الشخصية العربية في عالم متغير

                              د. محمد احمد نابلسي

 

     هذه الكلمة كانت كلمة النابلسي في الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر كلية التربية في جامعة دمشق. والكلمة على اختصارها ، الذي اقتضته الجلسة، حظيت بإهتمام لافت في الأوساط الفكرية والإختصاصية. فنشرتها مجلات دراسات عربية ودراسات نفسية و الثقافة النفسية المتخصصة. و تميزت دراسات نفسية بطلب التعقيبات على هذه الورقة حيث عقب عليها كل من الاساتذة الدكاترة: عبد الرحمن العيسوي (مصر) ومحمد حمدي الحجار (سوريا) ومعن عبد الباري قاسم (اليمن)/ أنظر قالوا عنه. الأهم هو الرؤية المستقبلية للمؤلف الذي يحذر عام 1997 مما حدث بعد 11 ايلول/ سبتمبر عندما حولنا الآخر قسرا" الى أعدائه الحضاريين. بما يبرر عدوانه!.

                                                        

 قواتنـا محتشـــدة وغايتنــا واضحــة

 والعـدو يقــوى يومـا" بعــد يـــوم

 ونحـن فـــي ذروة بعدهــا الانحــدار

 هنـــالك مــد فــي أقــدار الرجـال

 بســبب الفيضان الـذي يقــود الى الظفر

 وعــند التغاضي عنـه فان رحلــة الحياة

 ستسـقر في الميــاه الضحلة والتعاســة

 وفــــي خضـم البحــر نطفــو الان

 فاما الاندفاع مع التيار المؤاتي وإما الخسران

 

 بهذه الأبيات لـ"بروتس" يستشهد صمؤيل هنتنغنتون ( Samuel Huntington) صاحب مقالة "صدام الحضارات" ليخلص الى القول بأن على الغرب أن يتعلم الابحار في المياه الضحلة. وبأنه من العبث الاستمرار في محاولات احتواء انتقال النفوذ.

 

ولسنا بصدد مناقشة المنطلقات التي يستند اليها هذا الفكر، ولسنا نحن بصدد نقد طروحاته واستنتاجاته. فنحن نكتفي بالاشارة الى أن هذه المقالة المنشورة في مجلة "شؤون خارجية" الأميركية لم تكن أكثر من اعلان عن التفكير أو الرؤية المستقبلية لتيار فكري – بحثي بدأت طلائعه في الحرب العالمية الثانية. حين توجهت بعض الأبحاث لدراسةالشخصيات الأممية لأصدقاء الولايات المتحدة ولأعدائها على حد سواء. ولقد استخدمت الأخيرة وتم توظيفها في الحرب النفسية ضد الأعداء. ولقد استمدت هذه الدراسات أهميتها من فعاليتها. بحيث شكلت هذه الدراسات نماذج صارمة لتعامل الولايات المتحدة مع هذه الأمم.

 

في المقابل، فان محاولات دراسة الشخصية العربية تلقى علامات استفهام متعددة الصعد. وتكاد تحمل في طياتها جملة من التهم! والسؤال الكبير الذي يطرح هنا هو : " ألا يحق لنا تطبيق مبدأ اعرف نفسك بنفسك ؟ " أم أن علينا الاستمرار في النظر الى شخصيتنا القومية عبر منظار الآخرين ووفق معاييرهم؟ ولكن الموضوعية تفرض اكمال هذه الأسئلة بسؤال عريض هو " لماذا فشلت دراساتنا حول الشخصية العربية في اثبات فعاليتها ؟ " ونجيب – باختصار شديد – بأن دراساتنا تفتقر الى روح الفريق، فدراسة الشخصية الأممية ليست مهمة أفراد، إذ هي تحتاج الى تخصصات العلون الانسانية كافة من علوم نفسية وتربوية واجتماعية أثروبولوجية وتاريخية وجغرافية وخصوصا" فلسفية. ودراسة الشخصية الأممية لا تكتمل الا بتعاون هذه الاختصاصات.

 

لكن عدم الاكتمال هذا يجب ألا يدفعنا الى تجاهل أو اهمال جملة جهود فكرية عربية في هذا الاتجاه، حيث يهمنا التوقف عند أسماء، مثل : زكي نجيب محمود، ومحمد عابد الجابري، وقدري حنفي، وعبد الباسط عبد المعطي، وفرج عبد القادر طه وغيرهم كثيرون.

