المقالة الاسبوعية  

العراق وضربة سبقها الزمن

العراق... فيلم اميركي طويل

الامبراطورية وتهديد الأفراد

عندما يكذب الأميركيون

خرافة ما بعد الصهيونية

 

 

العراق... فيلم اميركي طويل
                 
13/11/2002  الكفاح العربي                                                                                 

    ماذا تسمي حضور بعضهم لأحد الافلام عشرات المرات وعجزه عن تخيل نهايته في كل مرة. وفي الفيلم الاميركي الطويل المعنون «العراق» نجد روسيا والدول الاوروبية تعارض الحرب الاميركية في الخليج (تحرير الكويت) حتى آخر لحظة. حين شاركت بقواتها في الحرب.
في المقابل سمحت باكستان لكلينتون بانزال قواته سراً في العام 1998 بهدف ضرب افغانستان. لكن اميركا تراجعت يومها وبقي امر الانزال سراً. فلما جاء تصميمها على ضرب افغانستان في العام 2001 فتحت باكستان ذراعها للقوات الاميركية فتعجب من ذلك عديدون!
في هذا الفيلم ليس مهماً ان تكون مع هذا الموقف او ذاك بل ان تدرك ان الفيلم ذاته يتكرر ويعاد عرضه حتى الملل. وعدم ادراك هذه الحقيقة هو سذاجة في اكثر التعابير تهذيباً والاوصاف دبلوماسية.
هل يحق لنا ان نفاجأ, او ان ندعي المفاجأة, لتحول الموقفين الروسي والفرنسي الى التأييد المبطن للموقف الاميركي؟ خصوصاً عندما يتم ذلك تحت غطاء الامم المتحدة التي تكرر فيلماً قديماً بعنوان «عصبة الامم». الحدث المركزي في فيلم العراق هو ان الدول المؤثرة عالمياً لم تصل بعد الى قطع الحبل السري الذي يربط اقتصادياتها بالاقتصاد الاميركي, وهي بالتالي ستبقى تابعة في المدى المنظور.
الوضع العربي من جهته مصاب بفقدان المناعة المزمن, حيث جرى عزل وحرمان حتى الدول العربية الفاعلة من ابعادها الاستراتيجية, وهذا ما ادى الى فقدان كل آمال التكامل المناعي والاستراتيجي العربي.
هذا الواقع يمثل فرصة ذهبية لاتخاذ الخطوات الوقائية لاصلاح الاقتصاد الاميركي السائر بسرعة نحو الانهيار, خصوصاً بعد اطمئنان ووكر بوش الى الاغلبية في الكونغرس, والتي يحتاج اليها لضمان عدم فضح مخالفاته المالية والانتخابية والسياسية, كما هو يحتاج الى ممارسة هوايته بتقليد النمور وهو تقليد اعلن الديمقراطيون للاميركيين عجزهم عن التعايش معه. وهنا علينا ان ندرك مرة اخرى اننا نشاهد فيلماً سبق لنا مشاهدته, حيث قام رئيس سابق لبوش بتقليد النمور, انه ليندون جونسون الذي ادخل اميركا في النفق الفيتنامي, حيث ينتهي الفيلم باكتشاف حقيقة النمر وهي انه كان مجرد قط مذعور (انظر كتاب التسجيلات السرية لجونسون في موضوع فيتنام).
والآن ماذا عن فيلم «العراق» المعروض حالياً على شاشة مجلس الامن الدولي؟
اولى الملاحظات هي سوء الاخراج, حيث يجهل المخرج تماماً طبيعة المنطقة وخصائص الشخصيات وخلفيات المشاهدين, وكل خطأ منها كفيل بالتسبب في فشل الفيلم, فالعراق هذه المرة غير معتد, واليورانيوم الذي تنوي اميركا استخدامه سيكون اداة ابادة لسكان كل المنطقة. كما لا توجد اي دولة عربية مطمئنة لنيات اميركا تجاهها, خصوصاً ان هذه الحرب ستكون سبباً لانهيار الاقتصاديات الخليجية. كما لا يمكن لعاقل في المنطقة او خارجها ان يقتنع بعجز العمليات السوداء الاميركية عن اقصاء صدام حسين, سواء بالاغتيال او بالانقلاب وغيرهما من الاساليب الاميركية المعهودة, حتى ان اقتراحاً اسرائيلياً تسرب ايام كلينتون عن استعداد كوماندوس اسرائيلي للقيام باغتيال الرئيس العراقي, وهذا يعني ان هدف انهاء النظام العراقي هو اول الكذبات الاميركية الكبيرة في القرن الجديد, فالمسألة, كما في الافلام السابقة هي مسألة مص دماء اقتصادية على طريقة دراكولا.
الخلاص من كابوس هذا الفيلم هو في تحرك اسرع للجمهور الاميركي ليدرك ان النمر المدافع عن جبروت اميركا هو مجرد قط متنمر. بدليل فضائحه المالية التي تعكس فقره بالمقارنة مع ثراء صقوره, فلو تأخر الاميركيون في هذا الاكتشاف فإن ذلك سيعني تحول منطقتنا الى بحور من الدماء لأن العملية تنطوي على نيات ابادة اميركية لشعوب المنطقة.
اغبى اخطاء المخرج الاميركي هو جهله لمفهوم الموت ومتغيراته لدى هذه الشعوب, فهو يبدو جاهلاً بأن حرب الخليج الاولى قد تسلت ببضع مئات آلاف القتلى, ففي احوال معينة وضمن مفاهيم محددة يمكن للموت ان يتحول الى تسلية, وهذا ما لن يدركه الاميركيون حتى بعد نهاية الولايات المتحدة.
 

