علاقة حوادث السير بتشويه الدفاعات النفسية

                                                                  

                                       الدكتور محمد احمد النابلسي

ورقة مقدمة الى مؤتمر حوادث السير في دول الخليج/ الكويت مارس 2002

                                             

ملخص

          ان تخيل التعرض الشخصي لخطر مهدد بالموت يصيب الدفاعات النفسية بتشويه من نوع خاص يطلق عليه السيكولوجيون تسمية " التفاؤلية الدفاعية" (Optimistic Bias ) . وهذه التفاؤلية تكون متورطة في مجمل حالات تعريض الذات للأخطار. بدءا" من التدخين ووصولا" الى المخاطرات المفضية للموت كما في حوادث السيارات.

هذه التفاؤلية ممكنة التعريف اختصارا" وتبسيطا" على النحو الآتي: " يعتقد الشخص أن الأشياء السيئة والأخطار تصيب الآخرين ولاتصيبه هو شخصيا". مما يحمله على ركوب المخاطرات بجرأة غير عادية تضاعف احتمالات تعرضه للأخطار". وهكذا فان اعتبار المرء نفسه أقل تعرضا" للأخطار من الآخرين يدفعه الى اهمال الاجراءات الوقائية اللازمة.

وعليه يصبح الهدف ( التوعية العامة والحملات الاعلامية والتوعية الفردية) ابدال هذه التفاؤلية الدفاعية المشوهة والمحفوفة بالمخاطرة بتفاؤلية وظيفية تقوم على أساس الشعور بانخفاض تعرض الشخص للأخطار بسبب اتخاذه لكافة الاجراءات الوقائية اللازمة.

بذلك يمكن تفسير الارتباط بين النضج ،المصاحب لتعديل مستوى هذه التفاؤلية، وبين انخفاض نسب المخاطرة لدى الناضجين والمرضى والمتعرضين لأحداث حياتية صدمية  في مقابل ارتفاع نسبتها لدى المراهقين ولدى المضطربين نفسيا" ممن ينطوي اضطرابهم على ارتفاع مرضي لمستوى هذا النوع من التفاؤلية.

كما أن هذه التفاؤلية يمكنها أن تفسر ارتفاع نسبة حوادث السير لدى المدمنين. فادمان المواد لا يؤدي فقط الى انخفاض ملكات التركيز والانتباه وقدرات التموقع الزمان- مكانية فقط بل هو يؤدي أيضا" الى حالة من الزهو (الشمق) التي ترفع التفاؤلية الدفاعية الى اعلى مستوايتها. حتى تبلغ في حالات نادرة الشعور بان المدمن غير قابل للموت (شعور مرضي نفسي بالخلود يصادف في حالات الادمان وفي بعض حالات المرض النفسي).

ان دراسة التفاؤلية الدفاعية تدخل في مجال علم نفس الصحة وتجرى حولها دراسات من شأنها المساعدة على رسم استراتيجية لحملة توعية وقائية من شأنها أن تقلل من حوادث السير عن طريق تعديل هذه التفاؤلية وتحويلها الى الموضوعية. وهذا ما ستحاول هذه الورقة استخلاصه من خلال متابعتها لهذه الدراسات. حيث ننطلق من مبدا تصنيف وفيات حوادث السير ضمن قائمة أسباب الوفاة. أي الى جانب الأمراض والأخطار الحياتية الأخرى. وهذه الأخيرة تقسم الى قدرية لايمكن للوقاية الوظيفية تعديلها والى قابلة للسيطرة عن طريق تنمية التفاؤلية الوظيفية والتحكم بالتفاؤلية الدفاعية المرضية. حيث يمكن اعتبار غالبية الأمراض المميتة من فئة الأخطار القابلة للسيطرة عن طريق الخطوات الصحية الوقائية والطب الوقائي على وجه العموم.

