الكاريكاتير والفكاهة في رسوم المرضى النفسيين

                          ورقة مقدمة الى مؤتمر الجمعية العالمية لإمراضية التعبير / بو - فرنسا 1998

                                                                                     أ.د. محمد احمد النابلسي

                                                                             عضو الجمعية العالمية لامراضية التعبير

           يقع الطب النفسي في مآزق عديدة لدى تصديه لدراسة الاعمال الابداعية. بما يضطره للاتكاء على جملة فروع موازية للاختصاص. فقد شاعت لفترة طويلة فكرة الربط بين الابداع والذكاء. بحيث يعتبر الابداع دليلا" على ارتقاء الذكاء. الا ان المتابعة بينت وجود ترابط بينهما. لكنه ترابط غير ملزم. من هنا كان اللجوء الى حيلة اختصاصية قوامها دراسة الابداع على انه شكل من اشكال التعبير. وبهذه الحيلة يمكن للاختصاصي تجاوز الخلط بين الابداع والذكاء عن طريق دراسته للابداع كنتيجة ومحصلة تلخص وظائف الادراك والوعي لدى المبدع. وعلى هذا الأساس قامت الجمعية العالمية لامراضية التعبير. حيث الامراضية التي يمكن رصدها لدى مبدع ما هي امراضية تعبير وليست بالضرورة امراضية عقلية.

وهذا النوع من الدراسات يستند الى تراث متكامل من الابحاث التي توجهه وتساعده في تحري كافة انواع اضطراب التعبير. ويهمنا من هذا التراث تحديدا" تلك الاختبارات النفسية المسماة باختبارات الرسم (رسم الشجرة والشخص والعائلةالخ). لكونها مساعدة على تحري الامراضيات لدى الرسامين.

لكن الرسام الذي نتناول اعماله يكاد يخرج من اطار المتابعة المستندة الى هذه الاختبارات. وذلك بسبب لجوئه الى الرسم الكاريكاتيري. وهذا الرسام كان نزيلا" في مصحة المعهد الوطني المجري للامراض العقلية خلال عقد الستينيات. حين رسم هذه الرسوم التي اكدت التشخيص الطبي-النفسي لحالته. وعلى الرغم من سيطرة الحالة المرضية على ادراك الرسام وانعكاس الاضطرابات في رسومه الكاريكاتيرية فان ذلك لا يمنع ابداعية هذه الرسوم ولا يكبت السخرية اللاذعة فيها. بل ربما كانت هذه الرسوم داعمة لتيار فكري-فلسفي قام على معارضة الطب النفسي (تزعمه جايمس لانغ). ولعل انتقادات الرسام المريض للطب والاطباء واساليب العلاج تلخص مباديء هذه المدرسة. بما يقودنا للتفريق بين الذكاء والابداع والجنون. فرسامنا موصوم بالجنون دون ان تمنعه هذه الوصمة من ان يكون مبدعا" وذكيا". والرسوم بحد ذاتها ممكنة التحليل على اكثر من صعيد. لذلك نجد الوضوح بالاعتماد على التعليقات المكتوبة في الرسم الكاريكاتيري. وعلى اساس هذه الكتابات نستطيع استشفاف النقاط-الافكار التالية (كافكار كامنة ومولدة للانطباع الكاريكاتيري):

      1.          القدر المأساوي-الكوميدي لمريض يختلف عن الآخرين بمظهره الجسدي الغريب.

      2.          اليوميات التي تسجلها الرسوم عن حياة النزلاء في تلك المصحة.

      3.          العلائم الامراضية لدى الرسام وهو يعبر عنها على طريقته.

      4.          النوازع الغريزية اللاواعية التي تنعكس في سخرية لاذعة من المعالجين.

      5.          التلميحات المتعلقة بتاريخ الطب النفسي والتي تعكس الموقف الضمني للرسام.

الآن وبعد هذه المقدمة التعريفية ننتقل لاستعراض الرسوم التي اخترناها من ضمن جملة رسوم له معروضة في متحف المعهد الذي عولج فيه خلال الستينيات. ونبدأ ب:

 

 

 

 

 

 

في هذه الصورة يرصد الرسام دخول المريض المدعو جيل (يكتب الرسام انه ضخم يزن 275 كغ) الى المصح للمرة المئة ( تلميح الى عدم فعالية العلاج وسخرية منه ). ويظهر الرسام غاضبا" محتجا" (لطريقة معاملة جيل ولعدم نفع العلاج) في الزاوية اليمنى السفلى من الرسم.

ويظهر الرسم اجراءات غير عادية في التعامل مع جيل (ربما بسبب الخوف من قوته). حيث تبدو اجسام الممرضات ضئيلة وهن يقمن بدفعه من الخلف وبجره الى الامام لايصاله الى مهجع اعد خصيصا" على قياساته الكبيرة.

