون فقط بداية ومقدمة لنتاج المزيد من الكتب التي تتناول هذه الآثار لإثراء المكتبة العربية بالكتب التي يستطيع ان يستفيد منها الباحث والقراء على حد سواء.

ولكن هناك نقطة مهمة نرجو ان تؤخذ بعين الاعتبار في الأعمال القادمة، وهي الاستعانة بمجموعة من الباحثين العرب وعدم الاعتماد على القيام بترجمة بعض الأعمال الغربية - وخاصة في ميدان علم النفسي وليس فقط الطب النفسي.

لا شك إن هذا الكتاب ظهر بعد مجهودات كبيرة ونأمل ان يوفق بالقيام بأعمال اخرى مشابهة وايضا ندعو المختصين في المجال للإسهام في إثراء المكتبة العربية.  /  شراء

العودة الى الصفحة الرْيسية