دورات التنويم كعنصر داعم للتشخيص السيكاتري للمسنين.

                                                       د. محمد أحمد النابلسي         

                                                               عضو مجلس ادارة اتحاد الأطباء النفسيين العرب

    قدمت هذه الورقة في مؤتمر الخليج الأول للصحة النفسية / الكويت في 8/ 10 / 2003 وكانت بعض حالاتها قد عرضت في مؤتمر جامعة حلوان/مصر حول رعاية المسنين. ونشر ملخص الورقة في المجلة اللبنانية للعلوم الطبية الصادرة عن نقابة اطباء لبنان عدد تموز/يوليو 2001

 

ملخص

ان التشخيص التفريقي لحالات العته يطرح باستمرار اشكاليات عديدة، نظرا" لتداخله مع كافة اضطرابات القوى المعرفية عند المسنين وخصوصا" بسبب تقاطعه مع هيستيريا المسنين وهي بدورها اضطراب مزيج بحيث نصادف كافة أنواع وتظاهرات الهيستيريا في هذه الحالات. ننطلق في هذه الورقة من مسلمة طبية معروفة لدى العامين في مجال الشيخوخة وقوامها ان المسنين يعانون من اضطرابات النوم. وهذه المعاناة مرتبطة بوضعيتهم. حيث من الطبيعي ان يعاني المسن من مخاوف الموت ومن ازعاجات الأمراض التي تصيبه ومن اضطهاد التقهقر والتراجع الجسدي والمعنوي والاجتماعي الناجمين عن التقدم في السن. لهذه الأسباب وغيرها افترضنا ان اصلاح ضطرابات النوم لدى المسنين يشكل الخطوة الأولى لتشخيص اضطرابهم. وفي هذه الورقة نعرض لست حالات كانت تتلقى العلاج بناء" على تشخيص العته الشيخوخي. وبعد اخضاع هذه الحالات لدورات تنويم تبيّن لنا أن مظاهر العته التي شخصت الحالات عتهية على أساسها كانت هيستيرية الطابع. ولدى علاجنا لهذه الحالات وجدنا انها قابلة للاسترداد. بحيث عاد المرضى الستة الى تكامل كافي لمستوى قدراتهم المعرفية وتخلصوا من كل مظاهرات العته.

 

مقدمة

من خلال عملنا في مأوى العجزة التابع لمؤسسة الخدمات الاجتماعية كطبيب متعاون وكأخصائي علاج نفسي وتشخيص، أتيح لنا التقاء العديد من حالات العته المتنوعة من حيث أشكالها العيادية. وتبين لنا أن عناصر التشخيص التفريقي المعتمدة في تصنيف حالات العته غير كافية. وهذه العناصر هي : 1- شكل بداية المرض. 2- كيفية تظاهر لعوارضه 3- تطورات العوارض 4- العوارض الاكتئابية 5- مستوى الثبات الانفعالي 6- عوارض هذائية 7- صعوبات التوجه 8- علامات التراجع الذهني. لذلك قمنا باجراء مقابلة تشخيصية مع كل حالة من الحالات الست والأربعين المقيمين في المصح والمشخصين كعتهيين، ثم اتبعنا المقابلة باستقصاء معلومات اضافية عن الحالة من مصادر متنوعة مثل الأهل وجهاز التمريض المشرف وملاحظات الأطباء الداخليين المعالجين. ونتيجة هذا العمل وجدنا أن عشرة من بين هذه الحالات تبدو مثارا" للشك لجهة تشخيصها كعتهية. وأكد المشرفون أن جميع هؤلاء يعانون من اضطرابات النوم بأشكالها المختلفة. كما وجدنا لكل حالة من هذه الحالات عناصر انفعالية – شدية. وبالاتفاق مع الأطباء المعالجين قمنا باخضاع هذه الحالات لدورات تنويمية تمهيدا" لاعادة النظر في التشخيصات الموضوعية لهذه الحالات

1- خطة الدراسة : تضمنت خطة الدراسة تحري الظروف الصحية والاجتماعية لكل مريض وفحصه طبيا" ثم اجراء مقابلة مطولة معه، يتم خلالها تطبيق اختبار العته المعتمد في المصح وهو اختبار Goldfarb المؤلف من الأسئلة التالية : 1- أين نحن الآن ؟ 2- أين يوجد هذا المكان ؟ 3- في أي يوم نحن ؟ 4- في أي شهر نحن ؟ 5- في أي سنة نحن ؟ 6- كم عمرك؟ 7- في أي يوم يكون عيد مولدك ؟ 8- في أي سنة ولدت؟ 9- من هو رئيس البلاد؟ 10- من كان الرئيس قبله ؟.