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة الى تشخيص العوامل النفسية المؤدية الى تنامي أخطار واحتمالات حدوث حوادث الطرق. وهو تشخيص متعدد المؤشرات ( Multiple Indice  ) . اذ ليس بالإمكان الفصل بين الاضطرابات النفسية العابرة وتلك المصاحبة للعمر وايضا" الرد فعلية فتشخيصنا لدور هذه العوامل في التسبب بحوادث الطرق لا يمكنه تجاهل أيا" من هذه المؤشرات و إمكانيات تقاطعها في ما بين بعضها البعض. مثال ذلك ان السائق المتسبب في حادثة سير وهو في حالة سكر فان هذه الحالة لا تستبعد إمكانية معاناته من مؤشرات نفسية أخرى كمثل اضطراب المزاج أو التهور الانفعالي أو غيرها من العوامل النفسية. لذا كان من الضروري متابعة اثر هذه العوامل كمؤشرات يمكنها التسبب في حوادث السير. مع محاولة العمل على إثبات الفرضية القائلة بأن تقاطع هذه المؤشرات يزيد من احتمالات الحوادث كما من خطورتها. وذلك على غرار تضافر عوامل الخطر لزيادة إحتمال التعرض للخطر. الأمر الذي يعزز إمكانيات توظيف المؤشرات النفسية في خدمة الحملات الوقائية والتوعوية الهادفة للتقليل من أخطار الحوادث المرورية.

الدراسات السابقة

تركزت غالبية الدراسات السابقة حول البحث في موضوع التفاؤلية الدفاعية وحصرها في مجال الصحة. حيث تهدف هذه الدراسات إلى تنمية حوافز الوقاية الصحية والقضاء على الآثار السلبية لإهمال الخطوات الوقائية بحجة أن الأخطار تصيب الآخرين ولا تصيب الشخص المهمل بسبب إحساسه بالحصانة. و لا باس من إستعراض بعض أهم هذه الدراسات التي تنتمي إلى علم النفس الطبي ( الصحي تحديدا") والتي سنعمد إلى تطبيقها خارج هذا الإطار مع الإحتفاظ بوظيفتها كوسيلة لخفض إحتمالات الوفاة عن طريق حوادث السير بدلآط من خطر الوفاة بسبب الأمراض.

من هذه الدراسات واحدة لفاينشتاين (1989) تشير إلى عدم إمكانية وعي الخطر لدى شخص يجهل نوعية الخطر وعواقبه. ومن هنا أهمية التوعية بالأخطار. وفي دراسة أخرى يحذر رالف شفاتسر من ما يسميه بخطأ مونت كارلو. حيث يظن الرابح في ألعاب الحظ إنخفاض إحتمال ربحه في المرات التالية لفوزه. وهذا غير صحيح لأن إحتمال الربح يبقى نظريا" كما هو بغض النظر عن مرات الربح والخسارة. والأمر نفسه ينطبق على المصائب. حيث تعرض الشخص لمصيبة ما لايعني بحال إنخفاض إحتمال تعرضه لمصائب لاحقة ( ومنها حوادث السير. وهذه نقطة هامة يجب الإلتفات لها عند علاجنا للناجين من هذه الحوادث حيث يتبنى بعض الناجين موقفا" دفاعيا" مفاده أن نجاته من الحادث المروري السابق تلقحه ضد خطر حادث لاحق). كما تربط بعض الدراسات بين التفاؤلية الدفاعية وبين العلاقة بين الكفاءة الذاتية وتوقع النتائج. وهي العلاقة التي درسها باندورا في مؤلفاته على مدى السنوات 1977 وحتى 1992. وما تضيفه دراستنا الحالية إلى هذه الدراسات ،وإلى مفهوم التفاؤلية الدفاعية، هو تحويلها من مفهوم إعاقة الوقاية من الأمراض إلى مفهوم الوقاية من مجمل الأخطار المهددة للحياة. ومنها الأخطار الناجمة عن حوادث السير.  

تطبيق التفاؤلية الدفاعية في حالات حوادث السير.

منذ البداية نشير إلى أن حوادث السير هي نموذج لمختلف الحوادث التي يمكنها أن تؤدي إلى الوفاة بفعل إهمال المباديء الوقائية. ومن هذه الحوادث حوادث العمل ومجمل الحوادث الناشئة عن أخطاء التعامل مع الوضعيات الحرجة. سواء بسبب الجهل الوقائي أو التهور أو الرغبة اللاواعية بإختبار مواجهة الخطر.