 

الامبراطورية وتهديد الأفراد

 20/11/2002

        يبدو ان مساً من الجنون الجماعي قد اصاب صناع القرار ومستشاريهم في كل من اميركا وإسرائيل, كما يبدو ان التخلف العقلي قد اصاب العقل الاستراتيجي في هذين البلدين الحليفين.
صحيح ان الفكر السياسي البراغماتي لا يحتمل فكرة القائد الفرد, ذلك انه يعتبر الافراد مجرد ارقام ولا يعترف بوجود فرد يصعب استبداله بآخر او تصنيع شبيه له, والفكرة بحد ذاتها ساذجة ومخالفة لمنطق التاريخ, لكن اميركا كانت تمارسها بصورة اقل فضائحية, اذ كانت تلجأ الى الانقلابات والاغتيالات وغيرها من العمليات السوداء للتخلص من الافراد المزعجين, وهي تجاوزت ذلك في حالات خاصة منها حالة نورييغا, لكنها كانت عملية كوماندوس محدودة زمنياً ومرسومة التفصيلات ومحددة الخسائر مسبقاً.
لكن الجنون بعينه هو تحويل استراتيجية كبرى دول العالم الى صراع غير محدد زمنياً ضد افراد, فهل يقبل قائد متوازن بتوريط دولة كبرى في صراع ضد اشخاص, مما يعطي لهؤلاء حق السخرية والهزء من هذا الجنون الاستراتيجي, فهل يعقل ان تضع القيادة الاميركية شعبها وبورصاتها وعسكرها تحت رحمة تسجيل صوتي لبن لادن لا تتجاوز مدته العشر دقائق!؟ وهل يحق لدولة مسؤولة تعريض حلفائها في انحاء العالم لتهديدات هؤلاء الافراد؟
الاميركيون لا يريدون تعقيل وقبول اثر الافراد في صناعة مستقبل البشرية, فلولا انوثة ولسون لما كانت مظالم معاهدة فرساي, التي لا تزال تفجر الصراعات والحروب لغاية اليوم, ولولا جبروت ستالين وهتلر لما خلعت انياب النمور الاوروبية لتبرز اميركا كقوة عالمية. كما ان الاميركيين يعيشون غيبوبة ذهنية عندما يتناسون المهانة التي ذاقوها على ايدي ثوار العالم الثالث, من تشي غيفارا الى كاسترو وهوشي منه ونهرو وعبد الناصر وغاندي وتيتو والامثلة لا تنتهي, ويبدو ان العقل الاميركي مصاب بما نسميه في الطب النفسي بحالة التخدير الحسي, بدليل بحثهم الدائب عن قطب بديل جدير بلعب دور العدو, وتمخض بحثهم عن عداء لقائمة من الافراد حتى بتنا نسأل عن مستوى الفوضى الاستراتيجية البوشية الاميركية. ولقد افتضحت هذه الفوضى عندما عجز بوش عن التعامل مع كوريا وفق استراتيجية تعامله مع العراق وأفغانستان, مما يعني بداية فقدان التوجه الاستراتيجي واستبداله بالتعامل التكتيكي مع كل حالة على حدة (
Case By Case)
.
ان عجز اميركا عن تحديد اطر صراعها مع الافراد يعكس بداية تحولها من مارد الى قزم, فالجمهور الاميركي انتخب الجمهوريين لأنه يخاف من تحركات بن لادن وأفراده الموزعين في انحاء العالم, كما يخاف من الملا عمر ومن حزب الله ومن الحكومة الافغانية الجديدة, بل انهم يخافون من جارهم الفنزويلي هيغو شافيز, وهم يرتعبون من ذكر اسم صدام حسين, عداك عن اسماء فرعية اخرى كمثل قيادات الصف الثاني في حماس والجهاد والجماعة الاسلامية والجبهة الشعبية ومعارضي اوسلو عموماً, بل ان رعبهم وصل الى اطفال
الانتفاضة, في جميع الاحوال فإن الدولة الكبرى فقدت عدوها الى الابد وانشغلت في عداء الافراد, ولست اعتقد بأن هذه النهاية لائقة ومشرفة لدولة قادرة على تدمير الكرة الارضية عشرات المرات؟! فهل ينكر بوش وحزبه ان فوزهم كان من فتات مائدة بن لادن واستخدامه كفزاعة استقطب الصوت الاميركي المرعوب؟
أولاً يعيب هذه الدولة ان تتمكن فزاعة القاعدة من تهديد استقرار الاقتصاد الاميركي وأسهم بورصاته؟! وان تعجز كل التكنولوجيا الاميركية بأقمارها الصناعية الموجهة بالليزر عن مجرد تحديد امكنة قادة القاعدة وطالبان.