وبالنتيجة حصل المرضى العشرة على أكثر من خمس درجات في هذا المقياس. أي انهم ارتكبوا أكثر من خمسة أخطاء في اجاباتهم على هذه الأسئلة. بعد هذه المقابلات وبعد التأكد من وجود اضطرابات النوم وتحديد نوعيتها قمنا باخضاع هؤلاء المرضى لدورات تنويمية    (cure) كانت مدة الدورة خمسة أيام وتعتمد على الأدوية التالية: Diazepain + Thioridazime وذلك بجرعات تحدد حسب الحالة. ثم أعدنا فحص هؤلاء المرضى بعد الدورة معتمدين الخطوات التالية :

أ- تكرار تطبيق اختبار Goldfarb

ب- إجراء مقابلة تشخيصية جديدة.

ج- تكرار الفحص الطبي وملاحظة التغيرات بالمقارنة مع الفحص السابق.

د- اجراء الفحوصات التي يوحي الفحص السريري بضرورتها.

هـ - اعادة النظر في تشخيص الحالة بناء" على المعطيات الجديدة ووضع خطة علاج بديل للحالة.

 

2- الحالات العتهية : بعد دورة التنويم تبين أن أربعة من أصل الحالات العشر المدروسة هي حالات عتهية فعلية.حيث تبين أن الحالات الست الباقية هي حالات نظيرة العتهية.وسنعرض فيما يلي لهذه الحالات :

3- وصفية : عرضت علينا وصفية في المستوصف التابع للمصح. حيث كانت مقيمة فيه بسبب اصابتها بسكر في عظمة الفخذ(Femur) . وبهذه المناسبة ظهرت لها عوارض شخصت بأنها عتهية وأعطيت العلاج المطابق على هذا الأساس. كانت وصفية في حينه في الثمانين من عمرها ولم تكن تعاني من أي مرض جسدي مشخص، فتمت إعادة ادخالها الى المصح وأخضعت لدورة التنويم ليتبين بعدها أنها تعاني من نظير الهتع الاكتئابي، وتمت معالجتها بناء" على هذا التشخيص بمضاد اكتئاب من نوع SSRI وبمضاد قلق – منظم نوم هو Meprobamat بالاضافة الى Notropyl  والـ Melatonine. والمريضة تبلغ اليوم السادسة والثمانين من عمرها وهي تواظب على قراءة جريدتها اليومية.

 

4- صادق : عرض علينا صادق وهو في عمر السبعين سنة. وكانت علامات العته قد بدت عليه عقب سفر زوجته للخارج لزيارة أولادها المغتربين. حيث بقي صادق في رعاية ابنه وزوجته المقيمين معه في نفس المبنى. وقد وصف الابن بداية الحالة باكتئاب واضح مع بكاء أعقبته شكوك اضطهادية منها رفضه للطعام لاحتمال كونه مسمما". أعقب ذلك ظهور عوارض عتهية واضحة لديه. حيث قفد قدرته على التوجه في الزمان والمكان وأدخل المصح على هذا الأساس.

بعد خضوعه لدورة التنويم تمكن صادق من تقديم عرض متماسك لمعاناته. حيث الزوجة تصغره بحوالي العشرين عاما" وتتصرف بشكل يوحي له بالاهمال والاضطهاد وهو لا يجد العون والدعم من أبنائه لأنهم مغتربون. أما الابن الباقي فيتجنب التدخل وان كان يبذل بعض الجهد للتعويض عن اهمال والدته. وقد أفاد صادق أن البداية لم تكن بعد سفر زوجته وانما قبلها بحوالي الستة أشهروتحديدا" عندما علم بنيتها للسفر وعندها اضطرب نومه وبدأ يعاني من الأرق الصباحي وأرفق ذلك بشغب ليلي (Nocturn Tulburance) كانت حدته تزداد مع اقن\تراب موعد سفر الزوجة. وتم اخضاع صادق لدورة تنويم ثم لجلسات علاج نفسي داعم وأتبعت الجلسات بجلسات علاج عائلي. أما العلاج الدوائي فاقتصر على الـ Meprobamate وعاد صادق الى حالته الطبيعية بعد عدة أسابيع من عودة زوجته من سفرها.