ويحدد شفارتسر درجات نقص المعلومات مستعينا" بمثال الايدز. فيجد في المرتبة الأولى إجابة: " لا أعرف الايدز ولم أسمع عنه في حياتي". وفي المرتبة الثانية إجابة: " عدد المصابين بالايدز والذين سيصابون به ضئيل جدا" ". وهي توحي بمعرفة افضل وادراك للخطر مع التقليل من شأنه. أما المرتبة الثالثة فهي إجابة: " لا أعتقد أنني سأصاب يوما" ما بالايدز ". وهي إجابة توحي بدرجة من التفاؤل تكون موضوعية لو أن الشخص يتخذ فعلا" الإحتياطات الواقية من الإصابة. لكنها تكون تفاؤلية مؤذية في حال العكس.

لكن بلوغ هذه المرتبة الثالثة يفترض ملكية الحد الأدنى للمعرفة حول الخطر. وملكية هذه الحدود الدنيا هي الهدف الأقرب لحملات التوعية والوقاية. حيث إدراك وجود خطر حقيقي مهدد هو الخطوة الأولى نحو رصد مؤشرات الخطر والتنبه لها بعيدا" عن الإهمال.

بالإنتقال إلى حوادث المرور فإن المرتبة الأولى تتمثل بجهل أثر السرعة ودورها في التسبب بحوادث السير. أما المرتبة الثانية فتتمثل بالقول أن السرعة نادرا" ما تكون السبب في حوادث المرور. فأما المرتبة الثالثة فتتمثل بالقول أن الشخص لايعتقد نفسه عرضة لحوادث المرور. هذا بالنسبة لعامل السرعة. إلا أنه من الواجب التذكير بإحتمالات الأذى بسبب حوادث السير عامة وبغض النظر عن العوامل المسببة يشكل المرتبة الأولى. يليها التعريف بالشرائح الأكثر عرضة للأذى ( بحسب السن والجنس ووسيلة النقل ودور السرعة والعوامل المشوشة للتركيز الخ) أما المرتبة الثالثة فهي إدراك واقعة أن خطر الحوادث المرورية يمكنه تهديد الجميع. كون الحادث ممكن النشوء عن أخطاء الغير وليس عن أخطاء السائق فقط. إذ يلاحظ أن ردود فعل السائقين المتعرضين للحوادث هي من النوع الدفاعي. بمعنى محاولة إلقاء اللوم على الغير بإعتباره سبب الحادث. وهذه الدفاعية مرتبطة بجملة مؤشرات نفسية متقاطعة. ومعرفة هذه المؤشرات ضرورة حيوية لرسم السياسات الوقائية. كما من أجل العلاج النفسي لضحايا حوادث المرور. سواء تضرروا جسديا" أم لا.   

فالقاعدة الوقائية تنطلق من مبدأ أن تدعيم قدراتنا على وعي الأخطار المهددة للحياة. فهذا الوعي هو الذي يدعمنا ويدفعنا بإتجاه تحمل الصعوبات التي يقتضيها السلوك الوقائي. من جهد لتغيير العادات غير السليمة والصبر ومجاهدة النفس لكبح إندفاعها في الإتجاهات الخاطئة وغيرها من مقتضيات السلوك الوقائي. من هنا يعتبر دارسو التفاؤلية الدفاعية أن الخطوة الأولى نحو الوقاية الجدية تكمن في وعي الشخص لإمكانية تعرضه الذاتي للخطر. على ألا يتحول هذا الوعي إلى سلوك وسواسي. فالهدف من التوعية هو تشجيع إعتماده للخطوات الوقائية. بما يعني بلغة الإختصاص تحويل التفاؤلية من دفاعية تتجاهل الأخطار الواقعية إلى تفاؤلية وظيفية. وهي تفاؤلية تستند إلى التفاؤل بالنجاة المستند إلى إعتماد السلوك الوقائي السليم. ولقد ذكر نموذج القناعات الصحية ،الصادر في الخمسينيات، أن إدراك الشخص لإحتمال إصابته بمرض ما يؤخر إصابته بهذا المرض. إذ يؤدي هذا الإدراك إلى درجة أعلى من التنبه والعناية وجملة من الخطوات الوقائية. ويربط هذا النموذج بين إدراك التهديد و الرؤية الشخصية للثمن والفائدة المرجوة من الوقاية. حيث تبين أن الناس لايتبعون سلوكا" وقائيا" سليما" إلا بعد أن يدركوا جدية الخطر الذي يهددهم. كما بعد أن يثقوا بفعالية الوقاية المقترحة. وهنا تتشابه الصعوبات إلى حد التطابق الكلي بين صعوبات نشر الوقاية الصحية وصعوبات التثقيف المروري. الأمر الذي يبرر الإستعانة بتجارب الوقاية الصحية لتوظيفها في خدمة التوعية والتثقيف للحد من ضحايا حوادث المرور. ولعل أولى هذه التجارب هو تجنب الهدر الناجم عن مخاطبة الشرائح غير المعنية وغير المتعرضة. مع التركيز على تلك المرشحة للإصابة. بما يساعد على تحديد أفضل لوسائل الإتصال بالشرائح المعنية بالتوعية الوقائية. مثال ذلك أن يوضع الإعلان المحذر من أخطار السرعة خلال البرامج التلفزيونية الشبابية. كي يصل التحذير إلى فئة الشباب كفئة هاوية للسرعة ومتبارية فيها.