 

عندما يكذب الأميركيون

 

         يقول 64 % من الاميركيين انهم يؤيدون سياسات ووكر بوش ويعترف 7% منهم فقط بأنه يضع الارهاب موقع الاولوية الوطنية, في حين يدعي %63 منهم الاهتمام بالموضوعات التي فشل فيها بوش بامتياز ومنها الاقتصاد والتعليم والضرائب والتقاعد... الخ.
باختصار فإن مجمل استطلاعات الرأي الأميركية تشير الى ان ثلثي الاميركيين مستاؤون من اداء بوش وأن ثلثيهم يؤيدون سياساته!
هذا التناقض الواضح بين مدى خضوع المواطن الاميركي للآلة الاعلامية ولجبروتها, كما انه يؤكد تحول المواطن الاميركي الى الكذب. اذا افترضنا ان هذه الاستطلاعات ليست كذبة اعلامية مفبركة وهذا الميل للكذب لم يعد غريباً على المجتمع الاميركي حيث يكاد الكل يكذب على الكل, وهو دأب الاميركيين خلال الازمات فها هي تسجيلات الرئيس جونسون
للعام 1965 تؤكد كذب هذا الرئيس في ازمة فيتنام, حيث كان يعلن النصر الاميركي الاكيد في تصريحاته ويعلن الهزيمة في تسجيلاته السرية.
نتائج الانتخابات النصفية
5112002 ستظهر بعضاً من الكذب الاميركي, فمن المألوف ان يخسر حزب الرئيس هذه الانتخابات, فإذا ما حدث ذلك فإنه سيعني كذب ادعاء تأييد الرئيس, اذا لم يحدث وفاز الجمهوريون بهذه الانتخابات فإن ذلك سيعني معاناة الاميركيين من هيستيريا الخوف من الارهاب, وهم يكذبون بادعائهم الاهتمام بغير مخاوفهم.
السلطة بدورها تكذب على مواطنيها, فهي تغذي مخاوفهم عندما تظن انها بدأت بالخمود, وعندها تبدأ تسريبات مدروسة عن اخبار هجمات ارهابية جديدة, منها ما يستهدف الجسور ومنها ما يهدد البنوك وبعضها يستهدف البحرية, وآخر هذه التسريبات وأطرفها تقول ان القاعدة تريد تفجير احدى السفن النووية الاميركية!!
على مألوف العلاقة بين الكذابين فإن كل كذاب, او طرف كاذب, يطنش على كذب الآخرين كي يبتلعوا له كذبة وعليه فقد صدق الاميركيون ان بن لادن هو المبدع الاوحد لحوادث الثلاثاء, وان كل العرب هم اصدقاء بن لادن وحلفاؤه وأن لبن لادن حصة ما في اموال كل صاحب ثروة من العرب والمسلمين, وأن كل خدمات اصدقاء اميركا العرب مرهونة برضى بن لادن او غضبه!... الخ.
في المقابل يكذب المواطن الاميركي على سلطاته فيدعي تأييد الرئيس كما يدعي عدم الخوف والاهتمام بالامن القومي وبالاستعداد للقتال على بعد آلاف الكيلومترات من بلاده... الخ.
ويأتي دور السلطة في الكذب فتؤكد كون العرب المصدر الوحيد للارهاب, فتلغي الاضرار المحتملة من قبل الكاثوليك
اميركا اللاتينية والنازيين الجدد واليهود خصوصاً في البورصات وفي بيع الاسرار العسكرية والصينيون... الخ, وفي غمرة الكذب تنسى الحكومة الفيدرالية حوادث سينسيناتي العنصرية ابريل 2001 والطائرة الصينية فبراير 2001, كما تنسى فضائح شركاتها المفلسة منذ زمن والسارقة لأموال المستثمر الاميركي الصغير.
ويعود الدور الى المواطن فيكذب في كل استطلاعات الرأي اللاحقة وحتى في الانتخابات, لكنه سيتراجع عن كل هذه الادعاءات لحظة احساسه بتعرضه لخطر حقيقي يهدد حياته او مصالحه او رخاءه, وهذا الاحساس هو محرك تظاهرة المائة ألف اميركي في واشنطن, الذين خرجوا يعارضون صراحة اي تورط اميركي في العراق.
هل تكون هذه التظاهرة بداية نهاية الكذب الاميركي؟ وما هي درجة الصراحة الحكومية المقابلة لها؟ هل يكشف بوش وفريقه اقنعتهم؟ ام تكشفها لهم تحقيقات الكونغرس؟ وهل تصل الصراحة المتبادلة حدود الكشف عن وجه دراكولا مصاص دماء الشعب الاميركي؟ ام ان الهيستيريا المفبركة مخابراتياً ستكون كفيلة بامتداد عصر الكذب الاميركي لغاية توريط اميركا في عدة فيتنامات جديدة
العراق وكوريا وإيران... الخ.

                                                                     الكفاح العربي في 6/11/2002 
                                                                          محمد أحمد النابلسي

 

خرافة ما بعد الصهيونية

 

