موقع الدكتور محمد احمد النابلسي  / ترجماته
 

     


عنوان الكتاب: 
الحلم والمرض النفسي والنفسدي
المؤلف: بيار مارتي
الناشر: مركز الدراسات النفسية ط1 1987
عرض: د. خريستو نجم في جريدة الانوار في 1/8/1987
 

بحوثه المنشورة عودة الى مؤلفاته عودة الى ترجماته عودة للرْيسية

 

من استقرأ تاريخ الأحلام وتفسيرات الشعوب لها خلال العصور, أدرك حقيقة الصلة بين الحلم والحياة النفسية عموما" أو الحلم والأمراض العصابية خصوصا". منذ المصريين القدامى حتى المحللين المعاصرين مرورا" بالكهنة البابلين والاشوريين وعلماء اليونان وفلاسفتهم والمفسرين العرب واليهود، كانت الأحلام مرآة الأعماق الانسانية بما فيها من رغبات مكبوتة وغرائز ملجومة ومخاوف متوقعة، وهي مرآة شبيهة بصفحة الماء التي تشوّه الصورة المعكوسة فتنقلها محرّفة. ولذا كانت الحاجة ملّحة الى تأويلها على رار السطور الهيروغليفية. ألم يقل فرويد أن لغة الأحلام هي لغة الشيفرة التي تحتاج الى دراسة ودربة ؟ وقد استعانها المحلل النمساوي لفهم أعراض المرض ومعالجته. من هنا أهمية الكتاب الذي صدر مؤخرا" لبيار مارتي مدير معهد العلوم النفسدية في باريس وقد ترجمه الى العربية الدكتور محمد النابلسي، المختص في الطب النفسي – والبسيكوسوماتيك ( النفسدي). وهو بعنوان (الحلم والمرض النفسي والنفسدي).

أ- العلاج النفسدي بواسطة الحلم، يؤكد مارتي من خلال تجربته الواسعة أن غالبية المرضى النفسديين، تنتمي الى احدى فئتي العصاب: أما السلوكي وأما الطبائعي. وقد وصف لنا العصاب الطبائعي وصفا" دقيقا" ميزه عن سائر أنواع الأعصبة. والحق أن هذا العصاب لم يكن معروفا" قبل مارتي. فرايش حاول أن يفسّره عن طريق تشبيهه بالدرع الطباعية cuirasse caractèrielle التي تحدد نمطا" معينا" من الاتجاهات الدفاعية، مهما كان نوع المحتوى المنطوق. وهنري سوجيه استعمل هذا العصاب للدلالة على الحالات التي تتغلغل فيها الدفاعات الطبائعية داخل (الانا) بشكل يؤدي الى ظهور تنظيم يوحي ببنية ما قبل ذهانية. أما بيار مارتي فقد علل هذا العصاب بعدم الكفاية التي يشكو منها تنظيم الجهاز النفسي. وعليه فان عصاب الطبع يغدو عنده مستقلا" عن سائر الأعصبة النمطية التي سبق أن شرحها فرويد في مؤلفاته. فقد حدد مارتي درجة تأصل هذا العصاب بتقسيمه عدم كفاية التنظيم النفسي الى ثلاث مراحل هي :

1- عدم الكفاية العابرة المصحوبة بالاعاقة والتهرب وكبت التصورات العقلية.

2- عدم الكفاية الممكنة التعويض من خلال عمليات النكوص.

3- عدم الكفاية المتطورة الى أقصى حدودها والمميزة بغياب شبه كلي للتصورات، وذلك من خلال عمليات اختلال التنظيم.

صحيح أنه لم يتح لنا متابعة هذه المراحل لدى مرضى العصاب لأننا لا نعمل في ميدان التحليل النفسي السريري، غير أننا اختبرنا هذه الأعراض ودرجة حدتها من خلال منهجنا النفسي في تحليل الادب واعلامه. وقد تبينا مؤخرا"، في دراسة لنا عن أبي شبكة لم تصدر بعد، ان شاعر (غلواء) و (الأفاعي) كان يعاني من العصاب الطبائعي الذي رشح من آثاره الشعرية ومعاركه الأدبية ومن تعثّر علاقاته الاجتماعية عموما" والنسائية خصوصا". ولعل أفكار بيار مارتي لم تفسر عصاب شاعرنا وحسب، بل فسرت أيضا" سبب اصابته بسرطان الدم نتيجة لهذا العصاب. ففي رأي الأطباء النفسيين ان اللوكيميا من الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي ولا نجانب الصواب اذا قلنا أن ذهان فرجيني.، شقيقة الشاعر الغرى، ووقوعها في " النوراستانيا " بعدما ظهرت عليها أعراض العصاب زمنا" طويلا"، ثم موتها في مصح للأمراض العقلية،  كل ذلك يدعم نظرية مارتي في العصاب الطبائعي. ذلك ان ذهان فرجيني مرتبط الى حد بعيد بالعصاب المهيمن على شبكة الأفراد والعلاقات في الأسرة. ألم يذهب بعض المحللين الى ان كل ذهان هو عصاب في آن معا". لأنه لا يمكن أن يتجلى أي تغيير في النفس من غير تدخل الحياة العصبية(2). هذا مع العلم ان ليس كل عصاب، ذهانا" في الوقت عينه. وليس بعيننا في هذا المجال أن نفصل في الجدل القائم حول ما هو عصابي وحده أو ما هو عصابي وذهاني معا"، فالقضية لا تزال غير واضحة تماما" في كثير من المراجع والمصادر (3). وما غايتنا سوى اظهار فضل مارتي في حديثه عن الأعصبة. وها هو يرجع العصاب السلوكي الى سوء تنظيم الجهاز النفسي الذي يؤدي بدوره الى بعض الأمراض النفسدية. وقد أفاد مارتي من أحلام مرضاه في معالجة هذه الأمراض. ولذا حلل في كتابه عن الحياة العلمية ثلاثة أنواع جديدة من الأحلام هي :