هذا وترتبط فعالية التحذير بمستوى الجدية التي تظهرها الفئة المستهدفة. وهنا يجب تجنب محاولة دعم هذه الجدية بإيحاءات الإنتشار الواسع. وهو خطأ يقع فيه العاملون في مجال الوقاية من الإدمان بصورة خاصة. حيث تلاحظ الدراسات أن الجمهور لا يتعامل بالجدية الكافية مع مرض خطير مثل مرض السكر بالدم. وذلك بسبب شيوع المرض وإرتفاع نسب الإصابة به. مما يتحول إلى نوع من العزاء المطمئن. وقس عليه بالنسبة للإنحرافات (ومنها الإدمان) التي يؤدي الإعلان عن تفشيها إلى إستسهالها خاصة من قبل الشباب الأكثر توقا" للتجربة ولمعايشة المخاطرة إستنادا" إلى تفاؤلية دفاعية تستبعد موت الشباب.

معوقات الحملات الوقائية

في بحث أجريناه في مدينة كرايوفا الرومانية العام 1982 وأعدنا دراسته في طرابلس /لبنان. حول سلوك التدخين لدى المصابين بالذبحة القلبية. فتبين أن جميع المرضى تقريبا" يقلعون عن التدخين خلال الشهرين الأولين التاليين للإصابة. لكن نسبة تتراوح بين الثلث والنصف تعود إلى التدخين بعد مضي ستة أشهر على الإصابة.

وهذا يطرح سؤالا" غامضا" هو : " لماذا لا يسعى كل الناس للعمل بشكل جدي وفعال لإستبعاد إمكانية تكرار تعرضهم للخطر. حيث الخبرة الشخصية في التعرض للخطر خير وسيلة لكسر جدران الجهل ؟". والجواب على هذا السؤال من شأنه تسهيل الجهود الوقائية من أي نوع كانت. إلا أنه وللأسف جواب غير متوافر. إلا أننا وإستنادا" إلى مبدأ التفاؤلية الدفاعية يمكننا الإفتراض أن الخبرة الشخصية في مواجهة الخطر تقلل من مستوى التفاؤلية الدفاعية لكنها لاتلغي هذه التفاؤلية. وإنطلاقا" من هذه الفرضية علينا تصنيف مستويات الوقاية بالتناسق مع درجات وعي الأخطار. حيث نميز الدرجات التالية:

-          الجهل التام بوجود الخطر.

-          وعي الخطر مع إستبعاده عن الذات.

-          معرفة سبل الوقاية مع عدم الإلتزام بها.

-     الإلتزام بالخطوات الوقائية ( يحول التفاؤلية من دفاعية غير واقعية إلى تفاؤلية وظيفية واقعية بعد تعزيز الكفاءة الذاتية وتحسينها).