        المؤرخون الاسرائيليون الجدد تراجعوا عن طروحاتهم منذ بدء سطوع نجم شارون قبل نهاية باراك, البعض رأى فيهم مقدماً لمراجعة الصهيونية, والبعض كان يصنفهم في خانة معارضة الصهيونية وطليعة فكر ما بعد الصهيونية.
المهزلة ان البعض الاول ومعه البعض الثاني لم ينتبه الى ان التاريخ اليهودي الحديث
المتقطع مملوء بحركات التأريخ الجديد, وأن الصهيونية نفسها هي نتيجة واحدة من هذه الحركات. ثم ان الحركة المعاصرة لم تتجاوز حدود عرض الوثائق السرية الاسرائيلية المفرج عنها بعد مرور ثلاثين سنة. وبالتالي فهي منتهية تاريخ الصلاحية, ومتاحة علانية للباحثين. وهم عرضوا مبادلة هذه المعلومات المشاعة بمعلومات المؤرخين العرب التي لا تزال غير جاهزة للعرض العلني, فقد دعا هؤلاء الى اعادة تدوين للتاريخ بالشراكة بينهم وبين مؤرخين عرب!؟, فكانوا كمن يبيع الهواء. وهذا ليس غريباً على اليهود!
وها هو شارون الآتي بزخم ودفع الحاجة الاسرائيلية للعدوان؛ من اجل الاطمئنان, يحرم هؤلاء من بيع الهواء. فقد خشي هؤلاء الشجعان, الذين تحدوا المألوف الاسرائيلي, الوقوف في وجه عاصفة التطرف الشاروني, وهم ألقوا اسلحتهم بعد اعلان شراكة بوش
شارون. فهل بقي من الواقعيين العرب من يراهن على هؤلاء وعلى بشائر ما بعد الصهيونية؟
هذا الرهان لم يعد ممكناً إلا انه لا يعدم البدائل, ومنها بديل «التوحد بالمعتدي», الذي بلغ حدود الجنون ببعض هؤلاء الواقعيين, حيث تصدر احدهم يوماً شاشة «الجزيرة» ليعلن ان المقاومين العرب ومثقفيهم هم مجرد «زبالة», فهل يمكن للتوحد بالمعتدي ان يصل الى ابعد من ذلك؟ والجواب الاخصائي هو «لا» ولكن هنالك توابع لهذا التوحد وهي تبدت لدى هذا الشتام «النظيف» مقالة منشورة دب فيها الصوت كي يغتنم العرب آخر الفرص المتاحة لهم كي يتحضروا ويقتربوا من الآدمية. وهذه الفرصة هي قبول جميع الشروط الاسرائيلية في مقابل تعطف اسرائيل وتكرمها بمنحنا صفة «الحضارة» وشذراتها!؟