5- جيهان : كان عدم استجابة جيهان (72 سنة) للعلاج الدوائي من حالة العته الشيخوخي المشخصة لديها، سببا" في عرضها علينا لاجراء الفحوصات النفسية المكملة لتأكيد التشخيص. لكن المريضة لك تكن تستجيب للحوار. ونظرا" لقيامها بالشغب الليلي (Nocturn Tulburance) ، قمنا باخضاعها لدورة تنويمية بعد ايقاف المعقلات التي كانت تعالج بها. وبعد خمسة أيام من التنويم كانت جيهان مستعدة للاجابة وللحوار. إلا أن حديثها لم يكن متماسكا" وتمازج مع هذيان غير منظم وتمحور حول الأفكار التالية : 1- تخلي أبنائها عنها وايداعها في المصح. 2- انتقادات مكثفة وغير متماسكة لزوجات الأبناء. 3- خوف من الموت Tanatophobia تضاعف مع دخولها الى المصح. وتابعنا علاج جيهان بالـ Meprobamate كمهدئ بسيط ومنوم وبمضاد اكتئاب من النوع الرباعي الحلقات – المثبط فبدأت الحالة بالتحسن بعد انتظام النوم وبعد بضعة جلسات علاج عائلي مع كل ابن من أبنائها على انفراد ومن ثم مع الابناء مجتمعين.

 

6- أمينة : كان تشخيص أمينة (76 سنة) أنه بداية عته. وكانت تظهر لديها حالة من سيلان الكلام Logorahea مع بعض مقاطع كلامية غير مفهومة.الأمر الذي جعل معظم مقاطع حديثها غير متماسكة. وكانت تروي مقاطع من أحلامها خلال الحديث. بحيث تبدت لديها حالة Parammezia تجعلها غير قادرة على التفريق بين أحلامها وبين الواقع. اذ كانت تعتبر بعض مقاطع الحلم واقعا" وتسرد حديثها على أساسه. وتمحورت أفكار الأحلام حول رؤى الموت والأشخاص الأموات. وكانت الملاحظة الأساسية للمشرفين أنها تعاني من أرق صباحي يجعلها تنام بشكل متقطع مع احداث شغب أثناء فترة استيقاظها. كما يلاحظ المشرفون أن نومها تحسن بعد اعطائها عقار الـHaloperidol الا ان حديثها أصبح أكثر تفككا". وتم اخضاع أمينة لدورة تنويمية خرجت منها بحديث أكثر تماسكا" وباختفاء الخلط ما بين محتويات الأحلام وبين الواقع. وتحسنت حالتها بصورة تدريجية مع اختفاء المظاهر العتهية. وعولجت امينة بدواء الـ  Thioridazine  بجرع خفيفة وبمهدئ بسيط.

 

7- منيرة : عاينا هذه الحالة وهي في سن الـ 70 سنة حيث كانت تبدي مظاهر عتهية واضحة وكانت مشخصة على هذا الأساس. ولكن ملاحظة كانت جديرة بإثارة الشكوك بتشخيص العته. وهذه الملاحظة كناية عن عنادها الزائد والذي يمكنها من تحقيق سيطرة على أولادها ومحيطها. بحيث كانت تكتفي باظهار غضبها أو الاعلان عن مضايقتها حتى تحول الأمور في الاتجاه المناسب لها، وكانت منيرة من نزلاء الدرجة الأولى حيث كانت تعامل باهتمام زائد (بسبب تدخل أولادها) . واقترحنا باخضاع منيرة لدورة تنويمية خرجت منها أكثر وعيا" بقدرتها على التحكم في الأمور بصورة بارانويائية وأعلنت بصورة غير مباشرة، عن عدم حاجتها للسلوك الهيستيري (استعراض المرض) لتحقيق ماتريده واعادة ترتيب الأمور بناء" على رأيها. وأرادت مغادرة المستشفى وبسرعة. لكن ظهور علائم عصبية لديها دفعنا لإجراء فحص دماغي بطريقة MRI فكانت النتيجة أن منيرة تعاني من ورم دماغي خبيث. وتوفيت بعد ستة أشهر على مغادرتها المصح.

