السياسة وأخلاقيات الطب النفسي

العناية بضحايا العنف

                                                                                                       أ.د.محمد احمد النابلسي

  ورقة قدمها النابلسي في المؤتمر العالمي الثالث لحل الصراعات الذي انعقد في القاهرة 3- 6 فبراير/شباط 1994

      يروي القديس اوغسطين قصة الاسكندر. حيث دافع القرصان عن نفسه امام الاسكندر قائلا": انت تسرق العالم فتدعى امبراطورا" وأنا اسرق يفينة فأدعى لصا"!. وقصة هذا القرصان، تختصر نسبية تعريف الصراع وتفرعاته من عنف وارهاب وضحية وغيرها من المصطلحات. هذه النسبية التي تربك موقف الطبيب النفسي من هذه الوضعيات وتجعل دوره والتزامه بالقسم الأبقراطي موضوعا" نسبيا" بدوره. في خضم هذا الارتباك على الطبيب أن يقدم الدعم والعناية لطالبيهما. فيزيد هذا الارتباك من انعدام الدقة في التصنيفات السيكياترية المطروحة وخصوصا" التصنيف الأميركي لاضطرابات الشدة عقب الصدمية (P.T.S.D). والدليل الاميركي للاضطرابات العقلية عموما".

 

1- ثغرات التصنيف الأميركي

يعجز التصنيف الأميركي ومعه التصنيفات الأخرى المطروحة عالميا" عن الاجابة على قائمة طويلة من الأسئلة، نختصرها بالواقعة التالية:

أثناء الحرب العالمية الأولى سجّل الأطباء الألمان ردود فعل كارثية لدى الجنود الألمان من نوع الهيستيريا ومنها داء الارتجاف الهيستيري. أما في الحرب العالمية الثانية فقد سجل هؤلاء الأطباء ردود فعل كارثية لدى الجنود الألمان من نوع القرحة وارتفاع الضغط وغيرها من ردود الفعل البسيكوسوماتية.

السؤال هنا: لماذا تبدلت ردود فعل  الجندي الألماني واختلفت بهذه الصورة؟

 

2- البعد الثالث

ان الاجابة على مثل هذا السؤال تقتضي استبدال النظرة المسطحة التي تنظر الى الصراع على أنه عنف وضحية بنظرة أخرى هولوغرافية أي ثلاثية الأبعاد. والبعد الثالث الذي نقترحه هو طريقة وعي ومعايشة الظروف الاقتصادية – السياسية، وهذا ما سنسميه باللحظة الاقتصادية – السياسية. فلو نحن نظرنا الى الوضع الألماني في لحظته الاقتصادية – السياسية إبان الحرب الأولى لوجدنا أنها كانت تمتاز بحس وطني عال هو الذي جعل الجندي بحاجة الى المكسب الأولي للهيستيريا كي يهرب من الحرب بدون أن يشعر بالخجل والعار. أما في الحرب الثانية فقد طغى الحس العنصري على الحس الوطني وعندها اقتصرت الاصابات الهيستيرية على الجنود العنصريين.

     مثال آخر على أثر اللحظة الاقتصادية – السياسية هو الاتحاد السوفياتي ومعه أوروبا الشرقية التي وجدت في لحظة منعت انفجار الصراعات فيها حتى نهاية الثمانينات حيث تبدلت اللحظة الاقتصادية- السياسية فانفجرت هذه الصراعات.

     لكننا لو دققنا النظر لوجدنا أن معظم الصراعات المندلعة في وقتنا الحاضر هي صراعات متمركزة في الكيانات التي ظهرت كنتيجة مصطنعة للحرب العالمية الأولى. فالتغيرات الجغرافية التي حصلت عقب هذه الحرب لم تكن مجرد تغيير في اللحظة الاقتصادية-السياسية بل كانت تغييرا" مصطنعا" في تاريخ الزمن.

العكس صحيح أيضا"، فبلدان التوازن والازدهار في اللحظة الراهنة ليست بمنأى عن الصراعات في المستقبل. فحوادث لوس أنجلوس (1991) هي انذار باحتمالات نشوب حرب أهلية أميركية اذا ما تغيرت اللحظة الاقتصادية-السياسية الراهنة.