1- الأحلام العملياتية opératoires وهي رؤية احداث النهار السابق في الحلم. وربما يأتي الحلم العملياتي ليعيد ما فعل المرء نهارا" أو ليستبق ما يزمع فعله غدا". فالعمليات ان لم تجر في الأمس. تجري حتما" غدا".

2- الأحلام التكرارية وهي التي تتكرر بشكلها، لا المتكررة بفكرتها فقط كما يحدث لدى العصابيين التقليديين، فالأحلام المتكررة شكلا" تنطلق من مبدأ الأحلام العملياتية نفسه، أي من تكرار ما حدث نهارا" أو ما ننوي احداثه غدا"، وهي أحلام حوادث، وأحلام انسحاق، وأحلام خانقة، وأحلام حرائق. وكلها تشترك فيما بينها من حيث عدم قدرة الحالم على تحمل الحساسية من افراط المثيرات والتصورات الحلمية الناتجة عنها. وكلها تعكس أيضا" فكرة ثابتة، قد تصيب الوظائف التعبيرية بالاعاقة أو الشلل.

3- الأحلام الفظة crus وهي الأحلام التي تحتوي على تفاصيل الوعي من غير خضوعها للتلطيف، من قبل الرقابة النفسية. ومعنى ذلك أنها تعكس اللاوعي بتفاصيله الدقيقة، حتى ليتراءى لنا الحلم صورة صادقة عن اللاوعي. وكثيرا" ما يتقبّل المريض فكرة الحلم الفظ ويرويه بكل بساطة بالرغم من احتوائه على الكثير من المكبوتات التي كان مفروضا" ان تمنع الرقابة النفسية ظهورها الى حيّز الوعي. هكذا تتشابه الأحلام الفظة مع أحلام بعض المرضى الذهانيين الذين يسترسلون في عرض رغباتهم خارج تأثير الرقابة لانعدام الرقيب بسبب اصابتهم بالذهان. ويرد مارتي الأحلام الفظة الى حالة من التراخي العام في الجهاز النفسي، الأمر الذي ينعكس في وهن الدفاعات والرقابات النفسية المختلفة.

وفي فصل رابع وأخير، يشرح الكاتب دور الأحلام في العلاج النفسدي وامكانية استخدام الحلم في تشخيص المرض وعلاجه، ومراقبة مدى تطوره أو تراجعه.

ب- مقدمة بقلم المترجم

تجدر الاشارة الى ان المترجم وفّق في شرح هذه النظرية التي تدخل في مجال اختصاصه وكان للمقدمة التي كتبها اثر في مساعدة القارئ على استيعاب نظرية الحلم واستخدامها في العلاج النفسي والنفسدي. ولا بأس أن نلفت الانتباه الى بعض النقاط البارزة في الكتاب. كان نذكر امانة المترجم في نقل النص الأصلي، وعنايته في تذييل النسخة العربية بالشروحات الكافية لفهم التعابير التحليلية والمحتوى الاجمالي للنظرية ولكم تنمنينا لو أضاف المترجم ومهما يكن، فكتاب (الحلم والمرض النفسي والنفسدي)، يأتي ليسهم في سد واحدة من أعمق الثغرات في مكتبتنا، أعني بهذا الميدان النفسي – الجسدي الذي يعمل مركز الدراسات النفسية  والنفسية – الجسدية على نشره. سواء بالمؤلفات الموضوعية مثل ( أمراض القلب النفسية) و (الانهيار العصبي)، أو بالترجمات المنقولة مثل ( الحلم والمرض النفسي والنفسدي) و(عيادة الاضطرابات الجنسية) وسواهما من الابحاث العلمية والدراسات الأكاديمية.