مقابلة مقترحة لفحص المصدومين العرب

أ.د.محمد احمد النابلسي

ورقة مقدمة الى مؤتمر الكويت للصدمة النفسية 1994

ملخص  

ان رعاية ودعم الناجين من الكوارث هي من المسؤؤليات الأخلاقية للطبيب النفسي. الا أن تلاحق الكوارث المصطنعة منذ بداية القرن وحتى يومنا الحاضر، ادى الى إفراد خانات واختبارات وأساليب فحص وعلاج خاصة بهذه الحالات، الأمر الذي ادى الى بداية تفرد وانبثاق اختصاص جديد- فرعي في الطب النفسي هو فرع الكوارث. في عالمنا العربي المعاصر انفجرت براكين الصراع بمختلف أشكاله. فكانت صراعات التحرر من الاستعمار والجولات المتعددة للصراع العربي- الاسرائيلي وحرب الخليج الأولى. كما كانت الصراعات الأهلية وأخطر منها الصراعات العربية-العربية، التي تبدو كتلك الأفعى الخرافية التي كلما قطعت لها رأسا" نبت مكانه رأسان، حتى بات عالمنا العربي مزروعا" ببراكين الصراع التي تهدد بالانفجار دون سابق إنذار.

ان الخطورة الحقيقية لهذه الصراعات تكمن في كونها مظهرا" متطورا" من مظاهر تفكك الشخصية العربية، مما يحوّل هذه الشخصية نحو الفصام الأممي. وحيث ان هذه الكوارث هي كوارث معنوية بالدرجة الأولى، لذا فانها تهدد العقل العربي بالانشطار Scision بين الأنا (الذات العربية) وبين الجسد العربي ( المتمثل بالبلد المتعرض للكارثة)، حتى بات الانسان العربي يتساءل: ماذا سيحصا لي اذا ما فقدت بلدي؟ هذا ويضيع هذا التساؤل أمام حدة انشطار العقل العربي الناجم عن تفكك الأنا التي تحولت الى عامل مسبب للاختلال عوضا" عن ان تكون مصدرا" للتوازن، حتى تبدت على الانسان العربي علائم فصامية عديدة أساسية منها الشعور بعبء الانتماء لدرجة نكرانه احيانا". وهكذا نجد أن الصدى المعنوي لكارثة الانسان العربي يعطي معاناته ألوانا" غير مألوفة من الألم الأخلاقي والمعنوي حتى تكاد الكارثة أن تفقد أبعادها الفردية.

في العيادة العربية نجد أنفسنا أمام أعداد متزايدة من الناجين جسديا" من هذه الكوارث والواقعين ضحايا لأبعادها المعنوية. هؤلاء الضحايا لا نقابلهم بالضرورة في أماكن الصراع بل قد نقابلهم في اماكن بعيدة جدا" عن بؤر الصراع، مع ذلك فانهم يعانون من الصدمة وأقله من أحد مظاهرها ألا هو مظهر الشعور بالذنب لدى الناجين من الكارثة.

ان خاصية العقل العربي وخاصية كوارثه الراهنة تجبر الاختصاصي العربي على التدخل، أقله على صعيد دعم الأفراد وعلاجهم من أثر هذه الكوارث. لكن هذا التدخل يصطدم بعوائق عديدة اهمها غياب قواعد تشخيص هذه الحالات. فلو أخذنا التصنيف الأميركي لهذه الحالات لوجدنا أنه يعاملها على أنها حالة قلقية- فردية مفقدا" اياها أبعادها المعنوية وهي الأهم والأخطر. من هنا فان حاجتنا لقواعد التشخيص هي حاجة حياتية لأنها الوحيدة القادرة على مساعدتنا كي نفهم معاناة الانسان العربي بما فيها من عناصر الألم الأخلاقي والمعنوي. كما نحتاج لهذه القواعد لتحديد منهجيات العلاج والوقاية في وجه كوارثنا القادمة. من هنا فان المسألة ليست مسألة نقاش نظري أو ترف فكري أو مجرد رغبة في التمايز. فهذا العقل العربي المتميز بوجدانيته يمكنه أن يستسهل ايذاء الذات وان يفصل الانتحار على الاستمرار في الحياة تحت وطأة هذه الأوجاع.

ان تجربتي في العيادة العربية للمصدومين وادراكي للأبعاد المعنوية لكوارثنا هما وراء اقتراحي لهذه المقابلة العيادية، خصوصا" وان طابع المعايشة الوجدانية للانسان العربي يجعل من المستحيل تحويل معاناته الى جداول وأرقام وبنود محددة.

العودة الى الصفحة الرْيسية