 

3- تشخيص الآثار الصدمية

      نخلص مما تقدم الى أن تشخيص الآثار الصدمية مرتبط مباشرة بتشخيص الصراعات، التي نقترح لها التصنيف التالي:

 

أ- الكيانات المنفصمة Schizoide: و هي الكيانات التي تعاني تناقضات عرقية و /أو دينية و/ أو فكرية. وهي تهدد بانفجار نوبات عنف من نوع الشيزوفرانيا الاقتصادية- السياسية المتمثلة بالحروب الأهلية وعمليات العنف والاغتيالات وغيرها.

 

ب- الكيانات الانهيارية Depressive: وتعاني من تهديد هويتها وشخصيتها القومية مما يدفعها الى اليأس بحيث يمكنها أن تعمل على ايذاء ذاتها والآخرين بطريقة عشوائية، وصولا" الى قيام الأفراد بارتكاب أعمال انتقامية ضد العدو المفترض حسب اللحظة الاقتصادية-السياسية.

 

ج- الكيانات الهوسية Manic: حيث يتظاهر الصراع من خلال هوس التطرف القومي أو العرقي أو الديني. هذا الهوس الذي يتفشى في مجموعات صغيرة نسبيا"، لكنها تملك القوة غير العادية التي يتمتع بها المهووس.

 

د- الكيانات الهيستيرية Hysteric: حيث لا خلفيات امراضية حقيقية وانما هو الصراع على السلطة أو على السيطرة على الآخرين وعلى مقدراتهم.

 

في هذه الحالة علينا أن لا نهمل مسألة الاغواء الهيستيري ونجاحاته في السيطرة على الآخرين. كما أنه علينا أن نمهل احتمالات بداية الذهان تحت ستار الهيستيريا.

 

4- تشخيص الحالات الصدمية

       في رأينا أن التشخيص الأمثل لحالات الصدمة عقب الكارثية يجب أن يتضمن البنود التالية:

أ- تحديد البنية الشخصية الأساسية بما فيها من اختلالات نفسية وجسدية.

ب- تحديد علائم السلوك الاعتيادية.

ج- تحديد علائم السلوك الراهنة والمقارنة بينها وبين تلك الاعتيادية لتحديد التغيرات التي أحدثتها الصدمة، وتحديد خلل التوازن الذي أحدثتها البنية الشخصية الأساسية من حيث حدة هذا الخلل واحتمالات تطوراته المستقبلية.

 

5- الاستراتيجية العلاجية

     لا بد لها من أن تستند الى معرفة وثيقة بهيكلية الاضطراب الصدمي، التي نختصرها على النحو التالي:

ان وضعية الضحية هي وضعية بارانويائية بمعنى الكلمة. والمشاعر الاضطهادية المرافقة لهذه الوضعية تدفع بالمريض الى توقع ظلم القدر له بتعجيل موته فتنفجر لديه الوساوس المرضية. لكنه يعجز عن تعقيلها بإدراك طبيعتها الوسواسية فيتحول خوفه من المرض الى خوف من الجنون، ثم يتراوح المريض بين الخوف من الموت والخوف من الجنون. هذه الهيكلية الامراضية المختصرة هي التي نصادفها في عيادة الصدمة. أما عن تعقيداتها فهي متشعبة ويمكننا اختصارها بـ:

 

أ- تعقيدات سيكياترية.

 

ب- تعقيدات سيكوسوماتية.

 

ج- تعقيدات اجتماعية- مهنية.

 

ونأتي الى العلاج حيث تتركز استراتيجيتنا العلاجية وتتمحور حول النقاط التالية:

 

أ- وصف مضاد للقلق Anxiolytique ( للحدمن التطورات البسيكوسوماتية غير المنتظرة).

 

ب- العمل على تصريف الانفعالات وتوجيهها إيجابيا"، وتلافي تراكم الانفعالات غير المعبّر عنها (Non Ellaboré).

 

د- في حال وجود مؤشرات أمراض جسدية يجب العمل على العلاج الوقائي لهذه المؤشرات ولاحتمالات تطورها وتعقيدها.

 

بهذا ننهي حديثنا عن رعاية ضحايا الصدمة ونحن نتساءل عن مدى التزامنا بالقسم الأبقراطي وعن الضوابط الأخلاقية القابلة للتعميم والتي تحدد دور الطبيب النفسي في حل الصراع وفي التدخل في الحالات الكارثية. مع تسجيل تحفظنا على توريط الاختصاص والاختصاصيين في القضايا التي تحتمل مصطلحاتها اللبس وإساءة الإستخدام. كما هي حال مصطلحات : الإرهاب والصراع والعدالة والحقوق وغيرها.

العودة الى الصفحة الرْيسية