ولكن ما هي العوامل المؤدية إلى الحوادث المرورية وأخطارها؟. وما هي إحتمالات تقاطع هذه العوامل مع بعضها البعض؟. وما هي نسبة كل منها في الحوادث المرورية؟. حيث تحديد هذه العوامل شرط لمعرفة نوعية الخطر ومن ثم وعيه والإحتياط له؟.

عوامل الخطر المؤدية لحوادث المرور

منذ البداية علينا إستبعاد الرؤية المعتمدة في قوانين المرور لإعتمادها مباديء إحصائية بحتة تتجاهل قطاعات واسعة من السائقين. مثال ذلك أن يقود عجوز في السبعين سيارته القديمة في الحد الأقصى للسرعة المسموح بها قانونا" ولكن في طقس ماطر وعاصف. فإن قوانين السير لاتخالف هذا السائق. لكنها تخالف شابا" يقود سيارة جديدة في طقس مشمس إن هو تجاوز الحد الأقصى للسرعة ولو ب10 كلم/ساعة فقط.

بطبيعة الحال فإن قوانين المرور لايمكنها أن تحدد حدود السرعة المسموح بها قياسا" للسن أو لقدرة الإبصار أو لغيرها من العوامل. بل أن مثل هذه النسبية تعتبر تمييزية. لكن المثال يدفعنا لفهم إحساس الشباب بقدرتهم على مواجهة أخطار تجاوز السرعة المحددة. وهنا يجب تنبيههم أن العجوز أو المخمور أو ضعيف البصر أو ناقص القدرة على التركيز هو السائق الآخر الذي قد ينقض قدرتهم وينتقص من توقعهم لكفاءتهم الذاتية في مجال القيادة.

وبالعودة إلى إحصائيات حوادث المرور نجد تقاربا" في نسب الفئات المتعرضة لها والعوامل المؤدية لها. في حين نجد إختلافا" في نسب قتلى هذه الحوادث قياسا" إلى عدد السكان. وفي ما يلي نورد العوامل المسببة لحوادث المرور بالتسلسل بحسب اهميتها:

      1.          تجاوز السرعة المسموحة.

      2.          نقص الإنتباه والتركيز ( سواء لسبب عضوي أو بسبب مؤثرات على الوعي).

      3.          نقص كفاءة السائق ( تدني مستوى إرتكاساته لجهة تقدير المسافة/ الزمن).

      4.          نقص كفاءة وتجهيز السيارة أو وسيلة النقل.

      5.          القيادة في ظروف مناخية غير مناسبة.

      6.          مخالفات قوانين المرور.

      7.          القيادة في حالات نفسية إنفعالية مبالغة.

هذه هي العوامل الرئيسية ،المحددة إحصائيا"، التي يجب أن تركز عليها حملات الوقاية من حوادث السير وجهود التوعية المرورية.

التربية المرورية التقليدية

لقد كان بحثنا في موضوع التفاؤلية الدفاعية محاولة لتبين السيرورات المعرفية التي تجتازها التربية المرورية ، والصحية إجمالا"، كي تقوم بتفعيل وتشجيع السلوك الصحي. حيث  الصعوبات المعترضة لهذا التفعيل تدفعنا الى تركيز أعمق على هذه السيرورات المعرفية. فالتجربة تبين طغيان بعض أشكال القيادة الجامحة المتسببة بالحوادث ومقاومتها لكل جهود التوعية والوقاية. ومراجعة استراتيجية حملات التوعية المرورية تبين لنا إعتمادها على محورين رئيسين. الأول هو تقديم المعارف والمعلومات ( Information Appeal ) والثاني هو إثارة الخوف ( Fear Appeal ). ولقد ثبت فشل هذه الإستراتيجية في حالات عديدة. من هنا كانت إقتراحاتنا لإستراتيجية توعية جديدة تركز على السيرورات المعرفية. التي تلخصها التفاؤلية الدفاعية. لكن هذا لايعني انعدام فعالية المحورين المذكورين بل هو يعني حاجتهما للمساندة. فهذين المحورين يساهمان بفعالية في تحريك وإثارة سيرورات دوافع السلوك المروري الصحي. وبخاصة عندما يتم الجمع بين المحورين معلومات/خوف. إذ يقوم هذا الجمع بمهمة الإبلاغ عن الخطر وتعميم المعرفة بوجوده. إلا أنه يبقى عاجزا" عن إختراق جدار الإنتباه للخطر الذاتي (إحتمال تعرض الشخص نفسه للخطر). وهنا تطرح إشكالية تستوجب التوقف عندها. إذ أن بعض العصابيين الوسواسيين ومعهم فئة المتعرضين لحوادث شبيهة يمكنهم أن يبالغوا في الخوف. بحيث يؤدي التخويف الهادف لزيادة وعي الخطر الذاتي ، لدى الأشخاص العاديين، إلى تضخم هذا الوعي لدى هذه الفئة من الناس. بل أنه يتحول في بعض الأحيان إلى وسواس حقيقي. فلو أخذنا المثال في حملات التوعية ضد الإيدز لوجدنا أن هنالك فئة من الناس ممن يصل خوفهم من هذه الحملات والتخويف المصاحب لها حدود الإمتناع عن الممارسة مع وسواس تحري طرق الإصابة الممكنة بالعدوى. وهذا يقودنا إلى النتيجة التي توصلت إليها غالبية الحملات الوقائية. وتقول هذه النتيجة بوجوب تجنب توريط الفئات غير المعنية وغير المستهدفة في الحملات الوقائية. بما يمنع إزعاج هذه الفئات وإثارة مخاوفهم ويوفر في الآن ذاته جهود الوقاية وتكاليفها.