 

8- فاطمة : عولجت فاطمة لمدة سنة وفق تشخيص العته وقد بدا التشخيص مطايقا" وكانت تحقق بعض الاستقرار مع العلاج الذي تتناوله. ولكن الملفت في حالتها كان إصرارها على صلاة الليل وهي في الـ 75 سنة. حيث كانت تصلي بنشاط ملفت. لدى مراقبة طريقتها في الصلاة تبين أنها صحيحة وبدون أخطاء!.

تم اخضاع فاطمة لدورة تنويمية وأخضعت بعدها لجلسات علاج نفسي داعم مكثفة ( ثلاث جلسات أسبوعيا" ) تبين بعدها أنها تعاني من حالة انسحابية – اكتئابية وتريد أن تنتظر الموت بسلام بعيدا" عن أجواء عائلية تجعلها تحس وكأنها عالة على أبنائها. وأتبعنا هذه الجلسات بعلاج عائلي تبين لنا بعده بأن أحد أبنائها هو الأقدر على استضافتها مع تأمين الأجواء اللازمة والملائمة. وبما انه أبدى حماسة لذلك فقد قبلت فاطمة هذا العرض. وهي تعالج حاليا" من مرض ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين وتتناول مهدئا" بسيطا" قبل النوم وعندما تتعرض للشدة.

 

الخلاصة

في رأينا ان التقنيات المتوافرة لتشخيص الحالات العتهية غير كافية لإقرار مبادئ التشخيص التفريقي. بما في ذلك تقنيات الفحص النفسي الدينامي وتقنيات التصوير العصبي، التي تعطي نتائج دقيقة في حالات التلف الدماغي لكنها لا تعطي مثل هذه النتائج في الحالات التقهقرية. وعلى أساس تجربتنا في الحالات المعروضة أعلاه، فاننا نقترح إخضاع المسن الذي يبدي مظاهر عيادية عتهية لدورة تنويم. فهذا التنويم يستبعد العلائم الهيستيرية والاكتئابية والخوافية أو هو يبرزها بشكل يسهل تشخيصها. فاذا ما ستمرت المظاهر العتهية على حالها بعد دورة التنويم كان ذلك دليلا" داعما" لتشخيص العته وأداة مساعدة للتشخيص التفريقي، حيث تشير بحوث التصوير العصبي الى تطور قدراتها في دعم التشخيص.

 

الهوامش والمراجع

1- سيغموند فرويد : حالة دورا: في هذه الحالة يشير فرويد لاستبعاده تشخيص الهيستيريا عن مريضة أظهرت قدرتها على تداعي الأفكار والربط الذكوري. مما يجعل من اختبار الذاكرة أساسيا" في تحديد تشخيص الهيستيريا. لكن اضطرا الذاكرة يكون مشتركا" في حالتي العته والهيستيريا. الا أن أشكال هذا الاضطراب تختلف في الحالتين، ولعل أوضح الاختلافات الدينامية هي أن التنويم لا يؤثر في اضطراب الذاكرة العتهي ويؤثر في الهيستيري.

2- Glodfrab A.: the aged in crisis in : “ Psychiatric emergencies”, Grune and Stratton inc. New York – San Fransisco – London, 1976.

3- Mac Kinnon R., Michels R.: The Psychiatric interview in clinical practice. W.B Sanders company, Philadalphia- London – Toronto, 1971.

4- Perris C: A study of bipolar manic – depressive ad unipolar recurrent depressive psychosis in Acta.Psy.Sca. 1966, 194 suppl.

5- Buge A.,Martin M.: Le Diagnotic de démence st ses difficultés. Rév.Pra.(Paris), 1966,16,23,3033-3050.

6- CRAHAYS.: Les Fugues in “ Traitéde psychologie médicale” P.U.R. Paris. 1973.

7- بيار مارتي ومشاركيه: بسيكوسوماتيك الهيستيريا والوساوس المرضية، دار النهضة العربية، بيروت، 1991 .

8- Dierks. R and col: Dementia of the Alzheimer type. Effects on the spontaneous EEG Described by Dipole Sources in psychiatry research- Neuroimaging vol 50, No3, 151- 162- 1993.

9-Mc Donald. W.M and cal: occurrence of subcortical hyperintensities in Elderly subjects with Mania. In Psy.Res. Neurocin vol.40,No4,211-220,1991.

العودة الى الصفحة الرْيسية