مشكلتنا مع هؤلاء الواقعيين هي في فقدانهم لاستبصار الذات. فهم لا يستبصرون ذواتهم وأفعالهم وأقوالهم, فلو اعاد «النظيفون» قراءة مقالاتهم في الفترات المتتالية لأدركوا كمية الهوام وحجم المذبحة وجرعة المازوشية الكامنة في ذواتهم, ومع كل الضعف الداعي لتجرئهم على اي موقف يخالف جلاديهم فإن تذكيرهم يبقى ضرورة, فهل يراجعون كل المعارضين والمعارضات المرتكزة على الدعم الاميركي؟ فقد ترك الفيتناميون الجنوبيون والكوريون لمواجهة مصيرهم. وتم توريط الاكراد في صراعات اهلية. اما المعارضة العراقية فقد سعرتها اميركا وفق تسعيرة عبيد ما قبل لنكولن, وتطول قائمة الامثلة التي لا تبشر المعارضات الاميركية بالخير.
يقفز احدهم ليقول بتغيير في الموقف الاميركي, وليستدل عليه بحالة د.سعد الدين ابراهيم, حيث بلغت الحمية الاميركية حدود الضغط على حكومة من اجل شخص فرد. وانطلاقاً من مبدأ «ان الطعن في الميت حرام» فإننا نتجنب تبيان خلفية الاهتمام الاميركي بشخص د.ابراهيم, ولكن هل يحلم هؤلاء «النظيفون» بمصير مثل مصيره!؟ وهم سيلقونه ان هم اصروا على عدم استبصار ذواتهم, فهذا الاستبصار سيقودهم الى مواجهة وقائع مؤلمة لواقعيتهم, فهم يتوحدون بالمعتدي عليهم. وهم يتقمصون عدوهم بمازوشية ترضي ساديته آملين النجاة من بطشه وعدوانه, وهذا ما يجعلهم «عرباً يكرهون انفسهم وأمتهم. وهم فئة معلومة من صفاتها انها لا تزال تؤمن بشجاعة المؤرخين الجدد وبقدوم ما بعد الصهيونية وبالقدرة اللامحدودة للعدو. وهم مدعوون للتفكير للحظة واحدة بمصيرهم اذا ما تمخض الامر عن صيغة ما تحقق المصالح الاميركية في المنطقة العربية؟
ان وجود هذه الصيغة سيكون على حسابهم وليس لحسابهم, فالبراغماتية, وهي سياسة المنفعة, لا تدفع اي ثمن للاشياء العديمة الفائدة, وهم سيصبحون كذلك بعد تلك الصيغة.
قد تتأخر هذه الصيغة الى ما بعد استنساخ اكثر من قرضاي عربي
من باب التسليم جدلاً بواقعيتهم المريضة. لكن كل قرضاي من العرب سيحتاج الى بضعة من رؤوسهم كي تقبله «الزبالة», وعندها فقط قد يتوضح الفرق بين الطهارة والنجاسة.