وبالعودة إلى الدراسات المتوافرة نجد أن الإحصاءات تشير إلى إرتفاع نسب حوادث السير في دول الخليج العربي. إذ تبلغ هذه النسبة (لكل مئة آلاف مواطن) حدود ال 1224  في السعودية و 1799   في الكويت و 1959  في قطر و 961  في الإمارات. في حين تبلغ 494 في الأردن و 134 في سوريا و 101 في العراق ( عبد النبي، 1988).

أما نسبة الحوادث قياسا" إلى عدد السيارات فهي في السعودية ( النافع والسيف، 1988) كالتالي:

-         7 حوادث لكل ألف سيارة ( زادت النسبة بعد هذه الدراسة وهي من أعلى النسب العالمية)

-          وفاة واحدة لكل ألف سيارة.

-          5 إصابات لكل ألف سيارة.

-          84 % من الحوادث بسبب خطأ بشري.

ونأتي إلى توزيع الفئات الأكثر تعرضا" وقابلية للتعرض للحوادث المرورية. حيث يجد الصالح ( 1415 هـ) أن 45,4% من الحوادث يتسبب فيها أشخاص دون التاسعة والعشرين من العمر. أما الصياد ( 1410 هـ ) فيجد أن 65% من الحوادث تقع بسبب السرعة وأن 72 % من الحوادث تقع داخل المدن و65% منها يحدث نهارا".

وبمقارنة هذه الأرقام بالإحصاءات الأحدث نجد زيادة ملحوظة في نسب الحوادث المرورية في دول الخليج الأمر الذي يعني إنخفاض السلامة المرورية وضرورة إتخاذ خطوات وقائية في مواجهتها. كما تؤكد هذه الزيادة فشل محوري التعريف/ التخويف في الحد من الحوادث. ليبقى العمل على تحويل التفاؤلية الدفاعية ( التي تصل إلى حدود الإعتقاد بإستحالة التعرض للحوادث) إلى دفاعية وظيفية تربط بين إستبعاد التعرض للحوادث وبين إعتماد الخطوات الكفيلة بتجنب هذه الحوادث. وهذا ينقلنا إلى متابعة المؤشرات المساهمة في التسبب بالحوادث. حيث ترى بانان ( Pannain  1985 ) إمكانية توزيع الأشخاص المتسببين بحوادث السير على مجموعات ثلاث هي: 1. ذوي السوابق الجرمية و2. ذوي السوابق النفسية و3. المعانون من نقص الذكاء. وترى الباحثة أن هذه الفئات تشترك في ما بينها في جملة مؤشرات فيزيولوجية ونفسية وإجتماعية تؤدي لإفتقادهم لحكمة التصرف أثناء وقوع الحادث. ولدى محاولتنا تطبيق مبدأ التفاؤلية الدفاعية وإستخلاص هذه المؤشرات عن طريقه وجدنا تصدر المؤشرات التالية في قائمة الأسباب المؤدية للحوادث:

   1.     النشبة ( Raptus  ) : أو الغضب المسعور. ويمكنه أن ينشأ عن ظروف ضاغطة أو عن الإنفعالات المرضية ( إضطرابات نفسية مترافقة مع إنفعالات متطرفة وتدني الحكمة في التصرف ). إلا أنه غالبا" ما ينشأ خلال التسابق بين شباب في العشرينات. بحيث يؤدي التنافس لوصولهم إلى حدود سرعة تمنع سيطرتهم على وسيلة النقل التي يقودونها. وغالبا" ما تقع هذه الحوادث بين سائقي الموتوسيكلات في لبنان. وعموما" بين الشباب سائقي فئة سيارات السباق.

      2.          مضطربي المزاج: وخاصة أصحاب السوابق أو الميول الإنتحارية من بينهم.

   3.     ذوي ميول معاداة المجتمع ( Antisocial ) : وهؤلاء يجدون في مخالفة قوانين المرور شكلا" رمزيا" من أشكال التمرد على المجتمع. وهم غالبا" ما يتسببون بحوادث المرور عن طريق مخالفات من نوع : 1. تجاوز السرعة ( 65 % من مجمل أسباب الحوادث المرورية) و2. التجاوز الممنوع / على اليمين أو في المنعطفات ( 12 % من إجمال الحوادث) و3. إجتياز الإشارات الحمراء وغيرها من المخالفات المرورية.

   4.    المدمنون: والواقعون تحت آثار مثبطات عصبية عامة. فبالإضافة لإدمان المواد والمهدئات توجد حالات يكون فقد الإنتباه فيها ناجما" عن إضطرابات فيزيولوجية ( اضطراب النوم مثلا") أو عصبية أو تناول أدوية مؤثرة على الوعي مثل مضادات السعال والحساسية وغيرها.

   5.     فقد المودة ( Apathia ) : ومن مظاهراتها إهمال صيانة السيارة ووسائل الأمان فيها ( حزام الأمان، إشارات، فوانيس، فرامل الخ).

إكتساب السلوك المروري السليم

إضافة إلى محوري التخويف والتعريف توجد محاور إضافية يمكنها تقديم الإجابة على السؤال حول أسباب عدم إعتماد الشخص لسلوك مروري آمن. وهذه المحاور ممكنة الإختصار بدينامية تحويل كل من المعرفة والخوف من مستوى النية إلى مستوى القرار.

وهنا يجب التمييز بين طور الدافع وطور الإرادة.

طور الدافع : في طور الدافع يحصل الإختيار بين السلوك السليم وبين الرغبة وبين إغراء السلوك المعاكس. حتى يمكن القول أن هذا الإختيار يكون نتيجة صراع داخلي. ولقد حظيت مسألة الإختيار هذه بمناقشة كبيرة. حيث طرح آجزن (  Ajzen ) نموذج السلوك المخطط. الذي يعتمد على ضبط السلوك الذاتي بإعتباره متغير تدخل آخر إلى جانب الإتجاه والتوقعات الإجتماعية. والمقصود بذلك إقتناع الشخص بملكيته لإمكانية تغيير الأشياء. وبذلك تلتقي نظرية السلوك المخطط مع نظريات العلاج الواقعي لجلاسر ونظرية التعامل مع الذات للرشيدي ( 1995). خصوصا" بعد ما أثبتته المراقبة من كون إدراك الخطر مدخلا" لإستدعاء التأثير الدافعي. لكن هذا التأثير يبقى أقل من تأثير توقع الكفاءة الذاتية ( إحساس السائق بقدرته على التحكم بأداة النقل التي يقودها كما بقدرته على تحسين سلوكه وأدائه في القيادة). من هنا القول أن للسيرورة المعرفية للقيادة السليمة ثلاث سمات أساسية هي : 1. إدراك الخطر و 2. توقع الكفاءة الذاتية و3. توقع النتائج. بحيث يؤدي إهمال احدى هذه السمات إلى تشويه هذه السيرورة. لكن التنظيم السببي لهذه السمات يبقى غامضا" ودون جواب لغاية الآن. لكننا نقع على نظرية لوك ولاثام (  1990) المسماة ب " تحديد الهدف". والتي تجد مقابلها في التعامل مع الذات بضرورة الإختيار والتغيير.