وهكذا تمتد سخرية الرسام في هذه الصورة لتطال الطب النفسي واطباءه وممرضاته دون ان توفر المريض نفسه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ها هو المريض جيل (الضخم) سجين مهجع ضيق بالنسبة الى قياساته. واثنان من الممرضين يقومان باطعامه تجنبا" لغضبه عندما يجوع. ويعلق الرسام بالجملة الساخرة التالية:" انها طريقة جديدة لعلاج مرض العملقة عند هذا المخلوق الهائل".

ولتأكيد السخرية يصر الرسام على التفاصيل ( اصرار يعكس عناد الرسام ) مثل كتابة انواع الأكل على الاوعية ( تجدر الاشارة الى ان المرضى يتشكون دائما" من الأكل المقدم لهم في المستشفى). كما نلاحظ ان الرسام وضع رقم 6 فوق نافذة المهجع في اشارة الى ان المرضى يعاملون في المستشفى كأرقام. ايضا" تعكس الصورة تشفي الرسام وشماتته لخوف الممرضين من هذا المريض. ولمن فاته الانتباه الى هذه التفاصيل يكتب الرسام شروحاته على اللوحة (القسم الاعلى الى اليسار).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

واخيرا" ها هو الأثر الفكاهي المطلوب (الرسام في نشوة فرحه جالسا" خلف المريض جيل اسفل الصورة الى اليسار). لقد تحول المريض ليأخذ شكلا" مكعبا" هو شكل المهجع الذي حشر فيه. وها هو صاحب السيرك (هكذا يسمي الرسام كبير اطباء المستشفى في كتابته على الجانب الاعلى الأيمن للصورة) يحاول الاتفاق مع أهل المريض لعرض شكله المكعب الغريب. وفي هذه الفكرة اتهام للعلاج النفسي بانه يحول المريض الى فرجة في السيرك. وهي فكرة يتبناها التيار المعادي للطب النفسي. لكنها لدى مريضنا نوع من انواع النقلة المضادة (عتب وموقف سلبي من المعالج).

بهذه اللوحة ننهي قصة المريض جيل لننتقل الى مجموعة اخرى من الرسومات الكاريكاتيرية لهذا المريض الرسام. وهذه المجموعة تؤرخ للتحول المفصلي في مفهوم الطب النفسي وفي تطبيق المعهد لهذا المفهوم. حيث تحول مكان العلاج الى مستشفى للطب النفسي (بعد ظهور الأدوية النفسية) عوضا" عن كونه مصحة للمجانين (يودعون فيها دون علاج تقريبا"). لكن المرضى من النزلاء القدامى لم يتمكنوا من مجاراة هذا التغيير بالسرعة المطلوبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في هذه الصورة يفشل الرسام في الحصول على قيلولة هادئة بسبب الهيجان والافعال المفتقدة لأي معنى والتي يقوم بها بقية المرضى ممن اعتادوا على ممارسة جنونهم على انهم في مصحة مجانين. دون ان يتمكنوا من استيعاب تغيير مفهوم المصحة الى مفهوم المستشفى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هذه الصورة تمثل الزيارة الكبرى (جولة كبير الاطباء و وراءه بقية الاطباء كل حسب اهميته). لقد تحول هؤلاء من رعاة مجانين الى اطباء متخصصين يستعملون العلاجات الدوائية. والرسام يسخر منهم باظهاره لتجاهلهم افعال المرضى الهائجين من خلفهم. ومبالغة الرسام في اظهار جنون هؤلاء المرضى يعكس عدم اعترافه بالمعالجين كأطباء.

اما في الصورة التالية فيحاول الرسام ان يصور لنا البيروقراطية التي تنهال على رأس المريض الذي يريد الدخول الى المستشفى. حيث الموظف الوحيد على الآلة الكاتبة يتلقى الأوامر من كل الاطباء دفعة واحدة. فيضطر لاستعمال لربعة أيدي وقدميه للطباعة على اربعة طابعات في الوقت ذاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ونصل الى رأي الرسام المريض بالتحول الذي اصاب اختصاص علاج المرضى فحوله من الرعاية الى الاختصاص الطبي. وهو رأي تظهره الصورة التالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في اسفل الصورة وبسخرية فائقة كتب الرسام العبارة التالية: " يا له من تجديد طريف". وتمثل الصورة الطبيب المعالج وهو يحقن دواء لارجاكتيل في العضل لخمسة مرضى في آن معا". ويستخدم لذلك مدراة كتلك التي يستخدمها المزارعون.

ولاستيعاب مستوى النقد والسخرية اللاذعين في هذه الصورة يجب ان نعلم ان دواء اللارجاكتيل كان مضاد الجنون الوحيد المتوافر في حينه. وبالتالي فانه كان يعطى لجميع المرضى العقليين دون استثناء. بحيث لا يعود هناك مجال لمهرات الوصفة الدوائية العقلية. فكل الاطباء يعالجون كل المرضى بالدواء ذاته!.