 

               محمد احمد النابلسي/ الكفاح العربي 30/10/2001

العراق وضربة سبقها الزمن

لما تزال ترجيحات الضربة الاميركية للعراق مسيطرة على المشهد السياسي, وهي ان اختلفت فاختلافها ينحصر في توقيت الضربة, البعض وبناء على تسريبات القيادة العسكرية, يرجح بداية الضربة في كانون الاول €ديسمبر€ في حين يدخرها البعض الآخر الى شتاء 2003, وهو مدفوع بتقديرات الوقت اللازم بجمع التوقيعات وتطبيقات ما خلف الكواليس من العربية الى الروسية والفرنسية.
ندرة فقط من المحللين يتحدثون بصوت خافت عن احتمال ضربة محدودة من نوع «ثعلب الصحراء» 1998, بحيث لا تريق الادارة الأميركية ماء وجهها بالتراجع ولا تبالغ بجنونها لغاية الهجوم الفعلي.
لكن صوت هؤلاء ارتفع قليلاً مع اعلان امتلاك كوريا الشمالية لأسلحة الدمار الشامل, وهو مجرد مثال على المفاجآت التي قد تطرأ في عالم مشحون بالتطرف وادعاء الجنون المتبادل.
كل هؤلاء ينسون او يتنساون ان العالم قد امسى اكثر جنوناً وفوضوية وان كان الصقور الاميركيون يأملون في ذلك, لكننا وجدنا معشر الاطباء النفسيين نعرف طول لحظات الكارثة, فتعاملنا مع الضحايا يؤكد باحتمال تحول لحظة واحدة الى عمر كامل. فالزمن يتحول الى سائل في تلك اللحظة بحيث يستحيل تجميده.
لذلك انطلق من الاختصاص منعزلاً عن كل الايحاءات وفاقداً للمعلومات كي اؤكد للمرة الثالثة, منذ بداية الحملة ضد العراق, بأن الضربة لن تقع, حتى لو اصرت اميركا على الجنون ومخالفة المنطق بصراحة مطلقة.
أما عن مبررات هذا الاعتقاد فشرحها عصي في هذه العالجة, ويكفي ان نذكر أن هنالك محوراً للشر يشبه السلسلة ذات الحلقات. والعراق ليس سوى الحلقة الاضعف فيها, طبعاً بعد ضرب الحلقة الافغانية.
لكن الواقع يبين قدرة هذه الحلقات على التوالد العنقودي, فها هي حلقات جديدة تنمو في الفيليبين وأندونيسيا واليمن والبقية تأتي...
لكن النقطة الاهم هي اهمال واقعة انقلاب قواعد الصراع على معادلة «النصر للأقوى» لمصلحة معادلة «النصر لمن هو اقدر على تحقيق الاذى» وهنا لا نتجاهل قدرة اميركا على اذية العرب, حيث يمكن للضربة العراقية ايقاع ملايين الضحايا, سواء بسبب اخطاء اميركية €عفوية او مقصودة€ او بسبب تفلت اسرائيلي او مفاجأة عراقية غير متوقعة.
لكن قطار الاذى الاميركي المنطلق من افغانستان ليقف في العراق ليفتش عن محطته التالية, فإن هو تجرأ على الدخول الى محطة بغداد فهو سيفاجأ بتفجير جميع محطاته الاخرى بما فيها المحطتان الافغانية والاميركية, وعندها سيطلب الصقور حق اللجوء السياسي الى اسرائيل التي سترفض منحهم له كي تبعد عن نفسها تهم الابادة الجماعية وكي لا تفضح جرائمها الانسانية تجاه الفلسطينيين.
افكار هذه المقالة ستبدو كالحلم غير المترابط وذي السيناريو السيء لكن الدهر الفاصل بين يومنا هذا وبين موعد الضربة سيفسر غموض ترابط هذه الافكار, وما يبدو ضعفاً في السيناريو الذي يجمعها, وللمزيد فلنذكر جيداً هذه المصطلحات: «ريد كود» و«الصين الاميركية» و«تاريخ الخيانات اليهودية» و«فضائح الادارة الاميركية» دون ان ننسى المصطلح الاهم وهو «الجنرالات الروس».

الكفاح العربي في 23/10/2002