العرب بيـن الارهـاب والبحـث العلمـي.

                                                                       أ.د. محمد احمد النابلسي

   ورقة مقدمة في مؤتمر الاتحاد العربي للعلوم النفسية (1996) ومنشورة في عدة مجلات متخصصة وفي كتاب " نحو سيكولوجيا عربية "

   في كتابه قراصنة وأباطرة يذكر العالم نعوم تشومسكي رواية قبض الاسكندر على أحد القراصنة ومحاكمته له وسؤاله عن سبب اعتراضه للناس. في دفاعه يجيب القرصان: أنا أعترض السفن وأنت تعترض العالم، أنا أرهب الأشخاص وأنت ترهب الشعوب. وبعد هذه الرواية يستخلص المؤلف أن تهمة الارهاب توجّه اليوم الى الأمم الأضعف في حين يتم التغاضي عن ارهاب الأقوياء.

  والواقع أن لهذه المواقف المتناقضة من مفهوم الارهاب مبرراتها وأسبابها الموضوعية. فلو أخذنا مثلا" مسألة الارهاب الصهيوني نجد أن هذا الارهاب قد وجد تغطيته من خلال خطة مدروسة علميا" بشكل فائق الدقة، حتى تحول الارهاب الى مجرد دفاع عن النفس ومحاولة لحفظ النوع والاستمرارية. فلدى مراجعتنا لأبحاث علم نفس الحروب والكوارث نلاحظ أن السواد الأعظم من هذه الدراسات يتمحور حول موضوع معاناة اليهود من الأسر النازي ومن ثم حول معاناة المتعرضين للإرهاب العربي! وبهذا تمت تغطية مذابح دير ياسين وغيرها من المذابح الصهيونية السابقة واللاحقة.

  مثال ذلك ما أذاعه الراديو الإسرائيلي صبيحة أحد أيام حرب الخليج وكان خبرا" مفاده أن كهلا" إسرائيليا" قد توفي توفي نتيجة للارهاق والشدة الناجمين عن الخوف من تعرض بلاده للقصف فأصيب بذبحة قلبية وتوفي. ومثال آخر يتجلى في دراسة نشرت بعد مضي عشرين عاما" على نهاية الحرب العالمية الثانية وفيها أن معاناة الأسر النازي قد أدت الى اصابة بعضهم بمرض الهرم المبكر. وهنا نتساءل عن عدد اللبنانيين الذين توفوا بسبب ارهاق وشدة الحرب التي دامت سبع عشرة سنة وتخللتها آلاف الانفجارات (السيارات المفخخة والقذائف والقصف...الخ). لقد فشلنا نحن اللبنانيين في عرض معاناتنا سواء على صعيد الدراسات الطبية والنفسية والاجتماعية كما على صعيد الابداع الأدبي والفني. ومن هنا ظن الآخرون أننا لا نعاني وحاسبونا كشعب على عدد من ردود الفعل المحدودة صنفوها في خانة الارهاب.

  ويومها صنّف الشعب اللبناني بأسره في هذه الخانة حتى لم يعد اللبناني قادرا" على الحصول على تأشيرة دخول الى معظم بلدان العالم. وهذا الوضع يمتد الى الكوارث العربية كافة. فنحن لا نجد أية دراسة علمية تتناول الناجين من الطائرة الليبية التي أسقطتها اسرائيل أو الناجين من زلزال أغادير أو من الحروب العربية الاسرائيلية والعربية العربية أو من كارثة الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982...الخ. وأمام هذا الغياب المؤسف للدراسات الكارثية العربية بدا وكأننا لا نعاني من وقع الكوارث حتى وصلت الصفاقة بأحد الباحثين الصهاينة الى القول بأن العرب لا يعقلون الكوارث بشكل جيد لأنهم يلجأون الى التسليم!!

  عند هذا الحد نود التأكيد على التزامنا حدود الموضوعية العلمية الخالية من المواقف المسبقة ومن استباحة العنف. ومن هذا الموقع نقول ان تحضّر الانسان جعله يرتقي ويتسامى في عواطفه وفي ممارساته وجعل للمشاركة الانسانية صداها وتأثيرها بحيث تهزنا وتثير عواطفنا تلك الأفلام التي تعرض لمعاناة اليهود في مخيمات الاعتقال وذلك على الرغم من مضي الوقت على هذه المعاناة (لم يعد من الضحايا من هو على قيد الحياة) وعلى الرغم من أن أبناءهم يرتكبون المجازر بحقنا. وهنا نتساءل ماذا فعلنا نحن العرب في سبيل عرض معاناتنا وكوارثنا ؟ وهل نتوقع من الآخرين انفاق الأموال والخبرات على عرض كهذا أم أننا نتوقع من الرأي العام العالمي أن يتخيل كوارثنا ومعاناتنا من خلال اخبارها في الصحف العالمية والتي لا تتجاوز البضعة أسطر ؟ بل ماذا فعلنا من أجل أنفسنا ومن أجل صحتنا ؟ هل درسنا هذه الكوارث وسجلنا آثارها حتى نحتاط لها في حال تكرارها ؟
ليس قصدنا من خلال هذه التساؤلات تحويل الصراع السياسي الى الميدان العلمي. فنحن لا نقصد الدخول في مبارزة مع الآخرين، بل ان جل ما نقصده هو ضرورة الاهتمام بمعاناة انساننا تمهيدا" لتحديد سبل وقايته وعلاجه اضافة الى المساهمة في نشر معاناته علّ مشاعر المشاركة الانسانية لدى الرأي العام العالمي تمارس بعض ضغوطاتها للحد من كوارثنا المصطنعة.
ان دارسي الكوارث يتكلمون عن نوع خاص من أنواع الشعور بالذنب الذي يتولد لدى الناجين من الكوارث والصدمات النفسية. وما أحرانا بمثل هذا الشعور اليوم ونحن نرى صعوبة الاستمرار التي تواجه مجتمعنا العربي المعاصر. انطلاقا" من هذه القناعات عمل مركز الدراسات النفسية على القيام بدراسات حول الكارثة اللبنانية، وانعكاساتها النفسية والجسدية والاجتماعية. ومن هذه الدراسات ما تم عرضه على منابر أجنبية ومنها ما عرض من خلال الكتب والمقالات والمحاضرات ونبدأ بـ:

أ- الأبحاث الأجنبية :

 

1- تناذر السيارة المفخخة (بالفرنسية) الجمعية المجرية للطب النفسي، 1988.

2- رسم الوقت في أوضاع الكارثة (بالفرنسية) المؤتمر الدولي للطب النفسي، أثينا - 1989.

3- الحرب والمجتمعات النامية (بالانجليزية) مجلة الجمعية النفسية المجرية، 1989. ( وبالعربية في الثقافة النفسية المتخصصة )

4- الآثار النفسية والبسيكيابرية والبسيكوسوماتية للأحداث الصدمية نموذج صدمات الحب اللبنانية الأكاديمية المجرية،1990.

ب- الكتب المنشورة:

 

1- الأمراض النفسية وعلاجها - دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية، طرابلس، منشورات مركز الدراسات النفسية في 3 طبعات : 1994،1987،1985.

2- الصدمة النفسية علم نفس الحروب والكوارث مجموعة من الباحثين بيروت، دار النهضة العربية، 1991 (وهو يتضمن ترجمة للاختبارات النفسية المستخدمة في فحص الصدمة).

3- الحرب اللبنانية، أمراض نفسية وآفات اجتماعية، منشورات مركز الدراسات النفسية، 1994.

 

ج- المقالات المنشورة:

1- دور الحرب في زيادة نسب الاصابات بالذبحة القلبية ، نداء الشمال آذار1985.

2- أمراض الحرب اللبنانية ، النهار العربي والدولي في 13 تموز 1986.

3- الشباب في مجتمع الحرب اللبنانية ،  اللواء في 10 شباط 1990.

4- عوارض السيارة المفخخة ، الأنوار في 29 أيلول 1990.

5- المرأة اللبنانية بين الحرب والأسرة ، الأنوار في 27 تشرين الثاني، 1990.

6- مستقبل الشباب اللبناني ، الاتحاد الظبيانية في 29 تشرين الثاني،1990.

7- الحرب والمجتمعات النامية ، الثقافة النفسية، العدد الأول، 1990.

8- رسم الوقت في أوضاع الكارثة ، الثقافة النفسية، العدد الثاني، 1990.

9- أزمة الشباب المحارب في لبنان ، الثقافة النفسية،  العدد الثامن، 1991.

10- الأمن الاجتماعي والانصهار الوطني ، الثقافة النفسية،العدد التاسع، 1992.

11- عصاب الحرب اللبنانية ، الثقافة النفسية،العدد العاشر، 1992.

12- ضرورة تعديل التصنيفات الدولية للاضطراب الصدمي ، الثقافة النفسية، العدد العاشر، 1992.

13- عصاب القلق في العيادة اللبنانية ، الثقافة النفسية، العدد الحادي عشر، 1992.
   
بعد هذا العرض نقف لنتساءل عن مدى فعالية مثل هذه الجهود المحلية وعن مساوئ انعدام وجود الدراسات التكاملية على مستوى العالم العربي ككل. فما هي حال الناجين من كارثة الطائرة الليبية التي اسقطها الطيران الاسرائيلي ؟ وكيف يعيش مهاجرونا الذين هجرهم الفقر؟ وما هو مستوى اللياقة النفسية لدى الذين شهدوا كارثة القاء قنابل النابالم على مدارس الأطفال يوم كانوا هم أطفالا" وفقدوا بعض رفاق طفولتهم ؟ وما هي آثار كوارثنا القومية الكبرى وانعكاساتها بالاذلال المعنوي العام للشخصية العربية ؟ بل ما هي حال هذه بعد نكبات 48 و 67 ومجازرها وحروب الخليج ولبنان والصومال...الخ. انه الجهل التام، فنحن لا نعرف سوى اننا متخلفون مستسلمون. فهل هذا صحيح ام أنه مجرد ايحاء ؟ على أية حال لماذا لا ندرس كوارثنا ونعيد تأهيل شخصيتنا القومية ؟! بل ربما أفادتنا مثل هذه الدراسات في تجنب بعض كوارثنا المستقبلية؟! .

 

العودة الى الصفحة الرْيسية