ومن جهتنا، وجدنا أن غياب الفريق قد جعلنا عاجزين عن تقديم أية اضافة ذات قيمة في هذا الموضوع. لذلك، اتجهنا الى تطويع وتعديل تطبيقات العلوم النفسية في مجتمعنا العربي، بدءا" بالمقايس والاختبارات ( حيث نشرنا دليلا" للاختبارات المترجمة والمعربة والموضوعة والمعاد تقنينها حسب البيئة العربية) ومرورا" بتبيان أثر البيئة الحضارية على تظاهر الأعراض المرضية وصولا" الى تبيان الحاجة الملحة لوضع دليل عربي لتشخيص الاضطرابات النفسية والعقلية. ولقد ضمنا مجمل هذه الآراء في كتابنا " نحو سيكولوجيا عربية" ( دار الطليعة – بيروت 1995) : الذي أصدرناه بعد عقدنا مؤتمرا" عربيا" شاملا" تحت هذا العنوان ونشر أعماله كاملة.

وتجنبا" للجدل مع المتغربين والمستغربين، وتفاديا" لقهر إلصاق مصطلحات التعصب والفاشية بمصطلح " القومي" فاننا ننطلق من اعتراف المصادر الأجنبية بوجود الشخصية الأممية، وبأهمية دراسة خصوصياتها، وبالفائدة التي تعطيها هذه الدراسة في توضيح الفروقات بين الحضارات. الأمر الذي يزيد امكانيات الاستفادة من العلوم النفسية خصوصا"، والانسانية عموما".

 

الآن، والقوات محتشدة والمد قدر والمياه الضحلة بانتظار الجميع، بحيث لا يمكن لليبيرالية النظام العالمي الجديد أن تتقبلنا إلا كأعداء أممين لها. ماذا نفعل؟ هل نستمر بالربط الهذياني – الهلوسي بين التحديث وبين الغرب ؟ وهل يستمر تفكيرنا نمطيا" – تكراريا" (Stéréotype) للتفكير الغربي؟ أم نظل نرسخ مظاهرنا الفصامية بالانشطار بين الانبهار بليبيرالية لا حصة لنا فيها ولا نصيب وبين أصولية تجمد سيلان الزمن فتمنعنا من اتخاذ القرار للاندفاع في التيار المؤاتي لأمتنا.

        

الشرق شرق والغرب غرب مقولة تدعمها حتمية صدام الحضارات. وبعدها نبقى على اصرارنا الوسواسي على التماهي (التوحد) بالمعتدى ؟ أقله أن نقبل هذه المقولات كاحتملات، وأن ندخل بعض المبادئ الملزمة على ممارستنا اليومية، وأن نعمم هذه المبادئ من منطلق الارشاد النفسي الجمعي والفردي. أبسط هذه المبادئ الاتفاق على تعريف علمي- موضوعي للصحة العقلية. وهذا التعريف بات حاجة لشخصيتنا العربية التي تتلقى علاجات وحشية. استنادا" الى شخصيات تندرج في اطار الاتهامات، ومنها : الارهاب والقسوة والاندفاع الانفعالي – الغريزي والخبث وغيرها من المصطلحات المنبثقة – أساسا" – عن حق بريطانيا في حرب الأفيون.

 

ان تعريف الاتزان العقلي الذي نقترحه للاعتماد كمؤشر للارشاد الجمعي والفردي يتضمن العلائم التالية:

 

1- التأكد من الهوية الذاتية والجمعية، والاطمئنان للشعور بالانتماء والحفاظ على الكينونة (حقوق وواجبات) بما يستتبع التعاون الايجابي مع المحيط.

2- التنمية المتوازية لقدرتنا على الحب وعلى النقد معا".

3- تخطي الميول النرجسية، وتقبل القواعد المؤلمة المرافقة للتجارب الانسانية.

4- التعمق في استكشاف الذات وعدم الاكتفاء بما هو سطحي وظاهر منها.

5- البحث الدائب عن الانسجام والتناغم مع الواقع ومحاولة تعديله، مع استبعاد المشاعر والممارسات السلبية.

6- ان الحرية ليست مرادفة للفوضى بل هي تعني ان تكون الذات هي نفسها. فلا تتحول الى المطالبة بجملة لا معقولات، وهي لا تتراخى في الدفاع عن ماهيتها.

7- ان تغيير شروط الراهن غير المحتملة لا يتم باللجوء الى الخيال والى بارانويا الشعور بالتآمر. بل هو يتم من خلال الدراسة الموضوعية لإمكانيات تغيير هذه الشروط، والعمل الجاد على ذلك.

8- ان التفكير بالمستقبل ( أهداف، طموحات) هو علامة حياة. وكلما كان هذا التفكير أكثر موضوعية كان الواقع أكثر راحة وتأكيدا" لمشاعر الاطمئنان والتوازن.

مع الاشارة الى أن تضخم الطموحات يحول التفكير بالمستقبل الى التسامي وهو علامة موت.

العودة الى الصفحة الرْيسية