نظريات حديثة في الطب النفسي      

المؤلف: البروفسورة اليزابيث موسون
الناشر: دار النهضة العربية
عرض: د.سهام راشد

 

  تت

ميز أعمال البروفسورة اليزابيث موسون بعمقها وبتنوّعها اللذين يعكسان سياسة البحث العلمي في مدرسة بودابست للطب النفسي. هذه المدرسة التي تأسست أرضيتها النظرية في ظل الامبراطورية النمساوية الهنغارية ومن مؤسسيها نذكر: سوندي وفيرنزي وروهايم وغيرهم. أما الأساس العلمي الاكلينيكي لهذه المدرسة فإنه يعود إلى العالم المجري ميدونا (Meduna) الذي يدين له الاختصاص بالعلاج الصدمي الاختلاجي. فقد كان سباقا" لعلاج المرضى العقليين عن طرق صدمة الكاديازول وكان ذلك في العام 1923. وكان لهذا الاكتشاف صداه العالمي وأثره في تاريخ الاختصاص. والمؤلفة تدرجت في هذه المدرسة حتى توصّلت إلى رئاستها إضافة إلى مناصب عالمية عديدة أخرى. وهي قد اختارت محتويات هذا الكتاب من إعمالها على مدى أربعين سنة من الممارسة. تنقلت المؤلفة خلالها بين الاختصاصات الدقيقة المتفرعة عن اختصاص الطبّ النفسي. وهي قد ضمنت كتابها هذا مذهبها الخاص في الفحص النفسي. كما جمعت فيه ما بين النظرية والتطبيق وبين البيولوجي والدينامي وبين الجراحي والدوائي وبين السيكوسوماتيك.

 

إن غالبية فصول الكتاب منتقاة من بحوث عرضتها المؤلفة في المؤتمرات العالمية. من هنا جمعها بين العمق وبين الإيجاز. ترجم الكتاب وأشرف على نشره الدكتور محمد أحمد النابلسي وهو أحد التلامذة العرب الكثيرين للمؤلفة. وقد أضاف الدكتور النابلسي بعض الشروحات والتعليقات التي تسهّل تناول محتويات الكتاب.

 

المقدمة:

 

تألّف الكتاب من مقدمة وفصول أربعة، أما المقدمة فعبارة عن مقالة اختارتها البروفسورة "موسون" للاطلال على القارئ العربي، ولأنها تلخص بأمانة موقفي من الاختصاص ومن المرضى الذين عملت معهم طيلة أربعين سنة من حياتي.

 

وخلاصة هذه المقالة المقدمة إن " حصر الدوامات" التي تؤلم البشرية (إعتداءات، عنف، صراعات، مواقف، التمييز العنصري والديني) في إطار أعراض مرضية هو عمل لا يرتكز على أي أساس، وبالتالي فإنه خطأ من الأخطاء التي نرتكبها بحق أنفسنا وبحق البشر، وهذا الخطأ العيادي وبخاصة النظرة الرومانية القائلة " بأن هذه الأعراض المرضية هي دلالة على انحراف المجتمع نحو الجنون الجماعي" هي فرضيات لا يمكن للأطباء النفسانيين أن يعتمدوها أو حتى يقبلوا بها فتجربة هؤلاء الأطباء إنما تشير إلى عكس ذلك تماما" خاصة" وأننا نرى اضمحلال عدد من الأمراض النفسية الكرى وانحسارها لدرجة الالغاء أحيانا".

 

ولكن هل نستطيع القول أن شروطنا الانسانية المعاصرة أصبحت تتطابق مع الخصائص الايجابية للصحة العقلية المتلخصة بـ الحساسية الاجتماعية والقدرة على التحكم بالمحيط والنظرة الموحدة للحياة وتحقيق الذات والقول الذاتي؟.

 

والجواب بالطبع: كلا، وإن كان المستوى الانساني الثقافي النفسي قد أمسى أفضل مما كان عليه، إلا أن هناك عاملا" مهما" يؤدي إلى ارتفاع نسب الأمراض النفسية البسيطة (صعوبات تكيف، اضطرابات انفعالية ...الخ) وهو المتعلّق بسيرورة الوعي وأحد مظاهر هذه السيرورة مبدأ الوقع أو مفهوم الوقت ولا ترى المؤلفة أن هذا المفهوم ذو أهمية فائقة ولذلك تقترح طريقة غاية في البساطة ولكنها ذات قيمة استكشافية فائقة، ونعني بهذه الطريقة ( تمثل مفهوم الوقت بالرسم).

 

وقد طبقت البروفسورة موسون هذه الطريقة بنجاح وأسفرت التجارب عن وجود عامل مشترك "لدى هؤلاء المفحوصين وهو الخوف من المستقبل الذي يأتي ليقتل الحاضر الذي وإن كان سيئا" إلا أنه معاش".