طور الارادة : وهو طور تحول النوايا إلى افعال. حيث تنطلق النية من مرحلة تحديد الهدف الى مرحلة تنفيذه. هذا التنفيذ الذي لايتم دون توظيف صحي للإرادة. هذا التوظيف الذي يدرجه الرشيدي / التعامل مع الذات في إطار التحكم. حيث يرى أن الخطوة الأساسية نحو الإختيار تكمن في القدرة على التحكم. فهذه القدرة كفيلة بتفعيل النوايا وتحويلها إلى أفعال تطور الذات والسلوك عامة.

          ختاما" فقد بات من البديهي أن تلقين المعرفة والتربية حول المخاطر لاتشكل وحدها وسيلة صالحة لدعم السلوك الصحي ( المروري وغيره). لذا فإنه من الواجب دعم هذه الوسيلة بوسائل أخرى. وربما البحث عن طرق أخرى. فإذا ما إستعرضنا النظريات المتنافسة حول هذا المجال وجدناها تلتقي عند نقطة توقع الكفاءة أو القدرة على التحكم. كما نجدها تلتقي عند مبدأ أن مفهوم الخطر بحد ذاته غير كاف لإشتقاق تأثيرات تربوية. وهنا يتقدم مصطلح الموارد ( Resources )  حيث يبدو من الملح والضروري تعليم المعنيين أن لديهم اسباب التفاؤل كونهم يمتلكون بالفعل كفاءات التصرف (التحكم) من أجل اللجوء الى إجراءات تقيهم من الأخطار. وهدف الحد من الأضرار ( حوادث السير والإدمان والسلوك المؤذي للصحة وغيرها من الأضرار) في مجتمع ما هو هدف تربوي يستأهل بناء كفاءات خاصة. وبما أن نظرية التعامل مع الذات مكيفة وفق الواقع العربي عموما" والخليجي خصوصا" فإن هذه النظرية قد تشكل الداعم الأساسي لتعزيز الموارد ولتعليم الفئات المتعرضة للأخطار على بناء كفاءاتها الخاصة في تحويل النوايا الناشئة عن حملات التوعية إلى أفعال. بالإنتقال بإدراك هذه الفئات للأخطار المهددة لها من طور الدافع إلى طور الإرادة.

المراجع العربية

   1.     شفارتسر رالف ( 1994): التفاؤلية الدفاعية ، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة، المجلد الخامس العدد الثامن عشر، لبنان.

   2.     شفارتسر رالف ( 1996): تربية السلوك الصحي، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة، المجلد السابع، العدد السادس والعشرون، لبنان.

      3.         الرشيدي بشير (1995): التعامل مع الذات، مكتب الإنماء الإجتماعي، الكويت.

   4.     النافع عبد الله والسيف خالد ( 1988): تحليل الخصائص النفسية والإجتماعية المتعلقة بسلوك قيادة السيارات في المملكة، جامعة الملك سعود بالرياض، السعودية.

   5.     الصالح ناصر عبد الله عثمان ( 1415 هـ): المستجدات والمتغيرات في حوادث المرور في مكة المكرمة ، مجلة الأمن، العدد التاسع.

   6.     الصياد جلال ( 1410 هـ): دراسة إحصائية لحوادث المرور في المملكة العربية السعودية، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض، السعودية.

المراجع الاجنبية

1.                     Pannain .p  ( 1985): Criminological problems off traffic accidents. CD National Criminal justice Refferences Service. Department F. Rockville.

2.                     Schwarzer. R ( 1994): Volitions Theorie der Gesundheitserziehung Z.F. Paed , 40 jg ,no 6.

3.                     Schwarzer. R ( 1993) : Defensiver und Funktionaler Optimismusals Bedingungen Fur Gesundheitsverhalten Zeitschrift fur Gessundheit Psychologie, Band 1, Heft 1,S 7-31.

العودة الى الصفحة الرْيسية