وهذا الانتقاد لا يزال قائما" حتى يومنا هذا بعد ظهور عشرات الادوية المعقلة. اذ يسجل سلوك خاص بالوصفات المعقلة. حيث تميل كثرة الاطباء النفسيين لاستخدام المعقلات الأحدث معلنة بذلك عن عدم كفايتها من مفعول الادوية الاقدم. وكأن قصة اللارجاكتيل ،التي رسمها المريض، تعيد نفسها مع ظهور كل دواء جديد. وهي مسألة يركز عليها التيار المعادي للطب النفسي مضيفا" اليها الجهل بالآثار الطويلة الأمد لاستخدام هذه الادوية. وتجنبا" للدخول في متاهة النقاش لابد من الاشارة الى ان هذه الأدوية المعقلة تتمكن من تحسين نوعية حياة المرضى وامكانية استفادتهم من قدراتهم. كما انها تجعل محيطهم اكثر قدرة على تحملهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في التعليق على هذه الصورة يقول الرسام:"انتبه انه ليس الآله الهندوسي ذو الأيدي الثمانية. لكنها الدكتورة سيمور. التي تنوب عن ثلاثة من زملائها الذاهبين في اجازة. فاصبحت تعمل بايقاع متسارع دون توقف. وهي تحتاج الى كل هذه الأيدي كي تقوم باعمالهم.

ولكننا وبعد الاستمتاع بهذه الرسوم الكاريكاتيرية مطالبين بمعرفة العلائم الامراضية لدى هذا الرسام المبدع. فهل يمكننا معرفة مظاهر مرضه من خلال رسوماته؟ وهل تتطابق نتائج تحليل هذه الرسومات مع التشخيص الطبي الذي كان يعالج على اساسه؟.

ان سجلات المستشفى لاتتضمن تشخيص حالة هذا الرسام. لكن متايعة بقية رسومه تبين لنا انه كان على معرفة عميقة بمظاهر اضطراب الهذيان الكحولي والاضطرابات الكحولية اجمالا". وهي معرفة جسدها في بعض رسوماته ومنها الرسم التالي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا الرسم يمثل بصدق المعايشة الهذيانية الهلوسية التي يوضحها التعليق الساخر للرسام اذ كتب: " لقد اراد ذبح امرأته لأنه ظن انها ديك".

من الواضح ان هذه الدعابة هي من النوع الهوسي الشكل (Maniform ) الذي يتبدى في حالات تضخم اليقظة ( Hypervigilance ) التي حولها المريض في هذه الحالة الى الكوميديا. التي تبدو دون معنى وفي غير مكانها مقارنة باجواء المستشفى الكئيبة. كما تتبدى المظاهر الهوسية عبر الصور التي يرسمها المريض لنفسه في الرسوم المعروضة اعلاه. فنراه يبدو بوجهه الصغير مبتسما" او غارقا" في الضحك بوضعية مغايرة لاجواء الرسوم. الا ان عودة الى مراجعة الرسومات المعروضة اعلاه تبين لنا قدرته على تنسيق الافكار وعرضها بشكل متماسك يعطيه القدرة على متابعة فكرة الرسم وتحقيقها بالدقة اللازمة. وهذا ما يجعلنا نستبعد اصابته باضطراب هوسي اكتئابي ونرجح اصابته باضطراب المزاج الدوري. الذي لا يلغي موهبته وحسه النقدي المرهف.

ويبقى السؤال عن دوافع وينابيع الفكاهة التي وجدناها في رسومه؟. والجواب هو الرغبة التي لاتقاوم بالاتصال. التي يراها ارنست كريس كأساس للطابع الاجتماعي للظواهر الكوميدية. ويرد كريس هذه الحاجة الى موقف طفولي. لكن الأمر يختلف لدى رسامنا اذ يرتبط بعارض هوسي الشكل. وبالتالي فان دينامية نوازعه الغريزة تنبع من طبقة اعمق من مجرد الرغبة بالاتصال. وافكاره الساخرة ان هي الا انعكاس لسخريته من اجواء المستشفى ورغبته في تحويلها الى الكاريكاتيرية.

وتبقى الاشارة الى ان وسائل العنف التي يصورها الرسام (الربط من الانف واستعمال الحبال والجنازير الخ) لم تكن موجودة في المستشفى وانما هي من المبالغات الهوسية للرسام.

ان امراضية التعبير تكرست اليوم حقلا" للدراسات النفسية لمختلف اشكال التعبير. وانتظمت في جمعية عالمية تعقد مؤتمرا" سنويا" يجتذب اعدادا" متزايدة من المهتمين. لكن طرافة موضوعنا تأتي من انعكاس الأدوار. حيث يعبر المريض عن رأيه بمعالجيه وعن تقييمه لمستوى ادائهم وفعاليتهم. وهو موقف من المفيد ملاحظته والانتباه اليه.

     

العودة الى الصفحة الرْيسية