 

قلق المستقبل:

ويأتي السؤال: ماذا نفعل في مواجهة قلق المستقبل هذا؟ وماذا نفعل لكي نحل الأمان والطمأنينة محل هذا الخوف من الحياة؟ وماذا نفعل كي نضمن الصحة العقلية ووقايتها؟ إن اللجوء إلى المخدرات لزيادة قدرة الانسان على التحمّل ومواجهة القلق، وإلى المهيجات النفسية أو إلى الجراحة النفسية Leucotomle أمر لا يقرّه الأطباء النفسيون بل يرفضونه رفضا" قاطعا" فقد أثبتت خبراتهم أخطار هذه الحلول وعدم جدواها.

 

والحل الذي تقترحه المؤلفة هو تحسين الأوضاع الاجتماعية لأن الأمان النفسي للفرد لا يمكن أن يأتي إلا من خلال أجواء انسانية بعيدة عن التشنّج، وهذا يلقي على العاملين في المجال النفسي مهمة جديدة تتلخص في تلقيننا "كيف نحيا" Learningtobe.

 

وأما الفصل الأول فعنوانه : "الاختبارات النفسية الحديثة" ويشتمل على اختبارين:

 

(أ) رسم الوقت لمرضى القلق والانهيار والمرضى المصابين بالأعصبة البسيكوسوماتية، أي النفسية الجسدية.

 

(ب) اختبار (رودولف) وهو عارة عن تحليل نفسي لساني للمعطيات الكلامية لاختبار التماهي Identification في الحالات المزاجية.

 

ويتألف هذا الاختبار من ست عشرة صورة تمثل حالات انفعالية مختلفة ومتفاوتة مع شرح واف لطريقة تطبيق الاختبار واستخرج نتائجه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الفصل يتضمن بحثا" من وضع الدكتور نابلسي بعنوان " اختبار رسم الوقت وتطبيقه في البسيكوسوماتيك ".

وعنوان الفص الثاني " مساهمة في البسيكوسوماتيك " ويشتمل على عرض لإشكالية " العلاقة بين العامل النفسي وبين المرض الجسدي " بالاستناد إلى التجارب الشخصية للمؤلفة وقد قدم هذا العرض للمؤتمر الدولي السابع عشر للمنظمة الدولية لعلم النفس التطبيقي.

ويتألف هذا الفصل من قسمين:

 

(أ) بسيكوسوماتيك الغدة الدرقية، ويدور حول تحري الأسباب النفسية للإصابة بزيادة إفراز الغدّة الدرقية Hyperthyroidique مع شرح مفصّل لوسائل الفحص ومنها الفحوص العصبية وتخطيط الدماغ بالاضافة الفحوص النفسية والإختبارات الإسقاطية. ورسوم لتخطيطات الدماغ تثبت أن الزيادة في إفراز الغدة الدرقية تصاحبها تغيرات في تلك الرسوم.

 

(ب) الساعة البيولوجية: وفيه تعرض المؤلفة ملخصا" لدراستها التي تناولت السلوك الزماني لدى عشرين مريضا" نفسيا" يعانون درجات متفاوتة من اضطراب الشخصية والتي خلصت منها إلى النتيجة التالية التي تؤكد أن " البنية النفسية المرضية هي السبب في الاحساس بتباطؤ مرور الوقت ".

أما الفصل الثالث فقد خصصته البروفسورة موسون للعلاج الدوائي للمرضى العصابيين، وفي هذا الفصل تعرض الاشكاليات التي تواجه الاختصاصيين في علاج الحالات المختلفة للعصاب وتختصرها في:

 

(أ) الاشكاليات الحقيقية والوهمية للعلاج الدوائي للأعصبة.

 

(ب) عوامل التطبيب المعتمدة على شخصية المريض.

 

(ج) العوارض المستهدفة أو تناذر العلاج الدوائي.

 

(د) العلاج الدوائي لحالات القلق وتتحدث فيه المؤلفة عن المهدئات العظمى المثبطة والمهدئات العظمى المضادة للهلوسة والعقاقير المثيرة نفسيا" وإسعافات القلق والعقاقير صادات بيتا ومضادات الانهيار وأسماء هذه العقاقير ومفاعيلها وطرق استعمالها ومقادير الجرعات واختلاف آراء الأطباء حول الجمع بين عقارين أو أكثر، منهم من يقول بالجمع " بغية السيطرة على كافة المظاهر المرضية " وعلى هؤلاء يرد دعاة العلاج الأحادي " بأن التداخل الأيضي بين مختلف العقاقير من شأنه أن يؤدي إلى الحدّ من مفعول كل منهما على حدة وإن كان هذا الحد لا يشمل كافة العقاقير يمكن الجمع بينها دون أن ينتقص الجمع من مفعولها مثل مضادات الانهيار ثلاثية الحلقات مع المهدئات العظمى".

 

أما الفصل الرابع والأخير فمخصص للطب النفسي البيولوجي وهو مذهب من أحدث مذاهب الطب النفسي في العالم وأهمها.

 

ويشتمل هذا الفصل على أربعة بحوث" كانت قد نشرت بشكل مقالات في مجالات عالمية مختصة وقد تمّ اختيارها لاهميتها سواء من ناحية الحداثة أو من ناحية الآفاق التي تطرقها وهي:

 

(1) دراسة مقارنة بين تخطيط الدماغ الكهربائي وتخطيط الدماغ الدموي من حيث الاستجابة لعقار الهاليدور وهو الاسم التجاري لمادة " بينكلانوم " (Beneyclanum)  - الذي يوسّع ويمدد الشرايين التاجية والدماغية والمحيطية. وعقار " Amyl Nitride "، بغية فهم واستيعاب الوظيفة الدماغية.

 

(2) دراسة طبية نفسية لـ(85) حالة اضطراب في الوعي.

 

(3) العلاقة بين ارتفاع نشاط خمائر التأكسد الاحادية الأمينية: Oxidase Amino Mono  واختصارا" M . O . A وبين الاستجابة للعقاقير المعيقة لهذه الخمائر في حالات الانهيار ثنائية القطب.

 

(4) اختبار قمع أب تخلص الجسم من الـ Dexamenthason وهو من عقاقير الكورتيزون المصنعة في حالات الانهيار المقنع.

 

أما بالنسبة إلى البحث الأول من هذه البحوث الأربعة فتقول المؤلفة :" لا توجد أي دراسة سابقة شبيهة بهذه الدراسة" والبحث مزوّد بصورة للتخطيط الدموي لنصفي الدماغ، وشرح مفصّل للطريقة وأنماط الاستجابة التي تم بناء عليها تقسيم المرضى إلى فئات ثلاث، ثم نتائج الدراسة ومنها أن الهاليدور " المحقون وريديا" لم يؤد إلى أي تغيير ظاهر في التخطيط الدماغي لدى(12) مريضا" من أصل (18) مريضا" (موضوع الدراسة) أما في الحالات الست الباقية فقد سجلنا الأنماط التالية لردود الفعل:

 

(أ) اكتست موجات ألفا غير المنتظمة ميزة اشتدادية بحيث زادت نسبة ظهورها بشكل عشوائي.

 

(ب) أدت المثيرات الضوئية المتقطعة إلى ظهور موجات حادة صادرة عن الصدغ الأيسر...الخ.

 

وبالنسبة إلى البحث الرابع حول الانهيار المقنع Masked Depression وقيه تقتصر المظاهر الانهيارية على الناحية الجسدية وحدها في حين تبقى المظاهر النفسية مستترة. وللكشف عن الظواهر النفسية لهذا الانهيار ثبت أن لاختبار قمع الديكساميتازون D. S.  اهمية فائقة في تدعيم تشخيص الانهيار المتآتي من الداخل والبت في هذا التشخيص.

 

أما طريقة البحث فهي إعطاء المريض جرعة واحدة من الديكساميتازون عن طريق الفم الساعة العاشرة ليلا"، وفي الثامنة من صباح اليوم التالي " كنا نأخذ عيّنة من دمه لتحديد نسبة الديكساميتازون في البلازما، كما نعيد الكرة فنفحص هذه النسبة في الساعة الثالثة بعد الظهر ومن ثم نقوم بمقارنة هذه النسب مع النسب التي نعتبرها عادية" كما تقول البروفسورة موسون.

 

وعلى ضوء النتيجة أي تخلص الجسم من هذا الكورتيزون أو عدم تخلصه يجري العلاج بمضادات الانهيار. وتقول المؤلفة " إن كل مريصاتنا المعانيات من الانهيار المقنع كن قد عرضن أنفسهن المعاينات طبية عامة واختصاصية ... وبما أن المريضة منهن كانت تقصر شكواها على الناحية الجسدية فإن الأطباء لم ينتبهوا إلى الطبيعة المزاجية النفسية لهذه الشكاوي، ومن هنا لجوء هؤلاء الأطباء من عامين واختصاصيين إلى العلاج الظواهري وهو علاج غير مطابق لطبيعة المرض".

 

وبعد فلا بد من الاشارة في ختام هذا العرض السريع الموجز إلى أمرين :

 

الأول: إن هذا الكتاب جاء ليسد فراغا" في المكتبة العربية الفقيرة جدا" في الكتب العلمية كما هو معروف.

 

الثاني: أنه يتطرق إلى علاقة الحروب بالأمراض النفسية والبسيكوسوماتية، ومن أجدر من القارئ اللبناني بفهم هذه العلاقة وهو الذي عانى طويلا" ولا يزال من ويلات هذه الحرب المشؤومة التي فرضت عليه.

 

 

العودة الى الصفحة الرْيسية